دَلالُ السَّنَــابِــل وَجَـمَــالُ المَنَـاهِـل
مايو 24, 2026المدارس الإسلامية وبداية الحراك العلمي ندوة العلماء نموذجاً
مايو 24, 2026في رياض الشعر والأدب :
اللغة العربية وأهميتها العالمية
بقلم : الدكتور محمود عالم الصديقي *
إن اللغة العربية إحدى اللغات القديمة والحية في العالم ، ولها تاريخ طويل ، وقد ساهمت مساهمةً جبارةً في تطوير الثقافة العربية وحضارتها والنهضات العلمية عبر تاريخها العلمي والأدبي ، وهي لغة القرآن والحديث النبوي ، وهي لغة العلوم الإسلامية من التفسير وعلم الكلام والتشريع الإسلامي والسيرة والتاريخ ، وهي لغة الأدب من الشعر والنثر مع فنونهما المتطورة المتنوعة من الشعر الوجداني والشعر التعليمي والشعر الملحمي والقصة القصيرة والرواية والمسرحية ، وهي لغة العلوم من الفلسفة والطب والطبيعيات ، والرياضيات ، والعقليات وفروعها . وهي لغة التجارة ولغة الصحافة العالمية ولغة السياسة ولغة الانترنت . وهي لغة لأكثر من اثنتين وعشرين دولة عربية ، وهي لغة يتحدث بها سكَّان يصل عددهم إلى أربع مائة وخمسين مليوناً ، وهذا ما عدا المسلمين في العالم الذين يصل عددهم إلى مليار ونصف ، يحتم عليهم دينُهم الإسلامي التعلمَ بها ، وهي إحدى اللغات المعترف بها لدى الأمم المتحدة ، وبعد ذلك هي لغة منظمة أوبيك ولغة المجلس التعاون للدول الخليجية .
اللغة العربية عبر العصور :
إن اللغة العربية ” نشأت ونَمَت قبل زمن التاريخ ، أي تميَّزت فيها الأسماء والأفعال والحروف ، وتكوَّنت فيها معظم الاشتقاقات والمَزِيدات ؛ وهي لا تزال في حجر أمُّها ، أي قبل انفصالها عن أخواتها الكلدانية والعبرانية والفينيقية ، وغيرها من اللغات السامية ” [1] ، وانتشرت في العالم العربي وغيره مع انتشار الإسلام حتى صارت لغةً رسميةً للخلافة الإسلامية التي امتدت شرقاً وغرباً في العالم كله والتي اهتمت بتطوير العلوم والفنون والآداب في اللغة العربية بعد نقلها لأروع أفكار علمية وأدبية من الثقافات المتعددة إلى الثقافة العربية في العصر العباسي . فكان يتم إنتاج الكتب العلمية والفلسفية والأدبية والاجتماعية في اللغة العربية في العصر العباسي مثلما يتم إنتاج الكتب العلمية الأدبية في اللغة الإنجليزية اليوم . غير أن اللغة العربية ضعفت في عصر الانحطاط ( 1258 – 1798 ) ، ففي هذا العصر ” دخلها التكلف والتجمل والتصنع ، وتكاثرت فيها ألفاظ التفخيم والتبجيل ، وشاع التسجيع في الإنشاء ” [2] حتى اختنق التعبير عن المشاعر الإنسانية من الهموم والسرور والغضب والمقت ، وعجزت اللغة عن التعبير حتى عن إبانة الحوائج اليومية . . . فاستمرت اللغة العربية في هذه الحالة من الضعف والانحطاط حتى وقعت النهضة الحديثة أولاً في مصر عام 1798م ، ثم في دول عربية أخرى : دولة تلو أخرى .
اللغة العربية في العصر المعاصر :
ففي هذه النهضة الحديثة – على حسب قول جورجي زيدان – على غرة دَفعة واحدة ” انهالت فيها العلوم انهيال السيل ، وفيها الطب ، والطبيعيات ، والرياضيات ، والعقليات وفروعها ” [3] . فاندفع المترجمون إلى ترجمة تلك العلوم إلى اللغة العربية ، واضطروا إلى مراجعة القواميس والكتب العلمية والكتب الأدبية المؤلفة في العصر العباسي عند ترجمة الكلمات الحديثة والمصطلحات الجديدة ، ولما وجدوا ألفاظاً مساويةً لهذه الكلمات الحديثة والمصطلحات الجديدة ترجمها بها ، ولما لم يهتدوا إلى الكلمات القديمة والمصطلحات القديمة وسَّعوا معنىً جديداً في كلمة قديمة من الفعل أو الاسم ومشتقاتهما . وعلى سبيل المثال : صاغوا كلمةً طائرةً لـ ( Airplane ) وطيار لـ ( Pilot) و مطار لـ ( Airport ) وطيران لـ ( Flight ) موسعين في معانِ لمشتقاتِ فعل موجود في اللغة العربية منذ العصر الجاهلي ، وهو فعل ” طار ، يطير طيراً . كذلك أضافوا إلى معنى فعل ” إقلاع ” معنىً إضافياً ، وهي ( to depart or to take off) وإلى معنى فعل ” هبوط ” معنىً إضافياً ( To land ) بإضافة إلى معنيهما القديمين . وكذلك وضعوا للبعض الآخر ألفاظاً لا تنطبق على المراد بها تماماً لانطباق ، لكنها صُقِلت بتوالي الأعوام وصارت تدل على المراد ، كما أصاب أمثالها في أثناء النهضة العباسية وغيرها . هكذا تم وضع عدد كبير من الألفاظ الجديدة التي لم تكن موجودةً في اللغة العربية قبل ذلك . وكما تم تعريب بعض الألفاظ الإفرنجية في اللغة العربية كمثل تلفاز ، راديو وتلفون ، تلفن وغيرها من الألفاظ الجديدة الواردة . فدخلتها ” ما اقتضاها لتمدن الحديث من تولُّد الألفاظ الجديدة ، واقتباس الألفاظ الإفرنجية للتعبير عما حدث من المعاني الجديدة في العلم ، والصناعة ، والتجارة ،والإدارة ، وغيرها ” [4] .
وبالنتيجة أن اللغة العربية صارت مقتدرةً على استيعاب جميع العلوم الحديثة في طياتها والتعبير عنها بالطريق القوي المماثل الذي يعبر به اللغات الأوروبية الأخرى عنها . . . فانعتقت اللغة العربية من السجع والإطناب والمترادفات المتصنعة وانتعشت وتطورت تطوراً ملحوظاً في مفرداتها وأساليبها ومحتوياتها حتى بدأت تساير مع اللغات الأوروبية في إنتاج أروع أدب في جميع الفنون الأدبية وتدوين العلوم والمعارف الحديثة . ولكنها فقدت مكانتها العالمية مع فقدان المسلمين سيادتهم السياسية في العالم بعد تفكك الخلافة العثمانية – آخر خلافة مسلمة – إلى دول مختلفة . ثم حلت محلها اللغة الإنجليزية التي صارت لغة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في العصر المعاصر .
علاقتها بالعالم المعاصر من ناحية أهميتها وفرصها للوظائف :
ولكن بفضل التكنولوجيا تحوَّلَ العالم إلى بيت واحد ، ازدادت فيه أهمية تعلم اللغات الأجنبية . ومن بين هذه اللغات الأجنبية اللغة العربية التي تحظى اهتماماً خاصاً من المتعلمين لكونها لغةً رسميةً لأكثر من اثنتين وعشرين دولة ، ويتحدث بها سكانها الذين يصل عددهم إلى أربع مائة وخمسين مليوناً ، وهذا ما عدا المسلمين في العالم يصل عددهم إلى مليار ونصف ، يحتم عليهم دينُهم الإسلامي التعلمَ بها . وهذه الدول : الاثنتان والعشرون واقعة بالشرق الأوسط وقارة إفريقيا اللتين ازدادت أهميتهما بعد اكتشاف البترول فيهما . فسعت الدول الأوروبية إليهما بمطامعها السياسية وحاولت التسلط عليهما والتدخل في سياساتهما الداخلية لتتمكن من استغلالها من آبارهما البترولية ومصادرهما الطبيعية . وطبيعياً نتج من هذا الاستغلال الاقتصادي والتدخل السياسي ظاهرة الإرهاب والحروب الداخلية اللتين ما زالتا ولا تزالان تقضيان كل يوم على حياة مئات وبل آلاف من العرب العرباء . ثم هذه الجماعات الإرهابية ربما تستنبط من القرآن والأحاديث النبوية في دعم دعواهم الإرهابي الباطل كـ ” منظمة القاعدة ” وحركة داعس وغيرهما . وربما أن الوكالات السرية الأوروبية التي تشعل النار الفرقية وتُزَيِّتُها ، وتقوم بتهمة الإسلام بالدين الإرهابي والدين العنفي . فهذه القضايا وأمثالها لا يستطيع أحد أن يفهمها كل الفهم إلا من له إلمام كامل باللغة العربية والثقافة العربية وحضارتها القديمة وتواريخها القديمة التي هي كلها مدونة باللغة العربية . فأثارت هذه الأشياءُ وأمثالها اهتمامَ الأوروبيين بتعلم اللغة العربية . فأقبل الباحث والعالم أو المؤرخ والصحافي من العالم الأوروبي بتعلم اللغة العربية وتعليمها . فنفقت سوق اللغة العربية في العالم كله من جديد .
وبالإضافة إلى ذلك أن أكبر الدول الأوروبية جعلت هاتين المنطقتين ولاسيما المنطقة الخليجية سوقاً لمنتجاتهم التكنولوجية ، فلم تقم بإنتاج منتج جديد من المنتوجات التكنولوجية إلا تطلقه في السوق العربي الذي يوجد فيه زبائن لهذه المنتوجات التي يشتريها العرب بأسعار باهظة بدون أي مشكلة . فصار العالم العربي سوقاً لمنتجات أوروبا ومسرحاً صراعاً بين القوى المنافسة الأوروبية . وكل هذا أعطى اللغة العربية دعماً في كونها لغةً تجاريةً ولغةً سياسيةً ولغةً اجتماعيةً ولغةً اقتصاديةً حتى جعلتها الأمم المتحدة إحدى اللغات الرسمية عام 1973م ، بعد ذلك هي لغة منظمة أوبيك ولغة المجلس التعاون للدول الخليجية .
ففي العصر المعاصر أن اللغة العربية حققت عالميتها باعتراف الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بها لغة رسمية ، وكذلك أنها كسبت أبعاداً متعددةً ، فإذا هي لغة التدريس والتأليف والبحث في الكليات والجامعات لا يمكن إحصاؤهما . فيُنْتَجُ بها الشعر والنثر بجميع أصنافهما فتكتب بها القصص القصيرة والروايات الاجتماعية والمسرحيات الذهنية والشعر الذاتي والملحمي والمسرحي . وهي لغة الصحافة الإلكترونية فيبث بها عدد كبير من القنوات التلفزيونية ، ومنها قناة الجزيرة وقناة بي بي سي وعديد من القنوات المحلية والقنوات العالمية . وكذلك هي لغة الصحافة الطباعية ، فتنشر بها مئات من الصحف اليومية والمجلات العلمية والأدبية والمحكمة والغير المحكمة وكذلك يصدر بها آلاف من الكتب العلمية والأدبية والتكنولوجية ، وتلقى بها الدراسات والمحاضرات وتناقش بها على القضايا الوطنية والدولية في مجالس الشيوخ والبرلمانات .
فكل هذا خلق ويخلق فرصاً للوظائف لمتعلميها وعلمائها وجذب ويجذب انتباه الباحث والعالم والمؤرخ والصحافي إليها . فتهافت الناس على تعلمها وتعليمها في العالم .
تلخيص المقال :
إن اللغة العربية إحدى اللغات العريقة الحية في العالم ، وشهدت تطوراً ملحوظاً في مفرداتها وتعبيراتها وأساليبها ومحتوياتها واصطلاحاتها الأدبية والدينية والإدارية والسياسية والعلمية مع تطور قواعدها في علم النحو والصرف والبلاغة طوال رحلتها الطويلة بدءً من العصر الجاهلي والعصر الإسلامي والعصر العباسي حتى العصر الحاضر ، حتى إنها حققت أهميتها بقدرتها على المسايرة مع احتياجات إنسان لكل عصر سواء في إظهاره مشاعره الوجدانية في الأدب وتحمل الرسالة الإيمانية في طياتها أو في حفاظها على التراث القديم العالمي بعد نقلها لأروع أفكار علمية وفلسفية من الثقافات المتعددة إلى الثقافة العربية ، ثم إنها خرجت من عصر الانحطاط منتصرةً مستردةً قواها التعبيرية حتى صارت مقتدرةً في العصر المعاصر على أن تساير مع اللغات الأوروبية في إنتاج أروع أدب في جميع الفنون الأدبية وتدوين العلوم والمعارف الحديثة . ونظراً إلى أهميتها العالمية المتزايدة أن الأمم المتحدة في دورتها العشرين أصدرت قراراً اعتمدت فيه اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية عام 1973م . ثم في عام 2010م أي بعد مرور 37 سنة من اعتمادها اللغة العربية ضمن لغاتها الرسمية أقرت منظمة اليونسكو تقديراً لمكانة هذه اللغة قراراً على احتفال الثامن عشر من شهر ديسمبر لكل سنة بـ ” اليوم العالمي للغة العربية ” . فمنذ ذلك الحين يحتفل في الثامن عشر من شهر ديسمبر لكل سنة بـ ” اليوم العالمي للغة العربية ” . فالحق أن اللغة العربية تتمتع بأهمية عالمية ولعبت دوراً ملحوظاً في خدمة الإنسانية عبر العصور من خلال تسجيل أفكارهم العلمية والدينية والوجدانية في طياتها .
* كشمير ، الهند .
[1] جورجي زيدان ، اللغة العربية كائن حي ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، 2012م ، ص 17 .
[2] نفس المصدر ، ص 61 .
[3] نفس المصدر ، ص 67 .
[4] جورجي زيدان ، اللغة العربية كائن حي ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، 2012م ، ص 7 .

