الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق ( الحلقة الثانية الأخيرة )

التغيرات الدلالية عن ” بناء السماء ” عبر العصور  ( الحلقة الثانية الأخيرة )
مايو 24, 2026
التغيرات الدلالية عن ” بناء السماء ” عبر العصور  ( الحلقة الثانية الأخيرة )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق

( الحلقة الثانية الأخيرة )

الأستاذ الدكتور عبد الرحيم القدوائي *

تعريب : رفيق أحمد رئيس السلفي ، علي كره

(3) صاحب مستقيم بليهر The Wise Quran ( 2018م ) :

يُعد صاحب مستقيم بليهر ، وهو ألماني الأصل ، حديث العهد بالإسلام ، معروفاً بتصانيفه في الدراسات الإسلامية . وكان من المتوقع بطبيعة الحال أن تفتح ترجمته للقرآن الكريم آفاقاً جديدةً لفهم القرآن ، وأن يسهم صاحبها ، بعد تحصيله العلمي في الديار الغربية ثم اهتدائه إلى نور الإسلام ، في إرشاد طلاب الحق ودلالتهم على سواء السبيل . غير أن هذه التوقعات لم تتحقق ، إذ جاءت تصانيفه خاليةً من الشرح والتوضيح ، واقتصرت على ترجمة لفظية مجردة للنص القرآني .

فقد خلا هذا العمل من الحواشي ، بل وحتى من معجم للمصطلحات القرآنية والإشارات البلاغية . والقراء غير الملمين بالقرآن ، المعتمدون على الترجمة وحدها ، أحوج ما يكونون إلى الإرشاد في كل خطوة . فما المراد بليلة القدر في سورة القدر ؟ وما المقصود بالكوثر في سورة الكوثر ؟ ومن هم أصحاب الفيل المذكورون في سورة الفيل ؟ ولماذا استحق أبو لهب هذا الوعيد ؟ ومن هم العشرات من الشخصيات الواردة في قصص القرآن ؟ وما هي الرسائل المستفادة منها ؟ ومن هم أهل الكتاب وقريش ؟ ولماذا ذم المنافقون ؟ ولماذا يعد التوحيد والرسالة والآخرة عقائد أساسيةً ؟ ولماذا وكيف يُعد الإسلام نظاماً متكاملاً للحياة ؟ وما حقيقة الأسوة الحسنة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ولماذا هي جديرة بالاقتداء ؟

إن القرآن الكريم يعرض هذه المضامين عرضاً إجمالياً ، ويقع على عاتق المترجم والمفسر تقديمها في صورة مترابطة ، سهلة ، واضحة لعامة القراء ، بقصد الهداية والتطبيق العملي . ولا شك أن الترجمة اللفظية في حد ذاتها عمل جليل ، لكنها تبقى بالنسبة للقارئ نصاً متبركاً ، مغلق الدلالات ، إذا لم تُقرن بالبيان والتفسير . وقد أغفل بليهر هذه الحاجة الأساسية للقراء ، فكان في ذلك إجحاف بحقهم ، ولم يسهم في إزالة عطشهم المعرفي ، وهو أمر يُسأل عنه علمياً .

كما أن دعواه بعدم جواز تدخل المترجم في النص دعوى غير وجيهة ؛ إذ كيف يمكن ، في هذه الحال ، فهم المصطلحات ، والتصورات ، والعقائد ، والأحكام ، والشخصيات ، والوقائع المتكررة في القرآن الكريم ، وفهم إحالاتها الداخلية وتداخلاتها النصية ؟

وعليه ، فإن هذا الجهد ، بوصفه ترجمةً لفظيةً مجردةً ، قد أخفق في تحقيق مقصد فهم القرآن ، ولا تمثل طباعته فائدةً تذكر في هذا الباب .

(4) Quran Arabic English, Core Quran, Com: Sharp and Easy to Read 2020

هذه الترجمة منسوبة إلى الموقع الإلكتروني المذكور ، لا إلى شخص بعينه . ويغلب على هذا العمل داء العجلة والتساهل إلى حد بعيد . فقد أُدرج النص القرآني مترجماً دفعةً واحدةً ، من غير أي ديباجة أو تقديم أو مقدمة أو تعريف . فلا يُبيَّن للقارئ ما طبيعة هذا العمل ، ولا ما أهدافه ومراميه ، ولا ما متطلبات قراءته ، ولا كيف يمكن الانتفاع به ، ولا ما الفوائد المرجوة من دراسته . وهي أمور محورية لا غنى عنها في أي عمل علمي ، فضلاً عن ترجمة كتاب هداية .

وكذلك خلا هذا الإصدار من أي حواش توضيحية ، أو معجم ، أو ملاحق تعين على فهم السياق العام للقرآن الكريم وما يتصل به . ومن ثم فإن الاكتفاء بمجرد قراءة الترجمة لا يفضي إلى تكوين صورة واضحة ، عميقة ، ونافعة عن الإسلام ، ولا عن السيرة النبوية ، ولا عن مضامين القرآن ومقاصده . نعم ، لغة الترجمة وأسلوبها إنجليزيان رصينان وسالمان ، غير أن القرآن كتاب هداية ، بل هداية شاملة تتناول كل جوانب الحياة والفكر . فإذا أُغفلت هذه الهداية ، زال جوهر النفع ، ولم يبق من العمل إلا صورة خاوية ، كالجسد بلا روح ، أو القالب بلا لب .

وعليه ، فإن هذه المحاولة لا تكون صالحةً للاستعمال إلا إذا تدارك القائمون عليها ذلك في طبعة لاحقة ، فأضيفت إليها لوازم مناسبة تتصل بعلوم القرآن ومقاصده ، وتكفل إرشاد القارئ وتوجيهه ، ليكون الانتفاع بها حقيقياً لا شكلياً .

(5) السيد أبو محمد نقوي The Holy Quran ( 2016م ) :

إن التفرقة المذهبية داخل الأمة الإسلامية واقع مؤلم ،ولكنه معترف بها ومسلم بها ، وهذا المصنَّف يعكس هذه الحقيقة المريرة بجلاء . فقد أعلن المؤلف منذ الصفحة الأولى أن غايته تقديم ترجمة لمعاني القرآن الكريم وفق المنظور الشيعي ، انطلاقاً من اعتقاده – بناءً على ما يراه دلالة الحديث – أن القادرين حقاً على أداء حق ترجمة القرآن وتفسيره وتأويله هم المعصومون وحدهم .

ولتأييد موقفه أورد روايةً جاء فيها : ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أودعكم أمانة الثقلين الحاسمين : أولاً كتاب الله ، وثانياً علي بن أبي طالب ، واعلموا أن علي بن أبي طالب أسمى من كتاب الله ، لأنه المعبِّر عن الكتاب الإلهي ” ( ص : 3 ) .

وقد عزَا هذه الرواية إلى كتاب ” البرهان في تفسير القرآن ” للعالم الشيعي السيد هاشم البحراني .

ويقع نقوي هنا في خطأ بيّن ، إذ يتوهم أنه لم يُسبق إلى تقديم ترجمة إنجليزية للقرآن الكريم تعكس المذهب الشيعي أو تعاليم الأئمة المعصومين ، بينما الواقع أن عدداً من العلماء سبقوه إلى ذلك ، ومنهم : علي محمد فاضل جنوئي ( 1954م ) ، و س . و . مير أحمد علي ( 1964م ) ،         و م . هـ . شاكر ( 1968م ) ، و محمد باقر بهبودي ( 1979م ) ، و علي قُلي قرائي ( 2004م ) .

توظيف العقائد الشيعية في الترجمة :

يتضح من خلال ترجمة سورة الفاتحة أن المؤلف يُخضع النص القرآني إخضاعاً كاملاً لمعتقداته المذهبية الخاصة ؛ إذ يذهب إلى أن          ” يوم الدين ” هو اليوم الذي يكون فيه علي بن أبي طالب والياً وحاكماً ، وأن العبادة لا تتحقق إلا وفق ما يسميه ” نظرية الولاية ” التي أنزلها الله تعالى ، وأن الاستعانة بالله لا تكون إلا بواسطة علي رضي الله عنه ، كما يجعل ” الصراط المستقيم ” مرادفاً لذات علي وولايته ( ص : 7 ) .

ويمتد هذا النهج التأويلي ذاته إلى ترجمة سورة البقرة ، حيث تتجلى بوضوح إسقاطات عقدية شيعية لا صلة لها بدلالة النص القرآني في سياقه اللغوي والبياني . فمن ذلك تفسير قوله تعالى : ( ذَلكَ الكِتَابُ لا رَيبَ فِيه ) [ البقرة : 2 ] بأن المراد بالكتاب هو علي بن أبي طالب نفسه . ويُفسَّر الإيمان بالغيب بأنه الإيمان بالإمام القائم وغيبته ، كما تُجعل الصلاة قائمةً بشهادة ” ولاية علي ” [ البقرة : 3 ] ، وتُفسَّر الهداية بأنها عين ولاية علي [ البقرة : 5 ] . ويزعم أن الذين لا يؤمنون بولاية علي يزيدهم الله مرضاً [ البقرة : 10 ] ، وأن الشياطين هم مخالِفو ولاية علي [ البقرة : 41 ] ، وأن النار أُعدت لمنكري ولايته [ البقرة : 42 ] .

