من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثانية )

مجلة البعث الإسلامي كما يراها مؤسسها *
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026
مجلة البعث الإسلامي كما يراها مؤسسها *
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

من هم أهل السنة والجماعة

( الحلقة الثانية )

بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *

تعريب : محمد فرمان الندوي

جاء الإسلام لإنشاء أخوة عالمية في العالم كله ، بمحو الفوارق الجنسية والعرقية والعنصرية ، وأشرق نوره ، ونجح في غايته ، إنه وحد القبائل العربية المتفرقة التي كانت أعداءً ، أو كانت على الأقل متجاهلةً ، ونظمها في سلك واحد من الوحدة الإسلامية ، بإزالة التقسيم القبلي ، وأنشأ في المهاجرين والأنصار أخوةً ، امحت وزالت أمامها جميع الانتماءات النسبية .

لا يمكن رقي شعب وتطوره ما لم يجتمع أفراده على نقطة واحدة ، بحيث تكون هذه النقطة محور حياتهم ، ويسعى كل عضو من أعضاء هذا المجتمع لصيانة هذه النطقة وبقائها ، وكانت غاية حياته ، وغرضه الرئيسي ، بذلك يمكن أن تسمي هذه المجموعة شعباً ، وتعتبر نقطة الالتقاء هذه شمل القومية والرابطة الجامعة ، وقوة الوحدة ، فإذا انفصمت عُرى هذه القومية فكان ذلك سبباً لهلاك شعب ، ويتشتت جميع أعضائها ، بحيث يذهب بهم أقل لفحة من الريح إلى مكان سحيق .

إن كيان جميع البلدان الأوربية الراقية يرجع فضله إلى القومية ، فإن جميع جهود تطورات الهند لن تتحقق ما لم يكن هناك اجتماع شعوبها على نقطة التقاء من اللغة والوطن واللغة ، نظر الإسلام إلى جميع شعوب العالم ، إنه لا يريد توحيد دولة خاصة ، بل يريد أن يوحد العالم كله ، ليسود في الدنيا كلها الأمن والأمان والطمأنينة ، إن خسارات الحرب المعاصرة ( إشارة إلى الحرب العالمية الأولى ) نتائج هذا الخطأ الفاحش ، إن أساس وحدة أوربا هو الوطن والنسل ، يطلق استعمالها على بلاد عرقية محدودة ، وذات جغرافية ، فقد نشأت في أوربا مآت من الجماعات ، فلا يحارب الإنجليز الألمان ، بل تحارب بريطانيا ألمانيا .

اعتبر الإسلام الدين نقطة وحدة وتضامن ، بعد ما محا الفوارق العرقية والجغرافية التي لا تسعها الدنيا ، لينضم إلى هذه الوحدة كل بقعة من بقاع العالم ، وكل ذرية من الذريات العائشة على وجه الأرض ، وقد جهر الإسلام بهذا النداء قائلاً : ( إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [ الحجرات : 10 ] وقال صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد والحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ( صحيح البخاري ، كتاب الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم ، وصحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب : باب تراحم المؤمنين ) وقال صلى الله عليه وسلم : المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضاً       ( صحيح البخاري : كتاب الأدب ، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً ) وقال : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ( صحيح البخاري : كتاب المظالم ، باب لا يظلم المسلم المسلم ، ولا يسلمه ، وصحيح ، كتاب الله ، باب تحريم الظن ) وقال صلى الله عليه وسلم : كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ( صحيح مسلم : كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ) .

ومرةً خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم قائلاً : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، قالوا : يا رسول الله ! هذا نصره مظلوماً ، فكيف ننصره ظالماً ، قال : تأخذ فوق يديه ( صحيح البخاري عن أنس بن مالك ، 2444 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم عن الحياة الاجتماعية للأمة الإسلامية : إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ، ويد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ( سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر ، 2167 ) ، وقال : تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة : ثنتان وسبعون في النار ، ووحدة في الجنة ، وهي الجماعة ( رواه أبو داود ، 4597 ) ، والحاكم : 443 ، عن معاوية بن أبي سفيان ) ، وهناك أحاديث أخرى أيضاً في هذا الباب ، تشرح معنى أهل الجماعة بعد أهل السنة .

يشهد التاريخ الإسلامي أن معنى ” الجماعة ” في الإسلام قد تغير أولاً ، مقابل السنة ، ثم انقسم المسلمون سياسياً إلى فرق وطوائف : أي عثمانية وسبائية ، وقد نشأت هذه الفرق في آخر عهد الصحابة رضي الله عنهم ، وفي زمن عثمان رضي الله عنه ظهرت فرقتان نظراً إلى منهج عمله ، وشئونه الإدارية ، فكانت إحداهما مؤيدةً له ، وكانت أخراهما مخالفةً ومعاديةً له ، عرفت الأولى في التاريخ بالعثمانية ، والثانية بالسبائية ،         ( وكان ابن سبأ يهودياً ، ثم تظاهر بإسلامه ، وجمع مخالفي عثمان رضي الله عنه تحت لواء واحد ، فكانت العثمانية عرباً خلصاً ، لكن السبائية كانت مزيجاً من العرب والعجم الذين تختلف طبائعهم ، وخصائصهم الفطرية ، كان العرب قد جبلوا على استعمال السيوف ، لكن العجم قد تعودوا على التأويلات والتدقيقات ، فكان نتيجة ذلك أن هذه الفرقة قد انقسمت إلى فئتين : سمت إحداهما نفسها علويةً أو شيعةً ، كما عرفت الثانية بالخوارج ، ويسميها الناس بالحرورية عامةً ، ( الحرور موضع أعلنت فيه هذه الفرقة عن إنشاء فرقة مستقلة ) ، وكان هؤلاء عرباً ، فنشروا فكرتهم وفقاً لطبعائهم بالسيوف إلى قرنين وخمسين عاماً ، ولم يستسلموا لخلفاء زمانهم أبداً ، وكان في العلوية عدد العرب قليلاً ، لكن وجد فيهم عدد لا بأس به من العجم ، فكانوا يستندون إلى المؤامرات والدسائس ، وأما الذين كانوا عرباً فكانوا قائمين على وفائهم وإخلاصهم ، وكان بعض الأنصار علويين ، وكثير من المحدثين علويين ، لكن كانوا يعتبرون سيدنا علياً أفضل من عثمان رضي الله عنه .

ظلت الفرقة العثمانية مائة عام إلى عهد بني أمية ، وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم ، وكبار المحدثين ينتمون إلى هذه الفرقة ، وقد كان تصريح في كتب أسماء الرجال بأن هؤلاء كانوا عثمانيين أو علويين ، لكن لم يبق لهم عين ولا أثر بعد زوال بني أمية .

توزعت هذه الفرق جغرافياً بعد مدة ، فكانت العثمانية في الشام ، والعلوية والحرورية في العراق ، وأهل السنة في الحجاز ، وكان الفرق بين العلوية والعثمانية في البداية أن العثمانية كانوا يفضلون سيدنا عثمان على سيدنا على رضي الله عنه ، وكانت العلوية تعتبر سيدنا علياً أفضل من عثمان رضي الله عنه ، فكانتا متفقتين على أفضلية الشيخين : أبي بكر وعمر رضي الله عنه ، لكن العثمانية أصبحت رويداً رويداً ناصبيةً أي بدؤا يسبون سيدنا علياً رضي الله عنه علناً وجهراً ، فكان له رد فعل ، وبدأت العلوية تسب بني أمية ، حتى الخلفاء الأولين أيضاً ، ويتجلى من دراسة الحديث أن عمل العلوية بدأ بتأخير ، وقد ورد في كتب الصحاح الحديثية تصريح بالرد على ترَّهات بني أمية ، وزلات الخوارج بلسان الصحابة رضي الله عنهم ، لكن لم يقع بصري على أمثال ذلك نحو العلوية .

( للبحث صلة )

* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .