التغيرات الدلالية عن ” بناء السماء ” عبر العصور ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق
( الحلقة الأولى )
الأستاذ الدكتور عبد الرحيم القدوائي *
تعريب : رفيق أحمد رئيس السلفي ، علي كره
التطور المتسارع والازدياد المستمر في شبكة الإنترنت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ، أتاحت الفرصة اليوم لكل واحد ، دون استثناء ، لأن يجعل كتاباته زينةً لصفحات الحاسوب . ولا ريب أنه تُعَدُّ سُهُولَةُ النَّشْرِ الذَّاتِيِّ نِعْمَةً عَظِيمَةً جِدًّا . إذ إن تكاليف الطباعة تكاد لا تذكر ، وفيها تخلُّصٌ من مُجاملةِ النّاشرِ ومَشَقَّاتِهِ . واستغناء عن عناء الترويج للمصنف وتوزيعه وإرساله بالبريد بعد طباعته ، كما تنتفي معها مخاوف التأخير الناتج عن تدخل الناشر أو غيره من العوامل . وقد أصبح باب التعبير عن الرأي مفتوحاً على مصراعيه في صورة تعليق أو مقال ، بل وحتى كتاب كامل .
ويشبه هذا الحال ما قاله الشيخ جلال الدين الرومي في بيته المشهور :
خود کوزہ و خود کوزہ گر و خود گل کوزہ خود رند سبوکش
خود بر سر آں کوزہ خریدار بر آمد بشکست رواں شد
فهو الكوز وهو صانعه ، وهو الطين وهو الشراب ، وهو الساقي ، وهو الذي ظهر فوق ذلك الكوز مشترياً ، فكسره ، فسال ماؤه .
كان الكلام إلى هنا عن محاسن النشر الذاتي عبر الحاسوب ، غير أن مساوئه ليست أقل خطورة ، بل قد تكون في بعض الصور أشد وقعاً ، ولا سيما لعدم وجود أي قيد أو ضابط ، حتى يغدو في بعض الأحيان سماً قاتلاً لا يقل خطراً على الناظرين والسامعين والقراء السذج غير المطلعين .
ففي مجال الطباعة والنشر التقليدي لا بد ، على أي حال ، من وجود قدر من المعايير والضوابط ؛ إذ إن الناشر ، حرصاً على سمعته ومكانته العرفية ، يقوم بتمحيص المخطوط ، فيوازن بين محاسنه ومساوئه ، ويراعي إلى حد ما القيود القانونية والأخلاقية ، ويستشعر معنى المسألة ، ويسعى إلى الارتقاء بالمستوى ؛ لأن في ذلك مصلحة تجارية تعود عليه بالنفع . وخلاصة الأمر أن الناشر ، على أي حال ، مؤسسة معروفة تتحمل قدراً من المسؤولية بحكم شهرتها وموقعها .
أما في مجال الإنترنت فالأمر على النقيض من ذلك تماماً ؛ إذ تسود حرية مطلقة بلا قيد ولا شرط ، ولا يكاد يوجد أي خوف من المسألة ، وتتحول حرية الرأي إلى ما يشبه الانفلات الكامل . فلا اعتبار لتحقيق ، ولا توثيق ، ولا مصادر ، ولا مراجع ، ولا التفات إلى مقتضيات البحث العلمي . تُسجَّل الآراء وتُطرح دون اكتراث بعواقبها .
ويشيع إظهار العصبية ، وداء ضيق الأفق ، والجدل الديني العقيم ، وإثارة الفرقة المذهبية ، والنزعات القومية والعرقية واللغوية والثقافية ، بل يتجاوز ذلك إلى الاستعلاء المبني على هذه الأسس ، وإلى ازدراء الآخرين والحط من قدرهم ، بل إلى السب والشتم الصريح . وفي تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي تبدو هذه الظلال القاتمة من الكراهية والعداء منتشرة في كل مكان .
على مدى العقدين أو الثلاثة الماضية ، ولا سيما بعد الحادثة المأساوية في 11 سبتمبر ، اشتدت حملة العداء ضد الإسلام ( Islamophobia ) وتحوّلت إلى موجة عارمة من الغلظة والانفلات ، بل إلى طوفان من فقدان اللياقة والإنصاف . فبعد أن أقدم بعض المنحرفين من المنتسبين اسماً إلى الإسلام على ارتكاب أعمال إرهابية ، مع إساءة استخدام الشعائر الإسلامية استخداماً غير مشروع ، وجد هؤلاء المعادون فرصةً سانحةً لتجريح الإسلام والمسلمين والطعن فيهم ، وانتهاك جميع المقدسات الإسلامية ، واعتبار الإسلام والمسلمين غير مقبولين لدى بني الإنسان والمجتمع المتحضر ، والتضييق عليهم في شؤون حياتهم .
وبدل أن يتجهوا إلى مناقشات علمية رصينة أو اعتراضات مبدئية قائمة على البحث والحجة ، انصرفوا إلى استئصال الإسلام والمسلمين معنوياً ، وتشويه صورتهم ، وصياغة مناخ عام قائم على الكراهية والعداء ضدهم . وهذا السلوك الذي يسيئ إلى الإنسانية والحضارة يسمى بالعداء للإسلام أو ” الإسلاموفوبيا ” ( Islamophobia ) .
وقد قامت مؤسسات علمية وفكرية غربية مرموقة بتوثيق هذا السلوك ، ورصد مظاهره في الفكر والممارسة ، ولا سيما في تفاصيل الحياة اليومية في الغرب ، على صورة وثائق ودراسات معتمدة . فالأمر ليس وهما يعيشه المسلمون ، ولا هاجساً نفسياً ، ولا خوفاً متخيلاً ، بل هو واقع ثابت لا مراء فيه .
وبعض تفاصيل هذا الإجمال ما يلي :
أولاً : صدور قرارات الأمم المتحدةA/RES/76/254 و A/HRC/46/30 ، التي تناولت ظاهرة الإسلاموفوبيا من حيث حقيقتها وآثارها ، وبناءً عليها خصصت الأمم المتحدة اليوم الخامس عشر من مارس من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة الإسلاموفوبيا ، بهدف حث الأفراد والمؤسسات والحكومات على تنظيم أنشطة متنوعة في هذا اليوم ، لإيقاظ الوعي العام ، وتشكيل رأي عام مناهض للعداء للإسلام ، وفرض القيود على الأنشطة المعادية له .
ومن الوثائق المهمة في رصد ومتابعة ظاهرة الإسلاموفوبيا تقرير بعنوان : Islamophobia: A Challenge For Us All ( الإسلاموفوبيا : تحدٍّ لنا جميعاً ) .
وقد نشره Runny Meade Trust في بريطانيا عام 1997م ، وجرى إطلاقه رسمياً على يد وزير الداخلية البريطاني آنذاك جاك استرا ( Jack Straw ) .
كما أصدرت مؤسسات أخرى عدداً من الوثائق الأساسية في هذا المجال ، من أبرزها : OHCHR ، و IRDP ، و MDI .
إن إدراك حجم مشكلة الإسلاموفوبيا ، بما تنطوي عليه من اتساع وخطورة ومرارة بالغة ، يتضح بجلاء من خلال جملة من الوقائع الميدانية ، من أبرزها ما يأتي :
أولاً : ظهور مواقع قاموسية على نمط ” ويكيبيديا ” تتوسع مادتها باستمرار ، ومن أشهرها موقع يُعرف باسم WikiIslam، وهو موقع مكرس في جوهره للطعن في الإسلام وتشويه تعاليمه . وفي السياق نفسه يندرج موقع Jihad Watch الذي يشرف عليه روبرت سبنسر ، ويعد حلقة أخرى في السلسلة ذاتها ، كما يُعد ما يسمى بـ Political Islam مصدراً مهماً من هذه المصادر . والغاية المشتركة بين هذه المنصات كلها هي تقويض الإسلام واستهداف المسلمين في أصول عقيدتهم وصورتهم الحضارية .
وثانياً : اعتماد بعض دور النشر ، وفي مقدمتها Prometheus Books ، نشرَ كتب بالغة الإيذاء والعداء للإسلام ، تتناول الإسلام والقرآن الكريم والحديث النبوي والسيرة والتاريخ الإسلامي ، وذلك تحت أسماء مستعارة أو مجاهيل ، من أشهرهم من يُعرف باسم ” ابن ورّاق ” ، وهو اسم يبدو في ظاهره عربياً أو إسلامياً ، بينما هو في حقيقته اسم قلمي مفترض يُتخذ ستاراً . وقد جعلت هذه الدار من نشر هذا اللون من المؤلفات ، التي تمتلئ بالطعن والتشويه ، كأنه واجب عقدي تؤديه .
وفي الواقع ، فإن القوى المعادية للإسلام تتخذ من اسم ” ابن ورّاق ” وأمثاله ذريعةً وستاراً ، لتواصل سعيها الحثيث إلى هدم أسس الإسلام ، والطعن في مصادره ، وزعزعة الثقة به في نفوس أتباعه وغيرهم .
