سيرة الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي لا تُنسى أبداً
مايو 24, 2026الدكتور نذير أحمد الندوي ( 1965 – 2025م )
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
ورحل مثال الجد والوقار
بقلم : د . محمد أكرم الندوي *
نُعي إلينا اليوم ، يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الآخر سنة 1447هـ ، أستاذ جليل من أساتذة دار العلوم ندوة العلماء ، هو الشيخ نذير أحمد الندوي ، رحمه الله رحمةً واسعةً ، غيّبه الموت في سكونٍ يشبه سكون حياته ، بعد عمرٍ مبارك أمضاه في خدمة العلم والدين واللغة ، وبذله في سبيل التربية الصالحة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
كان فقيدنا من أولئك العلماء الذين يمرّون في الحياة فيتركـون فيها أثراً لا يزول ، وإن لم يرفعوا أصواتهم أو يطلبوا لأنفسهم شهرةً أو صيتاً ، عرفتُه منذ أيام طلبه في دار العلوم ، فكان مثال الجدّ والوقار ، لا يُسمع له لغو ، ولا يُرى منه إلا الحياء والسكينة ، وكان وهو شابّ بين أقرانه كالنخلة بين الشجيرات ، سامقاً بطبعه ، ثابتاً في أرضه ، مثمراً في عطائه ، ولمّا قدّرت لي الأقدار أن أكون أستاذاً في دار العلوم ندوة العلماء ، ازدادت صلتي به قرباً ومودةً ، فكنت أرى فيه صفاء القلب ، وصدق النيّة ، وحبّ العلم لوجه الله وحده . ثم تفرّق بنا الزمان ، وانتقلتُ إلى بريطانيا ، غير أنّ خيوط المودّة بيننا لم تنقطع ، بل ظلّت تمتدّ على البعد ، حتى زارني في أوكسفورد قبل خمسٍ وعشرين سنة تقريباً ، فسرّني أن أراه كما عهدته : وقوراً هادئاً ، لا يغيّره الزمن إلا بمزيدٍ من النور والسكينة .
كان الشيخ نذير أحمد الندوي من طينة العلماء الذين يعملون في صمت ، ويتركون للأيام أن تتحدث عنهم . لم يكن كثير الكلام ، ولكنه إن تكلّم أصغى إليه الناس ، لأن في حديثه حكمة الهدوء ، وصدق الإيمان ، ورزانة العارف بما يقول ، عاش في ظلال ندوة العلماء ، يدرّس ويعلّم ، ويغرس في نفوس تلامذته حبّ العلم والخلق معاً ، وكان رحمه الله ، يرى التعليم رسالةً لا مهنةً ، وعبادةً لا وظيفةً ، فكان طلابه يرونه أباً ومربّياً قبل أن يروه أستاذاً .
أعطاه الله سعة علمٍ في اللغة العربية وآدابها وعمق فهمٍ ، وجعل فيه ذوقاً رفيعاً ، ولطفاً في الطبع ، وقدرةً نادرةً على الترجمة بين العربية والأردية والإنجليزية ، كأنّ بين هذه اللغات في ذهنه صلة رحمٍ لا تنقطع ، كان يقرأ النصّ في لغته الأولى ، ثم ينقله إلى الأخرى فيُحسّ السامع أنه يقرأ الأصل لا الترجمة . حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة لكناؤ ، غير أن التواضع في نفسه كان أكبر من كل شهادة ، والصدق في عمله أعظم من كل تقدير .
حدّثني زميله الشيخ آفتاب عالم الندوي الدهنبادي عبر الهاتف أنه لقيه قبيل وفاته بأسابيعٍ قليلة ، في ندوةٍ فقهيةٍ أواخر شهر نوفمبر 2024م ، قال له مداعباً : ” يا نذير ! لقد أصبحت في جسمك نصف ما كنت ! ” ، فابتسم ابتسامةً وادعةً ، فيها رضا المؤمن وصبر العارف ، ولم يقل شيئاً ، كأنّما كان يعلم أن لقاءه بالدنيا قد قَرُب ، وأنه يمضي إلى لقاءٍ أكرم وأبقى .
كان قليل الكلام ، كثير الحياء ، رقيق اللسان ، لا يعرف الخصومة ولا الغضب ، يأنس بالكتاب كما يأنس الناس بالأنيس ، ويجد في العزلة ما لا يجده غيره في الجمع . وإن سافر أو ارتحل ، وظلّ حيثما حلّ على حاله : في تواضعه ولينه وسموّ أدبه ، يترك في القلوب أثراً من الطهر والسكينة لا يُنسى .
وحين نُعي إلى الناس خبر وفاته ، خيّم الحزن على دار العلوم ندوة العلماء ، وسرى الأسى في قلوب الأساتذة والطلاب والخريجين ، كأنّ العلم نفسه قد حزن لفقد أحد خدامه الأوفياء . لقد كان صامتاً في حياته ، ناطقاً بعد موته بسيرته ، مهيباً بلا جاهٍ ، عظيماً بلا ضوضاء . إن رحيله ثلمة في بنيان العلماء ، وغيابه فراغٌ لا يسدّه إلا من يحمل علمه وخلقه في آنٍ واحد .
اللهم ارحم عبدك نذير أحمد الندوي ، واجعل علمه النافع وطلابه الصالحين صدقةً جاريةً له ، وأنِر قبره كما أنار بعلمه عقول طلابه ، وارفَع درجته في عليّين ، وأكرمه بجنّات الفردوس الأعلى .
* أوكسفورد .