ويستمر هذا المسلك في تفسير قوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمَاءَ كُلَّهَا ) [ البقرة : 31 ] بأن الأسماء هي أسماء الأئمة المعصومين ، وفي تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل بأنه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم            وبـ ” وليه العظيم ” علي رضي الله عنه [ البقرة : 40 ] . كما يجعل الصبر مرادفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، والصلاة مرادفة لعلي رضي الله عنه ، ويقرر أن الاستعانة بالله لا تكون إلا بهما [ البقرة : 45 ] . بل يذهب إلى أن شق البحر لبني إسرائيل كان مراعاةً لولاية علي [ البقرة : 50 ] ، وأن من لا يقول بهذه الولاية فهو مشرك ، وأن الالتزام بالشريعة يكون عليه عسيراً ( الشورى : 42/13 ، ص : 835 ) .

ولا يقتصر هذا التفسير على السور الطوال ، بل يشمل السور القصار كذلك ؛ فـ ” الفجر ” عنده هو الإمام القائم ، و ” الليالي العشر ” هم عشرة من الأئمة ، و ” الوتر ” هو الله الواحد ، و ” الليل ” هو فاطمة رضي الله عنها [ الفجر : 1 – 4 ، ص : 676 ] . وفي سورة الشرح يجعل شرح الصدر وتقوية الظهر للنبي صلى الله عليه وسلم منسوبين إلى علي رضي الله عنه وجهاده ، ويستنتج من قوله تعالى : ( فَإذَا فَرَغتَ فَانصَب ) الأمر بتنصيب علي خليفة ( الشرح : 1 – 2 ، 7 ، ص : 680 ) . أما سورة العصر فيفسر ” العصر ” فيها بالإمام القائم ، و ” الإنسان ” بكل من يعادي آل محمد ، ويستثني من الخسران من آمن بولاية علي وتواصى بالإمامة والولاية والصبر عليها ( العصر : 1 – 3 ، ص : 686 ) . و ” الهمزة اللمزة ” عنده هم غاصبو حق آل محمد ( الهمزة : 1 ، ص : 688 ) ،            و ” الكوثر ” هي فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، وإقامة الصلاة هي إقامة ولاية علي ( الكوثر : 1 – 2 ، ص 690 ) .

وخلاصة الأمر أن هذا التَّصنيف ما هو إلا دَعوةٌ إلى عَقائدِ الشِّيعةِ . اتخذ من ترجمة القرآن وسيلةً لترويج معتقدات شيعية مخصوصة ، بعيداً عن مقاصد الترجمة العلمية وضوابطها ، وعن دلالة النص القرآني في ذاته وسياقه .

(5) سام جيرانس The Quran: A Complete Revelation ( 2016م ) :

سام جيرانس كاتب أوروبي نصراني الأصل ، أعلن إسلامه في مرحلة من حياته ، غير أنه سرعان ما أبدى موقفاً سلبياً حاداً من الإسلام والمسلمين ، وهو موقف تنعكس آثاره بوضوح في هذه الترجمة . إذ يتخذ المؤلف موقفاً نقدياً جذرياً من التراث الإسلامي ، ويرفض جملةً من المصطلحات العقدية والمفاهيم المركزية المتعارف عليها عند المسلمين ، كما يهاجم ما يسميه ” الإسلام التقليدي ” وأتباعه هجوماً لاذعاً .

ومن أبرز أطروحاته المثيرة للجدل زعمه أن مدينة مكة المكرمة لا وجود لها تاريخياً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أقدم إشارة إليها لا تعود إلا بعد وفاته بنحو ثلاثة قرون . ويذهب إلى أن ” مكة ” المذكورة في القرآن ليست هي مكة المعروفة ، وإنما هي في الأصل مدينة ” البتراء ” ( Petra ) الواقعة في الأردن ( الحاشية : 9027 ) . وهو قول يصادم النصوص القرآنية الصريحة ، والإجماع الإسلامي ، والمعطيات التاريخية والجغرافية الثابتة .

