حجارة القاهرة تتحدث

رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة السابعة )
مايو 24, 2026
رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة الأخيرة )
مايو 24, 2026
رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة السابعة )
مايو 24, 2026
رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة الأخيرة )
مايو 24, 2026

أدب الرحلات :

حجارة القاهرة تتحدث

بقلم : الأستاذ شعيب الحسيني النّدوي *

ليست القاهرة مجرّدَ مدينةٍ ، بل هي كتاب مفتوح من الحجارة ، لها تاريخٌ نابضٌ بالحياة ، كلُّ حجرٍ فيها يروي حكايةً ، وكلُّ زقاقٍ يفتح باباً من أبواب التاريخ .

تنساب صباحاتُها على صفحة النيل انسيابَ المراكبِ الشراعيّةِ القادمةِ من أفقٍ بعيدٍ إلى شاطئ المنى .

في صباح الخامس من أكتوبر ، أقلعت من إسطنبول على جناح الهواء ، وحين حطّ بي الركاب في القاهرة ، شعرتُ وكأنّي أستلم كتاباً حيّاً من المعرفة والتاريخ ، كل صفحةٍ فيه مشحونةٌ بالعلم والذكر . وفي المساء ، أخذتني الأقدامُ إلى شارع المعزّ لدين الله الفاطمي – قلب القاهرة النابض – ، حيث المدارس والمآذن والحمّامات تتعانق لتروي قصة الحضارة الإسلامية .

كان في استقبالي في ساحةِ الجامعِ الأزهر صديقي العزيز رياضُ الدين النّدوي ، الباحثُ بجامعة الأزهر ، فالتقيتُ به بعد صلاةِ العصرِ برفقةِ تلميذيَّ سعيد فرزان العيني وتجمل العيني ، وانطلقنا نلتمسُ آثارَ العلمِ في أزقّة القاهرة ، نسترجع من خلالها أنفاس التاريخ وروح الحضارة .

مدرسةُ العيني ( 762 – 855هـ ) – صَدى الفقه والمنطق :

كانت أولى محطّاتنا عند بابٍ عتيقٍ شامخٍ كتب عليه : مدرسةُ العيني 814هـ .

هناك كان الجوّ مفعماً بجلالِ العلمِ وحرارة المنطقِ وهيبة القول .

في هذه المدرسةِ درّس الإمامُ بدرُ الدين العيني ، الفقيهُ والمؤرّخُ والمحدّثُ الحنفيّ ، قاضي القضاة في القاهرة ، أحدُ أعلامِ عصرِ المماليك ، الذي أشرقتْ أنوارُ علمِه من الأندلسِ إلى الهند .

جدرانُ المدرسةِ لا تزالُ شاهدةً على عبقِ أيّامِه ، وكأنّها تحفظُ في ثناياها أوراقَ عمدةِ القاري ، تلك الموسوعةِ الحديثيّةِ التي خلّدت اسمَه في شرحِ صحيحِ البخاري .

تخيّلتُ المشهدَ : العينيُّ في مجلسِه يخوضُ في دقائقِ المنطقِ وفقهِ الحديث ، وفي الجهةِ الأخرى ابنُ حجرٍ العسقلانيّ يلقي درسهُ في سكينةٍ وعمق .

كأنّ القاهرةَ في ذلك العصرِ كانت منارةً تضيئُ بعقلِ العيني وقلبِ ابن حجرٍ معاً .

جامعُ الأقمر – إشراقُ الروحِ والعلم ( 519هـ/1125م ) :

شُيّد هذا الجامعُ بأمرِ الخليفةِ الفاطميّ الآمرِ بأحكامِ الله ، ونفّذه وزيرُه المأمونُ البطائحيّ ، وسُمّي بالأقمر ، لأنَّ جدرانَه المكسوّةَ بالحجرِ الأبيضِ تتلألأ كضوءِ القمر .

هنا كان الإمامُ زينُ الدين العراقيّ يدرّسُ الحديثَ ، فتفوحُ من أرجائِه أنفاسُ القرآنِ والسنّة .

توقّفتُ عند منبرِه وأغمضتُ عينيّ ، فإذا بصدى ” حدّثنا فلانٌ عن فلان ” يتردّدُ في أجواءِ المكان ، كأنَّ الزمنَ لم يمضِ منذ كانت تلك الحلقاتُ عامرةً بالعلماءِ والطّلَبة .

