مجلة البعث الإسلامي كما يراها مؤسسها *

السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026

من أرشيف المجلة :

مجلة البعث الإسلامي كما يراها مؤسسها *

الشيخ السيد محمد الحسني رحمه الله

الحمد لله الذي كفى ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ! الشباب الإسلامي في العصر الحاضر يحتاج إلى الإيمان بالله ، والاعتزاز برسالته ، والثقة بالمستقبل ، الشباب الإسلامي في حاجة ملحة إلى تقريب الصفوف وتوحيد الكلمة حتى يكون وحدةً متماسكةً أمام الباطل ، الشباب الإسلامي في حاجة إلى غذاء دسم يجمع بين علم ودين وأدب ، ويمكن دينه وإيمانه هو أغلى شيئ له في الوجود ، وأثمن من كل شيئ في العالم ، طلبة العربية بصفة خاصة يحتاجون إلى العناية بالصحافة العربية والأدب العربي الحديث ، الناشئة الحديثة في الهند تحتاج إلى توجيهات رشيدة تغذيها في علمها وأدبها وثقافتها ودينها ، هذه هي حاجة الناشئة الحديثة وحاجة أبناء المدارس الدينية وحاجة الشباب الإسلامي الكبرى في حين يحتاج فيه الإسلام إلى ألف قلم وألف لسان ، نرى الشباب الإسلامي نائماً مستغرقاً في النوم ، وطلبة المدارس الدينية الذين كان يجب أن يأخذوا بالزمام ويقودوا القافلة هم في مؤخر الصفوف ، فلتنته هذه المأساة ولنبدأ بحياتنا الجديدة في سبيل جديد .

هذا هو الذي بعثنا على أن نقدم هذه المجلة إلى الشبان المسلمين في الهند ، إنها ليست مجلةً كبعض المجلات الأدبية في القاهرة وبيروت ، تلعب وتلهو بالأدب ، وتعبث بالخزف والحصى وتسبح بحمد أعلام الغرب وتقدس لهم ، ولا تحسن صناعةً غير صناعة المدح والإطراء والتزلف إلى الملوك والأمراء ، إنها مجلة ذات دعوة وذات عقيدة ، وذات مبدأ وذات رسالة .

نريد من الشباب الإسلامي أولاً أن لا ينسى هذه اللغة الكريمة ، لغة القرآن والحديث ومفتاح كنوز الكتاب والسنة ، ولا يحسبها لغةً ذهبت مع الريح ، إنها اليوم لغة تهذبت ورقت حواشيها ، وقطعت شوطاً هائلاً من النهضة والازدهار ، إنها اليوم لغة الصحافة والأدب ، ولغة القصة والرواية ، ولغة العلم والفلسفة ، ولغة السياسة والبرلمان ، إنها اليوم لغة تسعى على قدميها ، وعار على الشباب الإسلامي أن يتخلف عن القافلة ويعرض عن الجديد النافع ، والعقل يقضي بالأخذ بما ينفع والحكمة ضالة المؤمن .

نريد من الشباب الإسلامي أن يضع جانباً هذا النزاع والتنافر الذي ألفه من قديم ، ويخرق تلك الأستار الكثيفة التي حالت بين مسلم ومسلم ، وأخ وأخ ، ويربط نفسه برباط مقدس وثيق ، ويقف صفاً واحداً في وجه الطغيان والإلحاد .

نريد من طلبة المدارس العربية أن يعرفوا قيمة أنفسهم ويعتزوا بدينهم وكرامتهم ، ويؤدوا واجبهم نحو هذا المجتمع الذي يعيشون فيه ، هذا الواجب واجب ثقيل ، والطريق محفوف بالأشواك ، والمرمى بعيد ، ولكن لابد لهم من هذا الطريق ولابد لهم أن يقتحموا هذه العقبة ويذللوا صعابها ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرُكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) [ محمد : 7 ] .

نريد من الشباب الإسلامي المتواهن الكسول ، شباباً نشيطاً ، متحفزاً ثائراً متدفقاً بالسيل ، فائضاً بالحركة والحياة نريد جيلاً جديداً ، جديداً في إيمانه ، جديداً في فكرته ، جيلاً أبياً لا يلين لإغراء ، ولا يذوب أمام وهج المال وسمو الجاه نريد منكم شباباً ، أصحاب رسالة ، وحملة دعوة ، ودعاة فكرة ، وهذه رسالة ” البعث ” إلى طلبة اللغة العربية وإلى الشباب الإسلامي وإلى المسلمين .

وهنا ناحية ثانية لا تقل أهميةً من الأولى :

من سوء الحظ أن المسلمين في الهند قد آثروا العزلة ، وعاشوا منفصلين عن العالم العربي مع علاقاتهم الروحية والثقافة العميقة بهذه البلاد ، وحسبوا أنهم أمة غير هذه الأمة ، وشعب غير هذا الشعب ، ولهم تقاليد وروايات غير تقاليدهم ورواياتهم ولا يربطهم بهم إلا الدين ، وهكذا بقي الشعب الإسلامي في الهند منطوياً على نفسه لم تقر علاقته مع العرب ، وإن قويت علاقته مع الغرب ، مع أن وطننا الإسلامي الكبير ، وطن عقيدة وفكرة لا تحول بينها الجبال الشامخة والسهوب الواسعة والبحار الزاخرة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ” [1] ، وذلك لا يمكن إلا بعد تبادل الأفكار ، والاطلاع على التيارات الفكرية والأوضاع الدينية والسياسية في العالم العربي ، إنه يجب علينا أن تنشئ علاقاتنا الوطيدة مع البلاد العربية ، نهتم بشؤونها ، نتألم بألمها ، ونسر بسرورها ، والتطورات السياسية الأخيرة في الغرب والشرق قد كشفت الستار عن ضرورة هذه العلاقات ، والعلاقة الروحية قبل كل شيئ تطلب منا أن نعتبر أنفسنا أعضاء أسرة واحدة .

وستحاول مجلة ” البعث ” أن تكون نقطة اتصال وهمزة وصل بين الهند والبلاد العربية الشقيقة ، تحمل رسالة أبناء الهند إلى إخوانهم في الشرق العربي ، وتحمل تمنيات أبناء البلاد العربية وعواطفهم الطيبة نحو إخوانهم في الهند ، وتبحث عن الأوجاع المشتركة بين البلاد .

( والثالثة ) أنها تجمع شباب المدارس الدينية بالهند في سلك واحد ، إن في الهند قوةً هائلةً ، ولكنها كامنة تحت الرماد ، ويمكن أن تأتي بمعجزة إذا استغلت استغلالاً صحيحاً ووجهت توجيهاً راشداً ، هذه القوة هم طلبة المدارس الدينية في الهند المنتشرة في طول البلاد وعرضها ، وهم على علاتهم وضعفهم لو عرفوا الغاية ووجدوا القيادة وتمسكوا بالوحدة ، نفخوا روحاً جديدةً في المدارس ، وغيروا أخيراً وجه المجتمع .

نريد أن نخرج الطلبة من جدران المدرسة المحصورة إلى أفق أرحب وأوسع ليروا هذه الدنيا القذرة الجريحة التي يحكمها الظلم والظلام ، ويعرفوا مسئوليتهم نحو هذا المجتمع الحائر ، ورسالتهم إلى الإنسانية المعذبة ، وهذا المهم يطلب أمرين . ( الأول ) جمع القلوب الواعية والعقول المفكرة والمواهب الخفية للشباب ، وهي مطمورة كالبذور تحت التراب ، ومنتشرة في أماكن مختلفة من البلاد ، قد أغفلتها العيون وأهملها الباحثون .

( الثاني ) توجيه هذه القوة توجيهاً صحيحاً وإعدادها إعداداً كاملاً وتثقيفها ثقافةً واسعةً على أساس الإسلام وفي سبيل الإسلام .

هذه هي أهداف ” البعث الإسلامي ” في كلمة موجزة ، إنها أهداف سامية تطلب جهوداً ضخمةً ، وتطلب الثبات والتضحية ، وتطلب الصبر والإيثار ، إنها مهمة تنوء بالعصبة أولي القوة ، ولابد لكل طالب وشاب أن يعرف دوره في هذه المهمة ويساهم فيها بحماسة وإخلاص ، ويعمل في محيطه لبث هذه الفكرة بين الطلبة والشباب ، ونحن على يقين أن الجو ملائم والتربة صالحة ، ويمكن أن تأتي بحاصل كبير إذا تندت قليلاً ، فاسقها من زمزم وبما شئت من دمع ودم كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال .

* أكتوبر 1955م ، افتتاحية أول عدد لمجلة البعث الإسلامي بعنوان : أهدافنا .

[1] رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، ج 2 ، ص 466 ، وقال الألباني في الضعيفة : ضعيف جداً ، ولكن قال ابن عثيمن : هذا من الأحاديث المشهورة بين الناس ، ولفظه لا أعرفه هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يصح ، ولكن معناه صحيح .