التغيرات الدلالية عن ” بناء السماء ” عبر العصور ( الحلقة الأولى )

صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026
صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

التغيرات الدلالية عن ” بناء السماء ” عبر العصور

( الحلقة الأولى )

الدكتور . شبير علي ك . ك *

القرآن الكريم ليس كتاباً علمياً ، إنه معجزة الله الخالدة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهداية للبشر ، هناك نبذة من الآيات تشير إلى أسرار الكون وظواهر الطبيعة . يقال : إن عدد الآيات العلمية يبلغ ما يقرب على  سبع مائة وخمسين آية ، وهي تشمل علوماً مختلفةً . كل هذه الآيات نزلت بأسلوب بسيط ، ومفهومة لمن يتأمل فيها . المصدر المهم لدى من أراد البحث والدراسة في آيات القرآن والانغماس في عمق معناه وأسراره هو تفسير القرآن الكريم .

تطور علم التفسير عبر الزمان وبرزت فيه اتجاهات جديدة على مر العصور . ومن المفسرين من يتبع منهج التفسير بالرأي والتفسير العلمي في تفاسيرهم ، وقد حاولوا أن يفسّروا دلالات القرآن على أساس الحقائق العلمية والكونية واختراعات العلم الحديث واكتشافاته العصرية ، يريد الباحث في هذه الدراسة أن يفتش عن هذه التغيرات والتطورات التي حدثت في الكلمات والعبارات الواردة في بناء السماء في التفاسير عبر القرون .

مقدمة :

السماء ، هي كل ما يقع فوق سطح الأرض ، بما في ذلك الغلاف الجوي ، والفضاء ، أشار القرآن الكريم في آيات مختلفة إلى السماء وما فيها ، ويطلب من المرء أن يوجه نظرته إلى بنائها العجيب وأسرارها الكامنة ، ويشجع على التدبر والتفكير فيها ، ولاكتشاف عجائبها لأن يتعرف على قدرة الله الخالق ، وتأتي هذه الآيات في سياق الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة ، وهو الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته ، وهو قادر على إفنائه وإعادة خلقه من جديد .

وكلمة السماء قد وردت في القرآن الكريم مائة وعشرين مرةً (120) في صيغة الإسم ، كما وردت في صيغة الجمع ” السماوات ” مائة وتسعين مرةً (190) . وقد وردت كلمة ” السماء ” مقترنةً بكلمات مختلفة حتى تشير إلى عجائب بنائها ، وتنظيمها ، ومنافعها ، ومصالحها ، وغيرها من قدرة الخالق . ومنها ما وردت في القرآن عبارات مثل ” السماء بناء ” [1] ، ” فسواهن سبع سماوات ” [2] ، ” جعلنا في السماء بروجاً ” [3] ،        ” جعلنا السماء سقفاً محفوظاً ” [4] ، ” نطوي السماء ” [5] ، ” يمسك    السماء ” [6] ، ” تشقق السماء ” [7] ، ” أن تقوم السماء ” [8] ، ” كيف بنيناها وزيناها ” [9] ، ” والسماء رفعها ” [10] ، ” انشقت السماء ” [11] ، ” السماء منفطر ” [12] ، ” السماء فرجت ” [13] ، ” فتحت السماء ” [14] ، ” السماء كشطت ” [15] ، ” والسماء والطارق ” [16] ، ” والسماء ذات الرجع ” [17] ،        ” السماء كيف رفعت ” [18] ، وغيرها . ومن هذه الكلمات ، يريد الباحث أن يختار تعابير مثل ” بناء ” ، و ” بغير عمد ترونها ” ، و ” سقفاً محفوظاً ” حتى يفتش آراء المفسرين والعلماء والمعاني المعجمية ويكتشف مدى تطور الدلالات لهذه الكلمات الثلاث عبر الزمان .

بناء ، سقف محفوظ ، بغير عمد :

كلمة ” بناء ” وردت في القرآن الكريم في موضعين من سورة البقرة وسورة غافر ، وهما :

  • ( الّذِي جَعَلَ لَكُم الأرضَ فِرَاشَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) [19]
  • ( الله الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأرضَ قَرَارَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) [20]

وكلمة ” عمد ” وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ، وردت مرةً في سورة الهمزة إشارة إلى عذاب جهنم ؛ ( إِنَّهَا عَلَيهِم مُؤصَدَة ، في عَمَد مُمَدَّدَة ) [21] المراد به : ” وهي عمد يعذبون بها ” . وفي الموضعين الباقيين استخدمت ” بغير عمد ترونها ” إشارة إلى بناء السماء ، وهما :

  • ( الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا . . . ) [22]
  • ( خَلَقَ السَّمَاوَات بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَهَا ؛ وَأَلقَى في الأرضِ رَوَاسِي . . . ) [23]

وردت كلمة  سقف في صيغتين ، ” سقفا ” و ” السقف ” في القرآن الكريم ، أما كلمة ” سقفا ” بدون ” ال ” المعرفة وردت مرةً واحدةً في سورة الأنبياء ، وهي : ( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ) [24] .

وكلمة ” السقف ” وردت موضعين في سورة النحل والطور هما :

  • ( فَخَرَّ عَلَيهِم السَّقفُ مِن فَوقِهِم ) [ سورة النحل : 26 ]
  • ( وَالسَّقفُ المرفُوع ، والبَحرُ المسجُورُ ، إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع ) [ سورة الطور : 5 ]

كلمة ” بناء ” و ” عمد ” ، و ” سقف ” في المعاجم :

كلمة ” بناء ” في كتاب العين : يقول صاحبه الخليل بن أحمد الفراهيدي ” بنى البناء يبني بنياً وبناءً ” [25] . وفي لسان العرب يقول ابن منظور : ” والبناء : المبني ، والجمع أبنية ، وأبنيات جمع الجمع . سمي البناء من حيث كان البناء لازماً موضعاً لا يزول من مكان إلى غيره ” [26] . وفي مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني : ” والبناء : اسم لما يبنى     بناء ” [27] .

في تاج العروس يقول الزبيدي : ” يقال : بناه ، يبنيه بَنيا ، بالفتح ، وبناء ، بالكسر والمدّ ، وبنى ، بالكسر والقصر ؛ قد أغفله المصنف وهو في المحكم ؛ وبنياناً ، كعثمان ، وبنيةً وبنايةً ، بكسرهما . وابتناه وبناه ، بالتشديد للكثرة ، كل ذلك بمعنى واحد ؛ من الأخيرة ؛ قصر مبني : أي مشيد ” [28] .

كلمة ” عمد ” في كتاب العين : يقول صاحبه الخليل بن أحمد الفراهيدي ” وقوله : ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) ، يقال : إن الله عجب الخلق من خلق السماوات في الهواء من غير أساس وأعمدة ، وبناؤهم لا يثبت إلا بهما ، فقال : خلقتهما من غير حاجة إلى الأعمدة ليعتبر الخلق ويعرفوا قدرته . وقال آخر : بغير عمد ترونها ، أي لها عمد لا ترونها . ويقال : عمدها جبل قاف ، وهي مثل القبة أطرافها على ذلك الجبل ، والجبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وخضرة السماء منه ، فإذا كان يوم القيامة صيره الله ناراً تحشر الناس من كل أوب إلى بيت المقدس ” [29] .

يقول صاحب كتاب ” تاج العروس من جواهر القاموس ” الزبيدي :    ” العمد كصبور (م) ، وهو الخشبة القائمة . وقولُه تَعَالَى : ( خَلَقَ السَّمَاواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) [ لُقْمَان : 10 ] ، قَالَ الفراء : فيه قولان ، أحدهما أنه خلقها مرفوعة بلا عمد ، ولا تحتاجون مع الرؤية إلى خبر ، والقول الثاني أنه خلقها بعمد لا ترون تلك العمد ، وقيل : العمد التي لا ترى : قدرته ، واحتج الليث بأن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا ، والسماء مثل القبة أطرافها على قاق من زبرجدة خضراء ، ويقال : إن خضرة السماء من ذلك الجبل ” [30] .

في لسان العرب يقول ابن منظور : ” وعمد الحائط يعمده عمداً : دعمه ؛ والعمود الذي تحامل الثقل عليه من فوق كالسقف يعمد بالأساطين المنصوبة . وعمد الشيئ يعمده عمداً : أقامه ” [31] .

يقول الراغب الأصفهاني في كتابه ” مفردات ألفاظ القرآن ” :      ” والعمود : خشب تعتمد عليه الخيمة ، وجمعه : عمد وعمد . قال ( فِي عَمَد مُمَدَّدَة ) [ الهمزة : 9 ] ، وقرئ : ( في عمد ) ، وقال : ( بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا )     [ الرعد : 2 ] ، وكذلك ما يأخذه الإنسان بيده معتمداً عليه من حديد أو خشب ” [32] . يقول صاحب كتاب ” مقاييس اللغة ” ابن الفارس : ” ( عمد ) : العين والميم والدال أصل كبير ، فروعه كثيرة ترجع إلى معنى ، وهو الاستقامة في الشيئ ، منتصباً أو ممتداً ، وكذلك في الرأي وإرادة الشيئ . من ذلك عمدت فلاناً وأنا أعمده عمداً ، إذا قصدت إليه ، . . . . والعمد : أن تعمد الشيئ ، بعماد يمسكه ويعتمد عليه ” [33] . وفي المعجم الوسيط :           ” ( عمد ) الشيئ عمداً : أقامه بعماد ودعمه ” [34] .

أما كلمة ” سقف ” : في كتاب العين يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي : ” سقف : السقف عماد البيت ، والسماء سقف فوق الأرض ، وبه ذكر ” [35] .

يقول صاحب ” لسان العرب ” ابن منظور : ” سقف : السقف : عماد البيت ، والجمع سقف وسقوف ، وقال الفراء : سقفا إنما هو جمع سقيف كما تقول كثيب ، وكثب ، وقد سقف البيت يسقفه سقفاً والسماء سقف على الأرض ، ولذلك ذكر في قوله تعالى : السماء منفطر به ، والسقف المرفوع ، وفي التنزيل العزيز : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ” [36] .

وفي تاج العروس من جواهر القاموس يقول الزبيدي : ” ( السقف للبيت ) : معروف ، ( كالسقيف ) ، كأمير ، سمي به لعلوه وطول جداره ، ( ج . سقوف ، وسقف ، بضمتين ) . . ( والسماء ) سقف الأرض ، مذكر ، قال الله تعالى : ( والسَقفُ المرفُوع ) ، ( وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفاً مَحفُوظَاً ) ” [37] .

يقول صاحب كتاب ” مفردات ألفاظ القرآن ” الراغب الأصفهاني :    ” سقف البيت ، جمعه سقف ، وجعل السماء سقفاً في قوله تعالى :             ( والسَقفُ المرفُوع ) [ الطور : 5 ] ، وقال تعالى : ( وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفاً مَحفُوظَاً )    [ الأنبياء : 32 ] ، وقال : ( لِبُيُوتِهِم سقفاً مِن فِضَّة ) [ الزخرف : 33 ] ، والسقيفة : كل مكان له سقف ، كالصفة ، والبيت ، والسقف : طول في انحناء تشبيهاً بالسقف ” [38] .

يقول ابن الفارس في ” مقاييس اللغة ” : ” السين والقاف والفاء أصل يدل على ارتفاع في إطلال وانحناء ، من ذلك السقف سقف البيت ، لأنه عال مطل . والسقيفة : الصفة . والسقيفة : كل لوح عريض في بناء إذا ظهر من حائط . والسماء سقف ، قال الله تعالى : ( وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفاً مَحفُوظَاً ) ” [39] . وكلمة السقف في المعجم الوسيط : ” ( سقف ) البيت ونحوه – سقفاً : عمل له سقفا ” [40] .

هذا واضح مما سبق أن كلمة ” بناء ” تدل على شيئ يبنى بالدقة ، ومعنى كلمة ” سقف ” تدل على ارتفاع في اطلال وانحناء ، يقال : السماء سقف على الأرض ، ومعنى ” عمد ” في المعاجم المنشورة المختلفة تدل على شيئ منتصب ممتد مثبوت للدعامة . أي البناء يحتاج إلى سقف مرفوع ، والسقف يحتاج إلى عمد ممتد منتصب للدعامة والحفظ ، إذن السماء بناء ، وهو سقف مرفوع محفوظ بعمد لا ترى .

* الأستاذ المساعد ، قسم دراسات الماجستير في اللغة العربية وآدابها ، كلية سار سيد ، تاليفارامبا ، جامعة كانانور ، كيرلا ، الهند .

[1] سورة غافر ، الآية 64 .

[2] سورة البقرة ، الآية 29 .

[3] سورة الفرقان ، الآية 61 .

[4] سورة الأنبياء ، الآية 32 .

[5] سورة الأنبياء ، الآية 104 .

[6] سورة الحج ، الآية 65 .

[7] سورة الفرقان ، الآية 25 .

[8] سورة الروم ، الآية 25 .

[9] سورة ق ، 6 .

[10] سورة الرحمن ، الآية 7 .

[11] سورة الحاقة ، الآية 16 .

[12] سورة المزمل ، الآية 18 .

[13] سورة المرسلات ، الآية 9 .

[14] سورة النبأ ، الآية 19 .

[15] سورة التكوير ، الآية 11 .

[16] سورة الطارق ، الآية 1 .

[17] سورة الطارق ، الآية 11 .

[18] سورة الغاشية ، الآية 18 .

[19] سورة البقرة ، الآية 22 .

[20] سورة غافر ، الآية 64.

[21] سورة الهمزة ، الآية 9 .

[22] سورة الرعد ، الآية 2 .

[23] سورة لقمان ، الآية 10 .

[24] سورة الأنبياء ، الآية 32 .

[25] كتاب العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ص 1/165 .

[26] لسان العرب ، ابن منظور ، ص 14/94 .

[27] مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، ص 147 .

[28] تاج العروس من جواهر القاموس ، السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ، ص 37/  216 .

[29] كتاب العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ص 3/228 .

[30] تاج العروس من جواهر القاموس ، السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ، ص 8/411 – 412 .

[31] لسان العرب ، ابن منظور : ص 3/303 .

[32] مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، ص 585 .

[33] مقاييس اللغة ، أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا ، ص 4/137 .

[34] معجم الوسيط ، ص 652 .

[35] كتاب العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ص 2/257 .

[36] لسان العرب ، ابن منظور ، ص 9/155 .

[37] تاج العروس من جواهر القاموس ، السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ، ص 23/444 – 445 .

[38] مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، ص 415 .

[39] مقاييس اللغة ، أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا ، ص 3/87 .

[40] المعجم الوسيط ، ص 462 .