مدرسةُ السلطانِ ناصرِ بنِ قلاوون – مَعقلُ العلمِ والطّب ( 695هـ/1295م ) :

مع انحدارِ الشمسِ إلى الغروب ، كنتُ أمام مدرسةِ السلطان ناصرِ بنِ قلاوون ، وهي ليست مجرّد مدرسةٍ ، بل كانت مجمّعاً علميّاً وطبيّاً فريداً ، يجمعُ بين المسجدِ والبيمارستان .

هنا كان العلماءُ والأطبّاءُ يلتقون في صحنٍ واحدٍ ، يجمعُهم هدفٌ واحد : خدمةُ الإنسانِ بالعلمِ والإيمان .

ومن بين خرّيجي هذا الصرحِ العظيم أسماءٌ لامعةٌ : ابن فضل الله العمريّ المؤرّخ ، وشهابُ الدين النويريّ الموسوعيّ ، وابن جماعة الكنانيّ الفقيهُ الأصوليّ .

مدرسة وخانقاهُ السلطانِ برقوق – تلاحمُ العلمِ والذّكر ( 786هـ/1384م ) :

خطوتُ بعدها إلى خانقاهِ ومدرسةِ السلطانِ برقوق ، فوجدتني أمام مشهدٍ يفيضُ بالهيبةِ والسكون .

هنا كان العلمُ يمتزجُ بالتصوّف ، والفقهُ بالروحانيّة ، تُدرَّسُ المذاهبُ وتُقامُ مجالسُ الذكر .

شعرتُ بنسيمِ النيل يمرُّ بين الأعمدةِ العالية فيحملُ معه أصداءَ الأولياء والعلماءِ الذين عمّروا هذا المكان .

ويُروى أنَّ ابنَ خلدون أقامَ هنا ، ولعلَّه في رحابِها خطَّ بعضَ فصولِ المقدّمة الخالدة .

المدرسةُ الكاملية – نَفَسُ العدلِ والعقل ( 622هـ ) :

ثمَّ قادتني الخطى إلى المدرسةِ الكاملية ، التي أنشأها السلطانُ الكامل الأيوبيّ ، وكانت مناراتُها تنشرُ روحَ الاجتهادِ والإنصافِ في أجواءِ القاهرة .

من بين تلامذتها العزّ بن عبد السلام وابن دقيق العيد ، اللذان أرسيا معالمَ الفقهِ المقاصديّ .

غادرتُها فدخلتُ أزقّةً ضيّقةً تتدلّى منها شرفاتٌ خشبيّةٌ مشبّكةٌ تعبقُ منها رائحةُ الطينِ العتيق ، وكأنَّ الجدرانَ تهمس : ” هنا مرَّ ابنُ حجر ، وهنا صدح العيني ، وهنا جال زينُ الدين العراقي ، وهنا عبرت قوافلُ العلماء والصلحاء والشعراء ” .

حمّاماتُ الفاطميّين – أناقةُ الحضارة :

في شارعِ المعزّ تنتشرُ الحمّاماتُ القديمة : حمّامُ السلطان إينال ، وحمّامُ المقدَّم ، وحمّامُ الفيشاوي .

وهي شواهدُ على ذوقِ الفاطميّين والمماليك في الجمعِ بين النّظافةِ والرّاحةِ والفكر .

كانت الحمّاماتُ ملتقياتٍ اجتماعيّةً وفكريّةً ، يجتمعُ فيها العلماءُ بعد الدّرس يتبادلون الحديثَ في أجواءٍ من الصفاء .

وقفتُ أمام أحدِها أتأمّلُ بلاطَه النيليَّ وقبّتَه المكلّلةَ بالبخار ، فخيّل إليّ أنَّ أصداءَ العلماءِ ما زالت تدورُ في فضائه .

مدرسة الإمام الفقيه سراج الدين البلقيني ( 724 – 805هـ ) :

وحين أرخى الليل سدوله ، وبدت القاهرة كعروسٍ تتلألأ أنوارها بين مآذنها ، توجهتُ إلى مسجد الإمام سراج الدين البلقيني – أحد أركان الفقه الشافعي وعلم من أعلام القاهرة في القرن الثامن الهجري – في حيٍّ هادئٍ من أحيائها القديمة ، وكان المسجد في أصله زاوية أو مدرسة للإمام البلقيني يجتمع فيها طلاب العلم والفقه من كل صوب ، كانت أضواء المساجد تتلألأ في السكون ، ولم يبقَ في الأجواء إلا عبير التاريخ ونَفَس العلماء . دخلتُ المسجدَ متأمّلاً جدرانه العتيقة ، ففاحت منه رائحةُ الورع والفقه ، كأنّ دروس الإمام لم تزل تتردّد بين أركانه .

اقتربتُ من قبره ، وسلّمتُ على روحه الطاهرة بخشوعٍ عميق ، تذكّرتُ كتبه وفتاويه التي ملأت الآفاق ، وذاك العقل الفقهي الذي جمع بين دقة النظر وسلامة القلب ، وقرع سمعي قول تلميذه النابغ الإمام ابن حجر العسقلاني يصفه : ” إنه الإمام الكبير الفقيه العالم العامل ، شيخ الإسلام ، مفتي الأنام ” . كان الليل ساكناً ، غير أن في السكون نغمةً خفيّةً ، كأنّ القاهرة نفسها تتهامس بذكر علمائها .

وقفتُ لحظاتٍ أستحضر مشهدَ تلميذه النجيب ابن حجر العسقلاني وهو يجلس بين يدي شيخه ، ينهل من فقهه ويتعلّم من سمتِه ، قبل أن يسطّر هو بدورِه ” فتح الباري ” ، ويبلغ الذروة في خدمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم . عندها شعرتُ أني في موضعٍ يلتقي فيه الفقهُ والحديثُ ، والعلمُ والوفاءُ ، والشيخُ والتلميذُ ، في نسيجٍ واحد من نورٍ وذكرٍ خالد .

ثم خرجتُ من المسجد والليل ما زال يلثم جدرانه ، وأضواء القاهرة تنعكس على نوافذه القديمة ، كأنها تحرس سرّ العلم في صمتٍ مهيب . ومن هناك سارت بي الخطى نحو حارة الحبالة ، حيث بيتُ ابن حجر ، لأكمل رحلتي في دروب العلم والذاكرة .

منزلُ ابنِ حجرٍ العسقلانيّ ( 773 – 852هـ ) – عبقُ ” فتح الباري ” :

غير بعيدٍ عن جامعِ الأقمر ، في حيِّ حارةِ الحبالة ، يقع منزلُ الإمام ابنِ حجرٍ العسقلانيّ ، حيثُ أبدعَ درّة الدواوين الحديثيّة ” فتح الباري ” ، ورفع للحديث بنيانا لا يضاهى .

حين وقفتُ أمام المكانِ ، أحسستُ كأنَّ أنواراً خفيّةً تتلألأ في الفضاء ، وأنَّ فتح الباري لم يُكتبْ بالحبرِ فقط ، بل بنورِ الإلهام .

تخيّلتُه جالساً في مجلسِه ، تحيطُ به حلقاتُ الطلبة ، وبين يديه صحيحُ البخاريّ ، يتحدّثُ في خشوعٍ وسكينةٍ عن دقائقِ الإسنادِ ومعاني الرواية .

صلّيتُ هناك ركعتين وسلّمتُ على روحِ هذا الإمامِ الجليل ، ثمَّ همستُ في قلبي : لقد التقيتُ اليوم في القاهرة أولاً بالعينيّ ، وأخيراً ابن حجرٍ ، أحدُهما منطقٌ واستدلال ، والآخر نورٌ ومعرفة . تنافسا في الحقّ ، فخلّدا العلمَ معاً : هذا قلمٌ يُشعل الفكر ، وذاك قلبٌ يُضيئ البصيرة .

مساءُ القاهرة – أنفاسُ التاريخ :

حلَّ المساء ، وأضاءت المصابيحُ شارعَ المعزّ ، وارتفعت من المآذنِ نداءاتُ الأذان ، تلك التي لم تنقطعْ منذ قرون .

وقفتُ أتأمّل : إنَّ القاهرة ليست ماضياً يُروى ، بل روحٌ تُعاش .

هنا لا يسكنُ العلمُ في الكتب ، بل في الهواءِ والوجدان .

ولا تُقرأُ الحضارةُ في الأسفار ، بل تُستشعرُ في الأنفاس .

كنتُ مسافراً في ظاهرِ الأمر ، لكنّي في الحقيقةِ كنتُ شاهداً على ضوءٍ لم يخمد منذ قرون ، ضوءٍ هو أنفاسُ التاريخِ العلميّ في مساءِ القاهرة .

* رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية حراء منجلور ، الهند . البريد الإلكتروني : shoaibalhusaini@gmail.com .