رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة الأخيرة )

حجارة القاهرة تتحدث
مايو 24, 2026
لغة العروبة تقول لكم
مايو 24, 2026
حجارة القاهرة تتحدث
مايو 24, 2026
لغة العروبة تقول لكم
مايو 24, 2026

أدب الرحلات :

رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم

( الحلقة الأخيرة )

الأخ الأستاذ السيد عبد العلي الحسني الندوي *

كانت الشمس تغرب عقب مدينة ” إيلات المحتلة ” وراء البحر الأحمر ، إذ دخلنا في مدينة ” العقبة ” الأردنية المينائية الوحيدة ونزلنا وسط البلد باحثين عن نزل رخيصة ذات أسعار منخفضة ، ولكن بعد الاستعلام الطويل عن فنادق اقتصادية عديدة وجدنا أن رسومها رغم كونها اقتصاديةً غالية جداً بالنسبة لنا ، فكنا فيما بين الجولان والدوران من فندق إلى آخر للبحث عن الحسومات والتخفيضات في الأسعار والتفاوض والتساوم للتوصل إلى الاتفاق المنشود إذ صادفنا شاباً وسيماً على حافة الطريق ، وكان الشاب ممتازاً في الأخلاق ، ويبدو من ملامحه وشيمه وآدابه أنه شاب مثقف يحب رجال الدين ، فعندما تعرّف على بحثِنا المتواصل عن فندق ميسور التكلفة اصطحبَنا معه إلى فندقه ، وكان فندقه من طابقين وفي كل منهما غرف شاغرة ، واقترح لنا صاحب الفندق أن نحجز جناحاً في الطابق العلوي بتكاليف مناسبة للميزانية فحجزناه دون تردد ، ونزلنا فيه ، وبعد الانتعاش واستعادة النشاط والحيوية ، أسرعنا في الخروج من الفندق لاستكشاف المدينة .

نحو ميناء العقبة :

نحن الآن نمشي نحو ميناء العقبة حين غربت الشمس في عين حمئة ، ويرخى ظلام الليل ستاره ، وكاد الدجى يسود في آفاق المدينة المخططة المتطورة الجميلة مما رأيته من نظافة وتخطيط حديث وتصميم جاد قويم في أكثر المدن في المملكة الأردنية.

انتهينا إلى شاطئ خليج العقبة الذي يقع بمسافة يسيرة من فندقنا ، ومكثنا هناك لدقائق في جمال الهدوء وسكون الليل ، وتمتعنا بنسماته الناعمة المرهفة اللطيفة التي ربما تحكي كل ما في خواطرنا من مشاعر دافئة وأحاسيس جياشة . وتمشينا على رمال الشاطئ بخطوات متثاقلة إذ كانت أقدامنا تلامس الأمواج الخفيفة المداعبة بالوجدان ، المغذية للأفكار والحافزة للانطباعات ، وهذه هي اللحظات التي تولد في مهجة الشاعر أبياته الحبيبة ويحرر للمفكر أفكاره العويصة ويكشف للفيلسوف عجائب جديدةً ، ولكن بما أنني لم أكن أياً منهم فاضطررت إلى الاكتفاء بهذه الجمل المكسورة لصياغة عواطفي المتدففة .

سياحة البلدة على الدراجة الهوائية :

وبعد قليل بدأنا نتجه نحو الفندق إذ مررنا بمتجر تأجير الدراجات الهوائية بأسعار معقولة ، فاستأجرت أنا ورفيقي الأخ عفان دراجتين للتنقل والتجول حول المدينة ، وعاد الأخ صديق أحمد الندوي إلى الفندق لشيئ من الاستراحة ، ونحن ركبنا دراجتنا لنسيح بها أوساط المدينة وأطرافها التي تجمع بين التاريخ القديم والحداثة الرائعة ، فكانت المدينة في واقع الأمر نموذجاً يحتذى به في الانسجام الرائع البديع الفريد في المملكة بين المعالم التاريخية المحفوظة والمحميات الأثرية المذهلة من ناحية ، والبنية التحتية والمرافق المتطورة الحديثة الأكثر نظافةً وجمالاً مع الطرق الأنيقة البهية والأجواء الهادئة دون مشاهد فوضوية في وسط المدينة من ناحية أخرى ، ركبنا دراجاتنا الهوائية عبر كل زاوية من زوايا وسط المدينة ، وشاهدنا هذه المدينة الجميلة ، وبتعبير أصح شعرنا بها ، شعرنا بالسلام والهدوء والتطبيق الجيد للنظام والقانون ، والحس المدني الرائع النموذجي الملموس والوعي الثقافي الممتاز من اعتناء السواد بالقوانين العامة ومراعاة الواجبات والحقوق الاجتماعية المتبادلة بين عامة الناس بشكل أفضل وأحسن من معظم المدن الأخرى التي زرناها في رحلتنا هذه للمملكة ، ولم يخطر ببالنا ولو للحظة شعور بالفزع أو القلق أو حتى بعدم الارتياح فيما بين الطريق ، تجولنا على الدراجة لأكثر من ساعتين ، وشعرنا أن التجول في شوارع المدينة المصممة المصقولة على الدراجة الهوائية متعة ليس كمثلها متعة ، لاسيما إذا كانت المسارات المخصصة متوفرةً والطرقات الجميلة مهيئةً لركوب الدراجات ، وبينما كنا في طريق العودة إلى محل تأجير الدراجات لإعادة دراجاتهم ، خطرت في أذهاننا فكرة مفاجئة ، وهي ترتيبات العودة إلى المملكة العربية السعودية ، فحاولنا العثور على شركة نقل بالباصات ، ووجدنا موقعها بسهولة على خريطة غوغل ، فهرعنا إليها مخافة إغلاق الشركة لتأخر الوقت ، ووصلنا بمنة الله على هامش الأوان الأخير ، ولكن عندما استعلمنا عن جدول الحافلات التي تغادر إلى السعودية ، أحاطنا أحد موظفيها علماً بأن الحافلات الموجهة إلى المملكة السعودية غير متاحة للغد ، فعدنا خالي الوفاض وأعدنا الدراجات إلى المتجر ، وصلينا في مسجد جميل يقع بقربه ، وانصرفنا إلى الفندق للاسترخاء والتهدئة بعد أنشطتنا المتواصلة المرهقة المنهكة ، فأسلمنا أجسادنا المجهودة المكدودة إلى الأسرة الناعمة الدافئة ، ونمنا على اسم الله وشكره الذي ملأ الجفون حتى ذهب عنا التعب والعناء وكنا مستعدين لليوم التالي ، منتعشين لاستكشاف ما تيسر لنا من أماكن تاريخية وأنشطة يمكننا ممارستها في ساعاتنا الأخيرة في المملكة .

نقطة التقاء الدول الأربع :

عبر نسيم الصباح البارد كنا نتجه للمرة الأخيرة نحو الشاطئ الذي تتنهد وراءه أرض فلسطين المحتلة المضطهدة تأوهاً وأنيناً ، انتهينا إلى الشاطئ قبيل الساعة التاسعة صباحاً وجلسنا على الرمال البيضاء مولين شطر الأرض المحتلة المتوهجة المشرفة تلالها وهضباتها بين أعيننا على مسافة ميل أو ميلين من ذراع البحر الأحمر الشمالي المسمى بخليج العقبة ، حيث تلتقي أربع دول عربية كبيرة نتمكن من الإطلال على كل منها من ميناء العقبة الأردنية ، فبينما كنا في الأردن على الساحل الغربي من خليج العقبة نشاهد بأم أعيننا فلسطين المحتلة المظلومة المنكوبة التي كانت بين أيدينا على الساحل الشرقي من الخليج ، وإلى يسارها مباشرة تلوح سلسلة جبال سيناء الواقعة في جمهورية مصر العربية ، وعلى مسافة بضع كلومترات في جانبنا الشرقي من هذا الخليج تبدأ سلسلة شواطئ الجزيرة العربية التي تمتلك الساحل الشرقي الأطول من الخليج وتسيطر على جزيرتي ” تيران ” و ” صنافير ” المهمتين الاستراتيجيتين عند مدخله .

* نجل الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي .