السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الخامسة الأخيرة )
مايو 24, 2026العوربة مقابل العولمة في الواقع المعاصر ” دراسة تحليلية نقدية “
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
المجاز صوره وألوانه
بين النظرية والتطبيق
( الحلقة الثانية الأخيرة )
الدكتور محمد أيوب الرشيدي *
المجاز عند علماء العربية وأئمتها :
وبعد رأي إمام الجرجاني نودّ أن نذكر بعض آراء علماء البلاغة وجهابذة الفن الذين بذلوا قصارى جهودهم لخدمة العربية وتضلّعوا في البلاغة وصنوفها وأنماطها وصاروا قمّة العلم ، وريادة اللغة ، وسادة البلاغة ، ومنهم أحمد بن فارس – صاحب مقاييس اللغة – وله كلام ثابت في القضية المذكورة ، وحذا حذو الجرجاني في سيره إلا أنّه ما صرّح بتعريف المجاز صراحةً بيّنةً محدّدةً ، بل عرّف نفس مفهوم الحقيقة بوضوحٍ ، واقتنع به وما حاول المجاز وما سار إليه ، بل ترك ذكره بأسره ؛ لعلّه يَرى أنّه ضد الحقيقة ومقابلها – وبضدها تتَبيّن الأشياء .
ثمُّ الإمام ابن الأثير – صاحب المثل السائر – توسّع في تعريف الحقيقة والمجاز ، فالحقيقة عنده دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة ، وأمّا المجاز فهو عنده نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظٍ آخر غيره .
فالاسم الموضوع لكل شيئ هو الحقيقة ، فإذا نُقل هذا الاسم إلى غيره صار بذلك مجازاً ليس حقيقةً . لكن المجاز عند الزّمخشري جار الله ليس كما قال به عُلماء أهل السُّنةِ ، بل حذا في تعريفه حذو المعتزلة ، ولو أنّه في معظم قضايا البلاغية سار سيرَ الجُرجاني وتبعه فيه متابعةً كاملةً ، وتفسيره الكشاف نوّه رأيه في كثيرٍ من المواطن وتطبيقه في آيات القرآن الكريم ، وتراكيب اللغة العربية بل صرّح بمجازية معظم اللغة العربية وانتماها إلى التّجوز كما فسّر آية ( في قُلُوبِهِم مَرَضٌ ) وقال : ” والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر ، أو من الغل والحسد والبغضاء ” مرض مجازاً . فالمجاز عنده استعمال اللفظ لغير ما وضع له كاستعمال المرض لسوء الاعتقاد وما إليه [1] ومقصده : من بذل جهده في مباحث المجاز ليَصرفَ القول عن ظاهره ليحقّق به فكرته الاعتزالية ونزعته ، وهي أنّ معظم اللغة مجازٌ عند المعتزلة ومن يُنتمى إليه .
المجاز اللُّغَوي :
المجاز لغةً : مصدر فعلِ ” جاز ” يقال : جاز المسافر ونحوه الطريق ، وأصله من أجاز يجوز ،تقول : أرض مجازة ، كثيرة الجوزة ، وجزت المكان وأجزته ، وعبرنا مجازة النهر وهي الجسر ، فهو إذا استُعمل المجاز مطلقاً فيُراد به المجاز اللُّغَوي ، كما نراه مثلاً في لفظ أسدٍ إذا استعُمل في مجاله المذكور للدلالة على الحيَوان المفترس المعروف فهو حقيقة لُغَويةٌ ، لكن إذا استعملت نفس الكلمة – أسد – للدلالة على الرجل الشُّجاع دون الحيوان المفترس فصار مجازاً لغويّاً إذاً . وكذلك إطلاق لفظ البحر على العالم الكبير أو على الرجل الكريم مجازٌ لُغَويٌ .