أما موقفه من السنة النبوية ، فيتسم بحدة أشد ، إذ يقرر أن القرآن يدعي أنه وحي إلهي كامل ، فإن صح هذا الادعاء فلا حاجة – في رأيه – إلى أي مصدر آخر ، وإن لم يصح فلا يكون القرآن نفسه جديراً بالاتباع . ثم يخلص إلى أن مادة الحديث النبوي ليست سوى روايات سماعية لا تقوم على أساس علمي ، وأن علم الحديث برمته لا أصل له ، واصفاً إياه بعبارات جارحة لا تليق بالبحث العلمي الرصين ( ص : 9 – 10 ) .

وبناءً على ذلك ، فإن ترجمة جيرانس لا يمكن عدها عملاً علمياً محايداً ، بل هي مشروع فكري مؤدلج ، يسعى إلى إعادة قراءة القرآن بمعزل عن السنة والإجماع والتراث التفسيري للأمة ، ويقوم في جوهره على الشك في المسلمات الكبرى للإسلام . ومن ثم فهي لا تخدم فهم القرآن ولا هدايته ، بل تفتح الباب أمام التشكيك والاضطراب ، وتعد نموذجاً واضحاً للترجمات التي يختلط فيها الادعاء العلمي بالتحامل الفكري والانفصال عن المنهج الإسلامي المعتمد .

ويذهب سام جيرانس إلى حصر المترجمين باللغة الإنجليزية للقرآن الكريم الجديرين بالاعتناء – في نظره – في أربعة أسماء فقط : محمد أسد ، غلام أحمد برويز ، رشاد خليفة ، وأديب يكْسَل ، وهؤلاء جميعاً يشتركون ، بحسب اختياره لهم ، في إنكار علم الغيب والمعجزات . ووفق هذا المنطق نفسه ، يرفض جيرانس المترجمين المعروفين بالالتزام العقدي والمنهجي ، مثل تقي الدين الهلالي وأم محمد ( Sahih International ) ، ويعد أعمالهم غير مقبولة .

ويمتد إنكاره إلى وقائع قرآنية ثابتة ، إذ ينكر حادثة أصحاب الفيل المذكورة في سورة الفيل ، كما يشكك في الوجود التاريخي لأبي لهب . وفي سورة الكوثر ، يعمد إلى تحريف دلالة الأمر بالصلاة والنحر ، ويعرضهما عرضاً مشوهاً يخالف الفهم اللغوي والتفسيري المستقر . كما يتسم خطابه بنزعة عدائية تجاه المرأة ، ويقرر – صراحةً أو تلميحاً – ما يسميه ” اعوجاج طبيعة المرأة ” ( ص : 2127 ) .

وعلاوةً على ذلك ، يقدم جيرانس تفسيرات شاذةً وغريبةً لجملة من المصطلحات القرآنية والعقائد المركزية ، مثل : الإيمان ، والكفر ، والصلاة ، والزكاة ، والسجود ، والدين ، والشرك ، والمسجد ، والآية ، والظلم ، والحق ، والحروف المقطعات ، والحور ، فيحملها على معان بعيدة عن الاستعمال العربي ، والسياق القرآني ، والإجماع التفسيري . وبذلك ، لا تعد هذه الترجمة إلا مثالاً صارخاً على سوء تمثيل القرآن الكريم وتشويهه من حيث المعنى والمقصد .

ومما يزيد خطورة هذه الظاهرة أن هذه الأعمال تصدر غالباً في إطار النشر الذاتي ، حيث لا توجد معايير علمية ضابطة ، ولا لجان تحكيم ، ولا خشية على سمعة ناشر ، ولا اعتبارات تجارية رادعة . ونتيجة لذلك ، يقع القراء غير المتخصصين ، ولا سيما البسطاء منهم ، في شَرَك هذه الترجمات ، فيُضلَّلون عن معاني القرآن ، ويُستعمل هذا اللون من النشر على نطاق واسع أداة لتشويه صورة الإسلام ومسخه .

وخلاصة القول : إن هذا اتجاه مقلق ، يستوجب التنبه له والتحذير منه علمياً وثقافياً .

حاشية :

للاطلاع على تقويم شامل لـ ( 120 ) ترجمة إنجليزية كاملة للقرآن الكريم ، ينظر :

  1. Abdur Raheem Kidwai: Towards Translating the Quran: Assessment of 120 English Translations of the Quran.
  2. Aligarh: K. A. Nizami Centre for Quranic Studies, Aligarh Muslim University, 2025 ، ص : 536 .

* المدير الفخري ،المركز النظامي لعلوم القرآن ، جامعة علي كره الإسلامية .