الموضوع الأصلي الذي يدور حوله هذا البحث هو الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم المتاحة على شبكة الإنترنت ضمن ما يُعرف بالنشر الذاتي . ومن خلال النقد والتعليق على بعض هذه الترجمات يتضح بجلاء أن ظلال العداء للإسلام ، والتعصب المذهبي ، وغياب التحري والدقة ، تخيم على عدد منها . وهذا أمر مثير للقلق البالغ ؛ إذ إن مثل هذه المطبوعات لا تسهم في تمهيد الطريق للفهم الصحيح للقرآن الكريم ، بل يُخشى أن تؤدي إلى تضليل القراء وإيقاعهم في اللبس والانحراف .
وفي هذا السياق ، من بين ترجمات القرآن الكريم التي يندرج ذكرها في هذا الباب ما يأتي :
(1) لوئي محمد هادي: The Quran: A Rhyming, Contextual English Rendition ( 2016م ) :
قام هذا البريطاني الذي اعتنق الإسلام حديثاً بإدخال عدد من التجديدات في ترجمته . فأولاً : جاءت الترجمة على هيئة منظومة شعرية . وبسبب الالتزام الصارم بالقافية والرديف ، يطغى في مواضع كثيرة الجانب الفني على المعنى الأصلي للقرآن الكريم ، فيتراجع المقصود الإلهي إلى الخلف . وبدلاً من نقل رسالة كلام الله نقلاً مؤثراً وأميناً ، تنصرف العناية إلى استيفاء المتطلبات الفنية من وزن وقافية ، مما يؤثر سلباً في عرض رسالة القرآن ، ويقود أحياناً إلى خلط في المفاهيم واضطراب في الفهم .
كما ابتدع الهادي أسلوباً آخر ، فجعل كل صفحة ثلاثية الألوان :
اللون الأسود يشتمل على الترجمة المنظومة للآية .
واللون الأزرق يتضمن شرحاً للنص مأخوذاً من الأحاديث والتفاسير الكلاسيكية .
ثم يورد باللون الأحمر آيات أخرى يراها مترادفةً في المعنى .
ولو أن هذه المواد التفسيرية قُدمت في صورة حواشٍ أو هوامش لكان ذلك أيسر على القارئ وأبعد عن تشتيت الذهن .
ولتوضيح ذلك ، نذكر مثالاً : في مطلع سورة البقرة ، عند الحروف المقطعة ، أفرد المؤلف عدة أسطر لشرحها ، ثم أورد تسع آيات أخرى يراها مماثلةً في المعنى للآيات الافتتاحية . وفي خضم هذا الاستطراد الطويل ، يعجز القارئ عن الإحاطة الكاملة بمفهوم الآيات محل القراءة ، ويغرق في هذا الإشكال دون أن يبلغ المقصود . ولو قُدمت هذه اللوازم في صورة حواشٍ ، لكان ذلك أدعى إلى حسن الإرشاد .
وكذلك جاءت معالجة تفسير سورة البقرة ( الآيات 13 – 16 ) على نحو غير متوازن ، إذ اقتصر الترجمة والتفسير على ثلاثة أسطر ، في حين خُصص لبيان الخلفية سبعة أسطر . ولا ريب أن التفسير بالمأثور محمود في أصله ، غير أن الإفادة منه تقتضي قدراً من الاعتدال .
وقد بلغ عدد الإحالات إلى كتب التفسير في هذا العمل قرابة أربعة آلاف وخمس مائة إحالة ، وأكثرها إلى تفاسير تعود إلى قرون خلت ، مما يجعل فائدتها محدودةً في معالجة قضايا العصر . والحاجة الماسة اليوم إنما هي إلى استنباط الهداية القرآنية لقضايا معاصرة ملحة ، مثل : الاستقلال الاقتصادي للمرأة ، وتفكك الأسرة في العصر الحديث ، وطوفان الإباحية الجنسية ، وقضية الإرهاب ، والعلاقات مع غير المسلمين ، وحياة الأقليات المسلمة في الدولة القومية الحديثة ، واتجاهات الشباب نحو التعدد في الاختيارات الجنسية ( LGBTQ ) ، ومتطلبات المجتمع العالمي ، وما إلى ذلك ، في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة .
وقد كتب مقدمة هذا العمل الشيخ أبو جعفر الخبلي ، غير أنه قدم فيها معلومات ناقصةً وقاصرةً عن الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم ، مما يدل على عدم إلمامه بتراث المستشرقين في هذا المجال . إذ جعل نقطة انطلاقه ترجمة القادياني محمد علي ، وعدّه من أشهر المترجمين ، وهو أمر غير دقيق من الناحية الواقعية ؛ إذ لم تطبع ترجمة محمد علي إلا نحو 25 مرةً ، بينما طُبعت ترجمتا عبد الله يوسف علي ومحمد مرمادوك بكتال أكثر من 250 مرة .
كما أن سكوت الهادي عن ما شاب حواشي عبد الله يوسف علي من نزعة عقلانية مفرطة ، وإنكار للمعجزات ، واستخفاف بأمور الغيب ، أمر مؤسف ؛ إذ كان من واجبه بوصفه معلقاً أن ينبه القراء إلى هذه العيوب الجسيمة . ومن جهة أخرى ، وقع في خطأ حين عرّف ن . ج . داود على أنه مترجم عربي مسيحي للقرآن إلى الإنجليزية ، وهو خطأ بيّن ؛ فاسمه الكامل نسيم جوزيف داود ، وهو يهودي من أصل عراقي .
وخلاصة القول : إن ترجمة الهادي لا تعد نافعةً للقارئ من حيث المنهج والغاية ، غير أن حماسة هذا المسلم الجديد لخدمة القرآن الكريم ، وسعة اطلاعه على التراث التفسيري ، أمران جديران بالتقدير .
(2) بدر هاشمي The Quran ( 2016م ) :
ينتمي بدر هاشمي إلى أصول باكستانية ، ويقيم في الولايات المتحدة الأمريكية . وتُعد محاولته هذه عملاً غير مألوف من حيث السعة والتفصيل ، إذ جاءت في ستة مجلدات مطولة . ولم يلتزم المؤلف بالترجمة الحرفية للنص القرآني ، بل اختار أسلوب التعبير الحر عن معاني القرآن الكريم . غير أنه في جانب الشرح خرج عن جادة الاعتدال ، إذ سعى إلى توضيح النص من خلال عبارات طويلة ومطولة . فعلى سبيل المثال ، عند معالجته لسورة محمد ( الآيتين 1 – 2 ) ، أدرج عدداً من القضايا غير المتعلقة بسياق الآيات محل البحث . ورغم أن لهذه القضايا صلة بالتصور الإسلامي للعالم ، فإنها تبقى أجنبيةً عن السياق المباشر للنص القرآني .
ولمراعاة القراء غير العارفين بالعربية ، أورد المؤلف نص القرآن الكريم بالحروف الإنجليزية ، بل وبالرسم الروماني أيضاً ، معتمداً في ذلك علىGoogle / Quran Transliteration – First English Clear Quran .
وهذا المصدر غير معتمد علمياً في مجال النقل الحرفي /اللفظي /الصوتي ( Transliteration ) . ويبدو أن بدر هاشمي نفسه لا يملك تمكناً راسخاً من اللغة العربية . وقد اجتمع هذان العاملان ليظهرا نتائج بالغة السوء ؛ فمن أمثلة ذلك اختياره المثير للسخرية في نقل بعض الألفاظ القرآنية ، مثل : ( Allatheena ) للتعبير عن ” الذين ” ، ( AAalyhim ) للتعبير عن ” عليهم ” ، ( Wabialyaim ) للتعبير عن ” وباليوم ” ، ( Thulumatin) للتعبير عن ” ظلمات ” ، وغير ذلك من الأخطاء الفادحة .
والناشرون المعروفون يلتزمون بأنظمة معيارية معتمدة في النقل الحرفي ، كما هو معمول به في مؤسسات علمية مرموقة مثل : بريل ( هولندا ) ، والمؤسسة الإسلامية ( بريطانيا ) ، ومعهد البحوث الإسلامية ( باكستان ) . ويبدو أن بدر هاشمي يجهل هذه التقاليد العلمية الراسخة . إن الخطأ في نقل الألفاظ القرآنية خطأ جسيم قد يفضي إلى التحريف ، وهذه اللامبالاة ، بل الغفلة من المترجم ، أمر لا يمكن التسامح معه . ولو أن هذا العمل لم يكن من قبيل النشر الذاتي ، ولم يُثبت مباشرةً عبر الحاسوب ، بل مر بمرحلة الطباعة من خلال ناشر مختص ، لكان من الممكن تدارك مثل هذه الأخطاء .
ويبدو كذلك أن بدر هاشمي غير متمرس في علم أصول التفسير ، ولا على دراية كافية بتراث التفاسير . ولهذا اقتصرت شروحه للقرآن الكريم على ترجمة وتفسير محمد أسد المثيرين للجدل . ومحمد أسد من دعاة الفكر المعتزلي والعقلانية المزعومة ، ولم تحظ محاولته بقبول علمي واسع ، بل مُنعت طباعتها في المملكة العربية السعودية . والاعتماد على ترجمة واحدة فقط يدل على تهاون علمي ، ويثير علامات استفهام جادة حول قيمة هذا العمل ومصداقيته .
( للبحث صلة )
* المدير الفخري ،المركز النظامي لعلوم القرآن ، جامعة علي كره الإسلامية .