المجاز العقلي :
والمجاز العقلي هو يُقال له المجاز في الإسناد ، وهو الّذي يُسند فيه الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاد المتكلّم مع وجود قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الحقيقي ، وكذلك نقول : سال الوادي بإسناد السّيَلان إلى الوادي ، وفي الحقيقة الشيئ الذي سال فيه هو الماء ، والعلاقة بينهما المجاورة ، ولا يُستَطاع أن يُراد منه المعنى الحقيقي ، وكذلك نقول : شفى الطّبيبُ المريضَ ، وفي الحقيقة شِفاء المريض من جانب اللهِ ، لكن لعلاقة الملابسة والممارسة نُسنِد الشِّفاء إلى الطّبيبِ .
ومثاله في كلام الله ، هو آية سورة غافر : ( يَا هَامَانُ ابنُ لِي صَرحاً لَعَلِّي أبلغ الأسبَاب ) [2] فهذا هو المجاز العقلي ؛ لأنّنا نرى في الآية المذكورة أنّ هامان ما بنى بنفسه ، بل هو آمر للعمّال والحمّال بالبناء ، فهامان سبب البناء والفعل مسند إلى السّبب ، والمجاز في الإسناد فقط لا في الفاعل أو الفعل .
الفرق بين المجاز اللُّغَوي والمجاز العقلي :
وعندما نلتفت إلى الفرق بين المجاز اللُّغَوي والمجاز العقلي فنجد أوّلاً : أنّ صورة المجاز اللغوي تُوجد في اللفظة المفردة فقط ، حيثُ يُنقل من معناها الحقيقي الموضوع لها إلى معنى آخرٍ غير ما وُضعت له كما نطلق لفظَ الأسدِ مثلاً على الرّجل الشُّجاعِ لعلاقة المشابهة بين المعنى الأصلي – الأسد – المنقول عنه وبين المعنى المجازي – الرّجل الشُّجاع – المنقول إليه ، لكن ما وجدنا أمر المجاز العقلي بهذا الشأن ، بل هو عكس ذلك ؛ لأنّنا نراه في الإسناد والتراكيب ، وما شاهدناه في صورة الكلمة أو لفظة المفردة كما وجدنا صورته في المجاز اللُّغَوي .
فثبت منه أنّ صورة المجاز العقلي هو إسناد الفعل أو معنى الفعل إلى غير ما هوله ، وهذا لا يُمكن – أي الإسناد – في الكلمة أو المفرد في المجاز اللغوي كما نعتقد .
وثانياً : أنّ المجاز اللغوي يُقال للتّصرف في اللغة ، وصورته أنّك تقول مثلاً : رأيتُ اليوم أسداً في المسجد ، وفي الحقيقة أنّك رأيتَ عالماً كبيراً يخطب في المسجد ، فهذا هو تصرّفٌ في طبيعة اللغة بأنّك نقلت اسم الأسد المعروف للحَيَوان المفترس إلى هذا العالم الجليل ، فههنا المجاز في لفظة ” أسد ” لا في نسبة الجُملة ، أو إسنادها .
وأمّا المجاز العقلي فليس كذلك ، والتّصرف هناك ليس في اللغة بل في العقل – يعني التصرف في صحة إسناد الفعل إلى الفاعل غير الحقيقي كما نقول مثلاً : أنبتَ البقلُ ، فالمجاز ليس في كلمة ” أنبت ” وإنّما المجاز في صحة إسناد الإنبات إلى البقل ، وفي الحقيقة المنبتُ هو الله ، والبقل سبب الإنبات .
دواعي المجاز في كلام العرب وغيره :
المجاز من أبدع الطُّرق البيانية في جميع اللُّغات – عربيةً كانت أو غيرها – لحاجة الفطرة الإنسانية إليه ، إذا كان فطرتها مزوّدةً بالقدرة على البيان واستخدامِ الحِيَل المختلفة للتعبير .
