سيرة الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي لا تُنسى أبداً

أخانا الراحل الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026
ورحل مثال الجد والوقار
مايو 24, 2026
أخانا الراحل الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026
ورحل مثال الجد والوقار
مايو 24, 2026

أيقونة العلم والأدب فقدناها :

سيرة الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي لا تُنسى أبداً

بقلم : الشيخ محمد فضل الرحيم المجددي *

إننا نتذكر الآن رجلاً من رجال العلم والفضل ، وعَلَماً من أعلام ندوة العلماء ، الذين تركوا فينا أثراً لا يُنسى : هو الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله تعالى .

نستذكره لا لنرثيه فحسب ، بل لنجدِّد العهد مع القيم التي جسّدها في حياته : الإخلاص ، الزهد ، الصبر ، والصدق في خدمة الدين والعلم .

عرفته من قريب ، وكان آخر لقاء لي به قبل وفاته بأيامٍ قليلة ، حين حضرتُ ندوةً فقهيةً في ندوة العلماء . ‏لقيته في جامع دار العلوم بندوة العلماء ، فاستقبلني بنفس الوجه المضيئ والابتسامة الهادئة التي لم تفارقه قط . جلستُ معه فرأيتُ فيه صفاء القلب وطمأنينة العالم الذي عرف ربَّه .

تحدث معي بلطفه المعهود ، ثم قال لي كعادته ” ادعُ لي “”. ولم يكن طلبه هذا نابعاً من ضعفٍ أو يأس ، بل من شعورٍ عميقٍ بالعبودية والافتقار إلى الله . كان يطلب الدعاء ليُمدَّه الله بالعافية ليواصل خدمته للعلم والدين .

ما سمعته يوماً يشتكي ، بل رأيت في عينيه رضا المؤمن وصبر العارفين ، كأنه يقول بلسان الحال : ” اللهم اجعل مرضي قرباً منك لا بعداً عنك ” .

وكان يزورني من حينٍ لآخر ، فأجد فيه روحاً علميةً نادرةً ، ووقاراً مهيباً ، وهيبةً ممزوجةً بالمودة . لم يكن يتكلّف في حديثه ولا في جلسته ، بل كان بسيطاً قريباً من القلب ، يذكّرك بأهل الإخلاص الذين لا يبتغون من الناس جزاءً ولا شكوراً . كنتُ أخرج من عنده وأنا أزداد حبّاً له وتقديراً ، وأشعر أني جلستُ مع رجلٍ من رجال الآخرة يعيش في الدنيا بقلبٍ مطمئنّ .

كان رحمه الله عالِماً ربّانيّاً جمع بين أربع لغاتٍ : العربية والفارسية والأردية والإنجليزية ، ومع ذلك ما عرف الكبرُ إلى قلبه سبيلاً ، ولا أعجب بنفسه يوماً .

كان يعلّم بصدقٍ ، ويبحث بإخلاصٍ ، ويكتب بقلبٍ موصولٍ بالله . ولم أسمعه قطّ يغتاب أحداً أو يتكلم في عرض إنسان ، بل كان ينصح بلطفٍ ، ويدعو بالخير ، ولم يكن التدريس عنده وظيفةً أو رزقاً ، بل عبادةٌ ومسؤوليةٌ وأمانة . كان يرى نفسه مؤتمناً على عقول الناشئين وقلوبهم . وكم من مرةٍ ردَّ ما أُعطي له من مكافآتٍ لأنه شعر أنه لم يؤدِّ حق العلم كما ينبغي ! هكذا كان ورعه ، وهكذا كان حياؤه من الله .

وكان رحمه الله محبّاً للعلماء جميعاً ، مكرماً لزملائه ، عطوفاً على تلامذته . لم يكن يفرّق بين أحدٍ منهم ، بل يرى فيهم أبناءه وإخوانه .

وكان يقول عن ندوة العلماء : ” هذه ليست مدرسةً فقط ، بل بيئةٌ تربّي الأرواح قبل العقول ” . ولهذا بقيت سيرته امتداداً لروح الندوة الأصيلة : بساطةٌ ، علمٌ ، وخلقٌ .

ومن الأمور التي تميّزه أيضاً ارتباطه العميق بـ جامعة الهداية ، فمع أنه لم يكن فيها مدرساً أو أستاذاً رسميّاً ، إلا أنه كان يحملها في قلبه ، ويذكرها دائماً في دعائه ، ويسأل عن أحوالها ويُعينها في ما يستطيع . كان يرى فيها امتداداً لروح الندوة ومشروعها العلمي ، ويسرّه أن يرى أبناءها يواصلون خدمة العلم والدين .

وكان كلما ذُكرت الجامعة أو ذُكر طلابها ، دعا لهم بخيرٍ وقال : ” بارك الله في جهودهم ، وأثمر غرسهم ” . فمحبته لها كانت صادقةً ، ودعاؤه لأهلها لم ينقطع ما دام حيّاً .

وقد شاء الله أن يبتليه ببعض الأمراض في أواخر عمره ، لكنه قابلها بوجهٍ راضٍ وقلبٍ مطمئنّ . ما شكا ولا تأفّف ، كان يرى البلاء طريقاً إلى القرب ، لا حاجزاً عن الرضا .

قال الله تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ، وها هو الشيخ نذير أحمد الندوي نال حظَّه من هذا الوعد الكريم .

وإن مما يفرّح القلب أن أثره المبارك ما زال حيّاً في الأجيال الجديدة من أهل العلم .

فابني الأستاذ حبيب الرحيم الندوي ، وزوج ابنتي الأستاذ حذيفة الندوي – وكلاهما من طلاب العلم المخلصين – قد تعلّما واستفادا كثيراً من الشيخ رحمه الله ، وتأثّرا بأدبه وتواضعه ومنهجه في العلم .

العلماء لا يرحلون ، لأن آثارهم باقية ، ودروسهم تتردّد في كلمات طلابهم ، ودعواتهم تُرفع في سكون الليل من أفواه من أحبوهم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقةٍ جاريةٍ ، أو علمٍ يُنتفع به ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ” .

وقد جمع الشيخ نذير أحمد الندوي الثلاث جميعاً : علمه النافع ، وطلابه الصالحون ، وأسرته المباركة .

رحمه الله ، كان مدرسةً في الصبر ، ومثالاً في الزهد ، ومجسّداً للقول النبوي : ” خير الناس أنفعهم للناس ” .

علّم بلسانه ، وربّى بخلقه ، ودعا بسيرته ، فصار من الذين يُذكَرون بالخير كلما ذُكر العلم والوفاء .

اللهم يا واسع الرحمة ، يا رب العلماء والأولياء ، نسألك أن تغفر لعبدك الشيخ نذير أحمد ، وأن تكرمه بما وعدت عبادك الصالحين .

اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة ، ونوّر له فيه ، واملأه سكينةً ورحمةً ورضواناً .

اللهم اجزه عن الأمة خير الجزاء ، وعن طلابه وأهله ومحبّيه أحسن الجزاء .

اللهم اجعل علمه صدقةً جاريةً ، وطلابه وأهله من بعده حملةً لرسالته .

اللهم أنزل على قلوب ذويه ومحبيه الصبر الجميل والرضا بقضائك ، واجعلنا جميعاً من الذين يقتدون بالعلماء العاملين ، ويسيرون على آثارهم إلى دار الخلود .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

* رئيس جامعة الهداية ، جي فور ، والأمين العام لهيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند .