حفلات التعازي على وفاة الأستاذ نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026علماء وأدباء عرفتهم :
فارس مغوار لحق بدار القرار
محمد فرمان الندوي
الموت ، وما أدراك ما الموت ؟ الموت لا مناص منه ، ولا محيد عنه ، فكل نفس ذائقة الموت ، ولكل جنب مصرع ، والموت خير واعظ وخير ناصح ، فالشقي من نسي الموت ، والسعيد من تذكر الموت وجعله نصب عينيه .
وهناك صنفان من الناس . صنف ينهمك في الدنيا ، وفي ملذاتها وفي شهواتها ، ولا يفكر إلا في مصالحها ، ومنافعها ، وهذا الصنف إذا جاء ذكر الموت فإنه ينكمش وجهه ، ويقشعر جلده ، وهذا الصنف يقول الله عز وجل عنه : ( أَينَمَا تَكُونُوا يُدرِككُمُ الموتَ ، وَلَو كُنتُم في بُرُوجٍ مُشَيَّدة ) [ النساء : 78 ] ، وهناك صنف آخر ، وهو يعتقد أن الموت آت آت ، وكل ما هو آت قريب ، وكل امرئ مصبح في أهله ، والموت أدنى من شراك نعله ، فالموت باب كل الناس داخله ، والموت حوض كل الناس وارده ، والموت كأس كل الناس شاربها ، الأنبياء هم الذين ذاقوا مرارة الموت ، سيدنا نوح عليه السلام كان أطول الناس عمراً ، ورد عنه في الكتب الدينية أنه جاء إليه ملك الموت ، فقال : كيف وجدت الدنيا ؟ قال : وجدت الدنيا كدار لها بابان ، دخلت من أحدهما ، وخرجت من الآخر ، فالموت لا يترك صغيراً ، ولا كبيراً ، ولا شيخاً ولا ولياً ، ولا ملكاً ولا رسولاً ، ولا غنياً ولا فقيراً ، حتى رسولنا العظيم انتقل إلى رحمة الله تعالى ، ولنا فيه أسوة حسنة ، وقد أحسن الشاعر العربي أبو العتاهية حينما قال :
اصــبر لـكل مصيبة ، وتجلد واعـــلــم بــأن الـمرء غير مخلد
فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
سمَّى الناس فارساً ومجاهداً من ضحى بنفسه وماله في سبيل الله ، واستمات وتفانى في ابتغاء مرضاة الله ، ولم يراع في ذلك إلاً ولا ذمةً ، وكان هدفه الأصيل ، وغايته النبيلة إعلاء كلمة الله ورفع رايته ، ونشر روح الجهاد في أرجاء المعمورة ، ولا شك في ذلك ، لكن الفارس الأصيل ، والمجاهد الحقيقي هو الذي يجاهد نفسه ، ويقهر شهواته ، ويكبح جماحه ، ويضع على نزعاته الشريرة حداً ، ويهجر المعاصي والمنكرات ، ويتوب إلى الله تعالى ، ولا يتغافل عن مسئولياته نحو الله والخلق ، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي نطق به لسان النبوة قائلاً : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ( رواه البيهقي ) .
كان الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي مجاهداً بطلاً في سبيل العلم والدين ، عاش طول حياته لابتغاء وجه الله ، لم تؤثر فيه رغبات الدنيا وملذاتها ، ولا تصرف عن مهمته عوائق الزمان وطوارق الحدثان ، وظل ثابتاً على درب الإيمان والأخلاق ، يدافع عنه الشرور والفتن ، ويواجه الشدائد والمحن ، وقد أصيب بمصائب نفسية ، وبلايا داخلية ، وكان منكسر القلب ، و مهزوم الفؤاد . لكنه لم يشك إلى أحد ، وبث حزنه وكمده إلى الله ، متبعاً سنة نبي الله يعقوب عليه السلام : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فتقبل الله عمله هذا ورزقه قبولاً عاماً على رؤوس الخلايق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا أحب نادى جبرئيل فقال : إني أحب فلاناً فأحبه . فيحبه جبريل ، ثم ينادى في السماء ، فيقول : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، قال : ثم يوضع له القبول في الأرض ( عن أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم ) . ومعلوم لدى الجميع أن نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم مرةً قال : مستريح ومستراح منه ، فهاتان الكلمتان تشيران إلى أن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى ، وأن العبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد ، والشجر والدواب ، فلا شك أن الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوى عاش حياةً مرضيةً طيبةً محبوبةً عند الله وعند الناس . وكانت أخلاقه و شمائله ومكارمه محمودةً طيبةً بحيث يمدحه الناس بعد وفاته بالنسبة إليها ، وكان مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، هكذا حصل له القبول العام والشعبية الكاملة في الخاصة والعامة ، يقول ابن دريد :
إنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى
تربى الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوى على أعلام الفكر الإسلامي ، وجهابذة العلماء الفطاحل ، إنه زار الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي عن كثب ، واستفاد من الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي والشيخ محمد واضح الحسني الندوي والشيخ سعيد الأعظمي الندوي وغيرهم من أساتذة دار العلوم لندوة العلماء ، فهؤلاء هم أقطاب اللغة العربية والفكر الإسلامي في الهند . فحاكى أسلوبهم ، ونسج على منوالهم ، حتى أصبح صورةً صادقةً لعلومهم وأفكارهم ، فكان طول حياته ينشر الفكر الإسلامي . واللغة العربية ، فكانت اللغة العربية هوايته وهويته ، وشعاره ودثاره ، وعنوان حياته ، وغاية مهمته ، فلا يعيش إلا للعربية ، ولا يدرس إلا العربية ، ولا يكتب إلا في العربية ، وقد عمل في مجال اللغة العربية لأنها لغة القرآن ولغة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولغة أهل الجنة ، وقد وفقه الله للعمل إلى مدة في صحيفة الرائد النصف الشهرية كمترجم قدير ومصحح ومدقق لغوي ، وكاتب للمقالات والدراسات ، كما قام في دار العلوم لندوة العلماء بتدريس جميع الكتب اللغوية ، والأدبية أمثال القراءة الراشدة ، وقصص النبيين ، ومختارات من أدب العرب في مجلدين ، وكتب القواعد النحوية والصرفية أمثال قطر الندى وشذور الذهب لابن هشام ، كما كان يدرس قبل وفاته الأدب العربي بين عرض ونقد ، وديوان الحماسة ، ومقالات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري ، وفقه اللغة وغيرهما من الكتب ، وكانت دروسه نافعةً مفيدةً مجديةً للطلاب ، استفادوا منه حق الاستفادة .
أما آثاره العلمية فهي ليست بكثيرة ، لكن كل ما يوجد لا يقال : إنه قليل ، إن أطروحته للدكتوراه حول ” أحاديث الفتن والملاحم من الناحية الأدبية وقيمتها الفنية ” بحث قيم ، أشرف عليه الدكتور شبير أحمد الندوي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة لكناؤ ، كما استفاد الأستاذ نذير أحمد الندوي خلال كتابة هذا البحث من أديب العربية الشيخ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي والأستاذ الفاضل محمد يعقوب الندوي ( كبير أساتذة كلية اللغة العربية بجامعة ندوة العلماء ) ، وقد وزع البحث في أربعة أبواب : الباب الأول : الأدب بين اللغة والاصطلاح ، والباب الثاني : الأدب العربي في العصر النبوى : الباب الثالث : أثر الحديث النبوي في اللغة والأدب ، الباب الرابع : النماذج التطبيقية من أحاديث الفتن والملاحم ، وهو بحث قيم ، يغطي أكثر من ثلاث مائة وخمسين صفحة ، وهو في حاجة إلى الطباعة من دور الطباعة العربية ، والجانب البارز في حياة الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوى أنه صنف الرجال ، وربى الأجيال ، واشتغل به طول حياته صباح مساء ليل نهار ، فإنه ترك وراءه آلافاً من الطلاب والتلامذة والمحبين والمستفيدين الذين لا يزالون يذكرونه بلسان شاكر ، وقلب ذاكر .
تغمده الله بواسع رحمته ، ورحمه رحمةً واسعةً ، وأمطر عليه شآبيب رضوانه وكرمه .