هو في الأصل التعبير غير المباشر ، وفي كثيرٍ من الأحايين التعبير غير المباشر أوقع في النّفوس وأكثر تأثيراً من التعبير المباشر [3] ، والنّاس يَستخدمونه مُنذُ القِدمِ في عصورٍ وأزمانٍ مختلفةٍ في حواضرها وبواديها ، ومنتدياتها ونشاطاتها صباحَ مساء استخداماً متوفّراً ممتد الحواشي ؛ وبذلك بلغت العربية مبلغ الجمال والإعجاب ونالت ما نالت ، وامتازت به بين سائر اللغات قديماً وحديثاً بخصائص ومِيزاتٍ ما لا مزيد عليها .
فنظراً لأهميّته في كلام العرب وحفاوة علماء الأمّة به ورُواد التُّراثِ نتطرّق إليه حسب علاقاته وملابساته .
المجاز المرسل :
إذا كانت العلاقة بين ما استُعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه فيُقال له : المجاز المرسل كما نستعمل مثلاً لفظ اليد في معنى النعمة لعلاقة كون اليد هي الوسيلة التي تستعمل عادةً في إعطاء الإنعامات ، فالمجاز المرسل غير مقيّدٍ بأيّ علاقةٍ ؛ لذلك يُسمّى بالمرسل .
وله نوعان :
النوعُ الأوّل : تُوجَد فيه العلاقة غير المشابهة بين المعنى الحقيقي والمجازي الذي استعمل اللفظ للدلالة به عليه ، كاليد .
والنوعُ الثاني : لا تُوجد فيه علاقة فكريّةٍ مّا ، بل يُوجد فيه مجرّد توسّعٍ لُغَوي كالمجاز بالحذف أو بالزيادة دون ملاحظة علاقة فكريةٍ ، مثاله : واسأل القريَة أي أهلها [4] .
واصطلاح المجاز المرسل وضعه الإمام الجُرجاني ؛ إذْ لا تُوجَد قبله هذه التسمية في اصطلاح القُدماء ولم يُسمّوه بهذا الاسم نعم ! نجد بعض الإشارات للأئمّة النّوابغ ورُواد الأدب القُدامى في بُطون الكتُب والصحائف لكن ما صدر عنهم تصريح بهذا الاسم ، فنجد مثلاً في كتاب ” المعاني للفراء ” – من الأئمّة الأجلاء – ذكر مجاز المرسل بعد آية ( فَليَدعُ نَادِيَه ) [5] فصرّح بقول العرب في توضيح كلمة ” نادية ” وقال : ” النادي يشهدون عليك ” والمجلس ” [6] أي فليَدعُ أهل ناديه ، وهذا من إطلاق المحل وهو النّادي وإرادة الحال فيه ، وهم أهل هذا المحلِّ ، فهذا مثال المجاز المرسل بكل صراحة وصرامة ، لكن ما أشار إلى أيّة علاقة أو إلى ملابسة الاستعمال أثناء بيانه لكن توضيحه حسب بيانه يدل على المعنى المذكور – المجاز المرسل – .
وفائدته الإيجاز مع التعميم ؛ لأنّ النادي يَحوي كلّ أهله ، والإنسان يختار منه ما يشاء من محبيه ومخلصيه وحاشية مجلسه .
وبعد ذكر المجاز المرسل مع نوعيه نودُّ أن نذكر أسماء علاقات مجاز المرسل بين المعنى الأصلي – الحقيقي – وما ينقل إليه من المعنى المستعمل – المجازي – باختصارٍ هنا ، ثُمّ يُذكر تفصيله أثناء بيان بعض آيات سورة الكهف في الأسطُر القادمة .
