الدكتور نذير أحمد الندوي ( 1965 – 2025م )

ورحل مثال الجد والوقار
مايو 24, 2026
قراءة سريعة في أطروحة الدكتوراه للأستاذ د . نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026
ورحل مثال الجد والوقار
مايو 24, 2026
قراءة سريعة في أطروحة الدكتوراه للأستاذ د . نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026

أيقونة العلم والأدب فقدناها :

الدكتور نذير أحمد الندوي

( 1965 – 2025م )

الأستاذ فيصل أحمد الندوي *

للناس صنفان : صنف يسعى ويجتهد ، ويتقدم إلى الأمام بجد فيجد ، فيتحلى بالمكارم والفضائل ، ويتزين بجميل الشيم والخصائل ، ويفيد الناس بما عنده من علوم ، وما لديه من تجارب ، ويشملهم بعطفه وحنانه ، ويتودد إليهم ، ولا يتعالى عليهم رغم كفاءاته ، فيحظى عندهم ويكسب ودهم .

وصنف يحتال لنفسه ويحاول ، ويرى غيره عرقلةً في سبيله ، فيعاديه ويكيد له كيداً ، حتى يتمهد له السبيل ويصفو له المجال ، فلا ينال من العلم إلا قليلاً ، ويتشبع بما ليس له ، ويتقرب إلى المسؤولين الإداريين ، ويمشي إليهم بالنميمة ، ويترفع على الآخرين ، فلا يكرمونه إلا مخافة شره .

وكل من يعرف الشيخ الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي يشهد أنه كان من الصنف الأول ، وكان بعيداً كل البعد عن الصنف الثاني .

كان الشيخ نذير دمث الخليقة ، حلو الطبيعة ، كريم السجية ، حسن الطوية . له باع طويل في اللغة العربية ، زيادة إلى معرفته بعدد من اللغات ، منها : الفارسية والهندية والإنجليزية ، وإلمام باللغة السنسكريتية أيضاً . أما العربية فيتذوقها تذوقاً ، ويعرف فروقها ، ويحسن استخدامها ، ويجيد تعليمها . وكنت أود أن يتلمذ أبنائي في الأدب العربي عليه ، فلم يقدر لهم ذلك إلا يوماً أو يومين .

كان كريم النفس جداً ، قد أوذي من بعضهم إيذاء ، أورثه المرض الدائم وأوهاه ، يبدو حزيناً كئيباً ، فلم ينتقم منه ولم يسئ إليه .

جل عنايته بالتدريس ، ولا يغيب عنه مع مرضه الذي يكابده ، ومما يبعث على الحيرة أنه كان مرةً أدخل المستشفى فاستأذن الطبيب أن يحضر الجامعة من كذا إلى كذا ، لكي يباشر التدريس ، فاستغرب الطبيب من شده ولعه بالتدريس وأذن له .

ولم يقبل على التأليف إلا قليلاً ، من مؤلفاته كتابه الذي جمع فيه شعر أستاذه عبد الغفار النجرامي الندوي في كتاب ونشره باسم         ” صدائي دل ” مع مقدمته الطويلة ، ذكر فيها ترجمة مشبعة للناظم ، ومنها أنه قام بنقل الرسالة الوجيزة الجامعة في السيرة النبوية للعلامة السيد سليمان الندوي إلى العربية ، وهي تحت الطبع ( وأصل هذه الرسالة مقال منشور في مجلة الندوة الصادرة من ندوة العلماء ، وطبع المقال في رسالة مستقلة في الهند وباكستان بعنوان ” رسول أكرم صلى الله عليه وسلم ” ) ، ومنها أنه ترجم إلى الأردية القصيدة الرائعة في وصف ندوة العلماء للشيخ العلامة الفاضل الطبيب عبد الحميد بن أحمد الله الجعفري العظيم آبادي المتلقب بـ ” بريشان ” في الشعر الأردي والفارسي ( المتوفى 1323هـ/1905م ) ، التي نظمها بمناسبة الحفل السنوي السابع لندوة العلماء ، المنعقد في عظيم آباد بتنه في سنة 1900م ، والتي طبعت مفردة في ذلك الحين ، وأعاد طبعها أخونا السيد مصباح أحسن الندوي في 2023م ، وكذلك له مقالات علمية وأدبية باللغتين العربية والأردية منشورة في الرائد والمجلات الأخرى ، وأفضل أعماله العلمية بحثه للدكتوراه الذي قدمه إلى جامعة لكناؤ سنة 1422هـ/2001م عنوانه ” أدب الفتن والملاحم في الحديث النبوي الشريف ” . أذكر هنا نموذجاً واحداً فقط من هذا المبحث الممتع روماً للاختصار .

ذكر الشيخ قطعةً من حديث النواس بن سمعان الطويل يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : . . . . . ويمر بالخَرِبة ، فيقول لها : أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً ، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك ، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم . . . . إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ .

يمر المسيح الدجال في الخربة الزاخرة بالكنوز ، فيقول لها : أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، فيفعل هذا ليفتتن الناس به .

وفي هذا النص صورة تعتمد على الوصف الذي يحكي لنا أمراً سيحدث ، وفي هذا الوصف تشبيه الكنوز التي تتبع الدجال بيعاسيب في سرعتها ولحوقها بمن تريد قرصه ، وفي اختيار هذا التشبيه روعة تتصل بالمعنى أوثق اتصال وتحقق التناسق الفني .

فظلال لحوق يعاسيب النخل تبعث في النفس المخاوف والحذر ، وتوقع الشر . وصورة وصفية أخرى وهي : يدعو الدجال رجلاً ممتلئاً شباباً ، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض . . . . ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك ، هذا أمر غيبي سيحصل من المسيح الدجال ليفتن الناس يوهمهم أنه يميت ويحيى . . . . . إنها لفتنة .

في قوله : ” ممتلئاً شباباً ” صورة تعرض الشباب كأنه شيئ مادي يلمس ويملأ الرجل ، وفي قوله : ” رمية الغرض ” تشبيه للرجل بأنه كالغرض المقصود بالرمي . وفي الحديث : ” فبينما هو كذلك إذ بعث الله عيسى ابن مريم ، إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ” . وفي هذا الكلام صورة مركبة بالماء الذي يتحدر منه جمان يشبه اللؤلؤ ، فالصورة الأولى ( تحدر منه جمان ) وهي استعارة كما يقول علماء البلاغة ، والصورة الثانية ( جمان كاللؤلؤ ) وهي تشبيه بين . ( أدب الفتن والملاحم في الحديث النبوي الشريف ، ص : 107 – 108 ، من النسخة الخطية للمؤلف ) .

رحم الله الشيخ نذير أحمد الندوي ، كنا نظنه من الصالحين ، ولا نزكي على الله أحداً ، وكنا نتمنى صحته وطول حياته ، لما يحمل من مؤهلات ومكرمات . رضينا بقضاء الله ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .

* أستاذ كلية الشريعة وأصول الدين بدارالعلوم لندوة العلماء ، لكناؤ .