علاقات المجاز المرسل في سورة الكهف :
بحثنا في الأسطر السالفة عن المجاز وعن نظريّته بين الرد والقبول واستخدامه في عامة مجتمع العرب وبين الشعراء والأدباء قبل الإسلام وبعده بحثاً ودراسةً ، فنبدأ هنا صُوَر المجاز وألوانه في سورة الكهف تطبيقاً وتحليلاً حسب العلاقات والملابسات ، فنستهلُّ دِراستنا من علاقة البَدلية أوّلاً من علاقات المجاز المرسل في سورة الكهف ، فوجدناها في آية : ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفسَكَ عَلَى آثَارِهِم إن لَم يُؤمِنُوا بِهَذا الحَديثِ أسَفاً ) [7] .
فصورة المجاز المُرسل هنا في كلمة ” لعلّ ” التي تأتي للتوقّع والرّجاء ، واستُعملت للتحذير والإنكار ؛ لأنّ توقع الأمر المكروه ليس له زمان ، وحذّر اللهُ الرّسول – صلى الله عليه وسلّم – من الغم والحُزنِ على عدم إيمان المشركين ، ثُمّ وجدنا فيها معنى التسلية لقلّة الحفاوة والاكتراث بهم . أمّا كلمة ” باخع ” في الآية فتأتي لقاتل نفس حسب تفسير ابن عباس ، ومجاهد [8] وغير ذلك ، وهو في الأصل – بخع – اشتق من عرق مستبطن في القفا عند الزِّمخشري ، فالمجاز المرسل لعلاقة البدليّة في الآية المذكورة هو كلمة ” لعلّ ” التي تُستعمل في الرّجاء والتّوقع ، لكن حُوّلت وبُدّلت هنا من المعنى الأصلي إلى معنى المجازي وهو التحذير أو الإنكار فوُجدت هنا علاقة البَدليّة فصار استعمال ” لعلّ ” في معنى التحذير أو الإنكار للمجاز المُرسل .
المجاز المرسل في اللفظ المفرد – باعتبار ما يَؤولُ أمره إليه :
والعلاقة باعتبار ما يَؤول إليه معناه هو النظر إلى المستقبل في أمرٍ إذا أُطلق اسم الشيئ على ما يَؤول إليه ، وههنا في الآية : ( فَلا تُمارِ فِيهِم إلاّ مِراءً ظَاهِراً ولا تَستَفتِ فيهِم منهُم أحداً ) ، وكلمة ” التمارى والمراء ” من باب التفاعل مشتق من المِريَة ، وهي يُقال للشكّ أو الرّيب ، فهذا الاشتقاق يَدل على أنّها إيقاع من الجانبين في الشك ، فيؤول المِريَةُ إلى معنى المجادلة في المستقبل ، وإطلاق المراء على المجادلة مجاز مرسل لعلاقة ما يَؤول أمره إليه [9] .
الرّيب والمراء في عدتهم وهو اختلاف النّاس في عدد أهل الكهف كما بيّنه الله في نفس الآية قبلها وهو : ( سَيَقُولُونَ ثَلاثةٌ رَّابِعُهُم كَلبُهم وَيَقُولُونَ خَمسَة سَادِسُهُم كَلبُهُم رَجماً بِالغَيبِ ) [10] . فحسب صنيع الآية المذكورة لا يُنكر عن المراء الظاهر ، لكن لا طاَئل تحته ولا يُناسب الخوض فيه ؛ فلذلك نبّه الله في الآية أوّلا بـ ( فَلا تُمارِ فِيهِم ) ليس معناه لا تردّد فيه بل لا تُجادل فيهم ، أي لا تُجادل فيهم ؛ لقلّة جدواه ثمّ أجاز لمراء ظاهر بقوله : ( إلاّ مِراءً ظَاهِراً ) وهو واضح بيّن .
المجاز المرسل في اللفظ المفرد – لعلاقة الاشتقاق :
إذا كان بين الحقيقة والمجاز علاقة الاشتقاق من علاقات المجاز فهو يَصير مجازاً مرسلاً ؛ لعلاقة اشتقاقيةٍ ، ومثاله من سورة الكهف آية : ( وَكَانَ لَه ثَمرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكثَرُ منكَ مَالاً وَأَعَزَّ نَفراً ) ، وفي الآية كلمة ” ثمر ” بمعنى ربح المال مجازاً ؛ لأنّ ” ثمر ” مشتق من اسم الثمرة – وبين ثمر والثمرة علاقة اشتقاقية – وربح المال والانتفاع مثل ثمر الشجرة ، وهذا المجاز قد شاع استعماله حتى أصبح حقيقةً .
المجاز المرسل في اللفظ المفرد – لعلاقة سببيةٍ :
إذا كان المعنى الأصلي سبباً للمعنى الذي يُطلق عليه اللفظ مجازاً كما نجد هذا المعنى في آية ( وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفاً لَقَد جِئتُمُونا كَمَا خَلَقنَاكُم أَوّلَ مَرّةٍ بَل زَعَمتُم أَلن نَجعَلَ لَكُم مَوعِداً ) ، فمحل الاستشهاد في الآية المذكورة كلمة ” جئتمونا ” – من المجيئ – وهذه الكلمة سبب الحضور ، وهو مسبب ” جِئتُمُونا ” بمعنى حضرتمونا مجازاً لعلاقة سببيةٍ ، وفي الحقيقة شبهوا عند موتهم بالغائبين ، ثمّ حياتهم بعد الموت شبّهت بمجيئ الغائب – يعني مجيئتكم يوم القيامة كخلقكم أوّل مرّةٍ .
وترتيب هذه الجمل في الذكر جار على ترتيب معانيها في النفس بحيث يشعر بأن كل واحدة منها ناشيئ معناها على معنى التي قبلها ، فكانت جملةً ويجادل الذين كفروا بالباطل مفيدة معنى الاستدراك ، أي أرسلنا الرسل مبشرين ومنذرين بما فيه مقنع لطالب الهدى ، ولكن الذين كفروا جادلوه بالباطل لإزالة الحق لا لقصد آخر .
المجاز المرسل في اللفظ المركّب لعلاقة اللزوم :
المجاز المرسل المركّب هو لفظ مركّب يُستعمل بهيئة تركيبية في غير المعنى ما وُضع له لعلاقة غير المشابهة مع قرينة صارفة عن المعنى الأصلي فهو المجاز المرسل المركّب ، ومثاله عندنا في سورة الكهف آية ( وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرةً وَلا كبيرةً إلا أَحصَاهَا ) . فمحل الاستشهاد فيه كلمة ” يَا وَيلَتَنَا ” فهذا نداء حقيقةً واستعملت مجازاً بمعنى التّحسّر وإظهار الحزن والوجع ؛ لعلاقة اللزوم يعني كلمة ” يَا وَيلَتَنَا ” ما لا يُنادي يُخاطب به ما يُنادي لقصد حضوره حزناً ووجعاً .
المجاز المرسل في اللفظ المركّب لعلاقة العام والخاص :
إذا كان اللفظ له المعنى الأصلي عاماً ، والمعنى المجازي له خاص فهذا مجاز لعلاقة العموم والخصوص ، ومثاله في سورة الكهف آية ( وَإِذ قُلنَا لِلمَلائكَة اسجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسقَ عَن أَمرِ رَبِّه ) .
فلفظ الاستشهاد هنا ” ففسق ” وهو من ” فسقت الرّطبة ” أي إذا خرجت من قِشرها فمعناه المجازي التجاوز عن الطاعة وهذا هو المقصود ، فإذاً لفظ فسق عامٌ ، واستعمل بمعنى خاص . وأنكر عن هذا المعنى الإمام أبو عبيدة ، وقال ” لم نسمع ذلك في شعر الجاهلية ولا كلام العرب ، وإنّما تحدّث به العرب بعد القرآن ” لكن وافق على نفس المعنى المذكور الإمام المبرّد وابن الأعرابي ، وعندهما إطلاق الفسق على العصيان شائعٌ ومذكور في غير واحدٍ من المواضع القرآنية ، ومعناه الخروج عن الطاعة كما ذُكر في سورة البقرة ( وَمَا يُضِلُّ به إلاّ الفَاسِقِينَ ) . فمعناه هنا واضح دون غموضٍ وخفاءٍ .
المجاز المرسل في اللفظ المركّب لعلاقة الآلية :
( وَمَا أَشهَدتهُم خَلق السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ ولا خَلق أَنفُسِِهِم وَمَا كُنتَ مُتَّخِذَ المضِلِّينَ عَضُداً ) .
ففي الآية المذكورة كلمة ” عضد ” مجاز هنا ؛ لأنّ العَضُد حقيقةً يُقال للعظم بين المرفق والكتِف ، ويُطلق على المعين على العمل مجازاً ، كما يُقال : فلانٌ من عضدي أي من أعواني واعتضدت به – أعنته ، فالعضد هو آلة الإعانة ، والمعنى المراد هو الإعانة بدون الآلة . المعين على العمل ، يقال : فلان عضدي واعتضدت به ، والمعنى : لا يليق بالكمال الإلهي أن أتخذ أهل الإضلال أعواناً فأشركهم في تصرفي في الإنشاء ، فإن الله مفيض الهداية وواهب الدراية فكيف يكون أعوانه مصادر الضلالة .
النّتائج :
وبعد دراسة المجاز نظريةً وتطبيقاً وصلنا خلال ذلك إلى بعض النتائج حسب التالي :
- المجاز هو الكلام ، أو الأسلوب غير المباشر ، وأكثَرَ استعماله العرب قديماً وحديثاً ، فلا فائدة في الإنكار عنه ، وآيات القرآنية ونصوص الحديثية أوضح شاهدٍ على استعماله ، فلا مساغ لنا أن ندور في فلك المنكرين ونسير في مسيره ، ونسبّح معهم فيه .
- ولا يُمكن للحقيقة أن تقوم مقام المجاز ؛ لأن للعرب علاقاتٍ وملابساتٍ مع المجاز ما لا يُمكن مع الحقيقة ، ويهتمون به استخداماً للتأكيد في الكلام ، أو التوضيح وما إليه .
- ويقدر الإنسان به بالإيجاز في التعبير ، مع وفاء المُراد وتوفير المعنى ولا يُوجد في الحقيقة شأن الكلام بهذه المنزلة كما نقول مثلاً : كرّم البلد الآمن ، معناه كل أهل البلد الآمن يَستحقون التّكريم .
- ويحمل المجاز في مناحي عباراته وبين طياته المعاني الممتدة الواسعة ، ومن الإبداع الفني ذي الجمال المُعجب الخلاب مع مراعاة المعنى في سيره ما لا يُؤدّيه البيان الكلامي على وجه الحقيقة ولا يُستطاعُ ذلك .
- لا ندعي الحصرَ لألوان المجاز وصياغته وجماله في هذه الوِجازة المتواضعة ولا يَسعها نِطاق السّفر بل تُوجَد في السورة المذكورة أمثلته متوفّرةً حسب الذوق الباحث اللمّاح ، ومن له مُسكَةٌ بكلام العرب أو ما يجدها في كتاب الله العزيز بعد تأمّله وتأنّيه فيه .
* إسلام آباد ، باكستان .
[1] حبنكة الميداني ،البلاغة العربية ، ج 3 ، ص 255 .
[2] سورة العلق ، رقم الآية : 17 .
[3] نفس المصدر ، ج 15 ، ص 258 .
[4] سورة الكهف ، رقم الآية : 22 .
[5] التحرير والتنوير ، ج 15 ، ص 258 .
[6] التحرير والتنوير ، ج 15 ، ص 318 – 319 .
[7] سورة الكهف ، رقم الآية : 56 .
[8] نفس المصدر ، ج 15 ، ص 341.
[9] سورة البقرة : رقم الآية : 56 .
[10] سورة الكهف : رقم الآية : 51 .

