من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026مجلة البعث الإسلامي كما يراها مؤسسها *
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين
( الحلقة الثانية )
بقلم : الأستاذ المفتي عتيق أحمد البستوي *
تعريب : الأخ مبين أحمد الأعظمي الندوي §
إطلالة على فلسطين :
ظل تاريخ فلسطين حافلاً بالأحداث الجسام التي تحار فيها العقول ، وتضطرب النفوس ، وتثور الثورة ، وتتغير الأحوال ، وإن هذه البقعة من بقاع العالم يعتبرها كل واحدٍ من المسلمين واليهود والنصارى ذات قدسية ، وعظمة ، وبركة ، كما أن بيت المقدس كان قبلةً لكل واحدٍ منهم ، وكلهم يحبون هذه البقعة الأرضية ويعظمونها ، وبناءً على ذلك نشبت حروب كثيرة بينهم لاستيطان هذه الأرض وبسط نفوذهم عليها دون الآخرين ، أما المسلمون منهم فإن هذه الأرض ليست بأقل قدسية وعظمة لهم بالنسبة لليهود والنصارى ، لأن بيت المقدس أول قبلة لهم ، ومسرى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وللمسجد الأقصى أعظم مكانة عندهم بعد الحرمين الشريفين ، ومن العبادة أن يُقصد إليه ويُزار ، ومن الحقائق الواضحة أن المسلمين حينما كانت لهم حكومة وسلطة على هذه الأرض قاموا برعايتها وتعظيمها وتقديسها أكثر بكثير من اليهود والنصارى ، فكانت أرضَ أمن وسلام وعدل ومساواة في عهدهم ، يعيش أهاليها حياةً كريمةً آمنةً ، لهم حقوق مدنية مساوية ، من دون شططٍ ولا بخسِ حقٍ على أساس ديانة دون ديانة .
فتح بيت المقدس وعهد من عهود التاريخ :
رفرفت الراية الإسلامية على أرض القدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وطبقاً للرواية المشهورة وقعت هذه الواقعة البهيجة السارة في السنة الخامسة عشرة من الهجرة ، كما صرح بذلك ابن خلدون ، وابن جرير الطبري ، وابن كثير ، وجاء في روايةٍ أن ذلك وقع في السنة السادسة عشرة من الهجرة ، وذهب إليه العلامة شبلي النعماني في كتابه ” الفاروق ” نقلاً عن اليعقوبي . وإن هذه الواقعة من أهم الوقائع وأكثرها بهجةً وعظمةً ، لم تقع فيها الحرب ، ولا جرى القتال ، ولا زهقت روح ، ولا رعف أنف ، بل سار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – بنفسه لمصالحة أهل القدس على طلب منهم ، وكان آنذاك طراز وحده ، لم يكن معهم ممن يوصف حرساً خاصاً ، أو كتيبةً عسكريةً ، أو ولم يكن لديه موكب حاشد ، ولم يوسع له الطريق ، ولم تُرفع له هتافات ، وعليه قميص انخرق بعضه ، وهو راكبٌ جملاً أورق ضئيل الجسم ، قدَّم له المسلمون جواداً تركياً ، ولباساً فاخراً ، ليقع ذلك من نفس الروم أحسن موقعٍ ، ولكنه ردَّ ذلك قائلاً : ” لقد كنا قوماً أذلاء ، فأعزنا الله بالإسلام ، وكنا ضعافاً فقوانا الله ” .
ليس من قصدي أن أحكي قصة بيت المقدس ، وإنما أريد أن أوضح أن الصلح الذي عقد بين المسلمين والنصارى كان أحد شروطه أن أحداً من اليهود لا يسمح له بالإقامة في أرض القدس . وفيما يلي بيان بعض الشروط لهذا الصلح كما ذكرها الطبري :
” هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم ، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ; أنه لا تسكن كنائسهم ولا تُهدم ، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ، ولا من صليبهم ، ولا من شيئ من أموالهم ، ولا يُكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن إيلياء أحدٌ من اليهود ” [1] .
يقول الشيخ محمد نمر الخطيب في كتابه القيم ” حقيقة اليهود والمطامع الصهيونية ” :
” أخرج اليهود من فلسطين عامة ، ومن بيت المقدس خاصة ، بناءً على تلك المعاهدة التي عُقدت بين الخليفة العادل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وبين زعماء النصارى بقيادة البطريرك ” صفرونيوس ” سنة 623م . تلك المعاهدة التي اشترط فيها النصارى ألا يبقى في بيت المقدس يهودي ، وألا يسمح اليهود بالدخول إلى القدس أو العيش فيها ، ومنذ ثلاثة عشر قرناً إلى أواخر الخلافة العثمانية ، الخلفاءُ الراشدون ، وملوك المسلمين ، وأمراؤهم يتواصون على عدم تمكين إقامة اليهود في فلسطين ، تنفيذاً لعهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ويرون أن ذلك عهد قائم إلى يوم القيامة . وبكل تأكيد لقد كانت فلسطين خاليةً من اليهود تماماً ، إلا من جماعات يأتون إلى بيت المقدس من أجل العبادة والزيارة ، وأغلب هؤلاء من العجزة الفقراء ” [2] .
التعاليم اليهودية في أرض فلسطين :
وظل الحكام المسلمون ملتزمين بهذا العهد منذ عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ، ومن جهة أخرى كان اليهود يرون من الواجب عليهم بحسب عقائدهم التلمودية المزعومة أن يفتحوا بيت المقدس ويستوطنوا أرض فلسطين ، والكتاب ” تلمود ” قد أعده العلماء اليهود شرحاً للتوراة ، ويعطونه من الأهمية ما ليس أقل منها من التوراة ، بل إنما هو أكثر أهميةً ، وقد جاء في الكتاب واضحاً :
” أولى بك أن تعيش في صحراء فلسطين الجرداء من أن تعيش في قصر منيف ” [3] .
والمراد بفلسطين أورشليم ، صفد ، الخليل وغيرها من المدن .
” من كتب له أن يعيش في فلسطين محيت ذنوبه ” [4] .
” وثواب الله في أرض الميعاد يعادل ثواب طاعة الله في كل ما أوصى به موسى ” [5] .
بناءً على مثل هذه التعاليم كان اليهود قد قرروا في أنفسهم أن يحتلوا أرض فلسطين ، وما زالوا يبذلون أقصى جهودهم لتحقيق هذا الغرض ، وقد أطاح الروم قبل ثمانية عشر قرناً تقريباً بالحكم اليهودي في فلسطين ، وأقاموا السلطنة المسيحية فيها ، فمنذ ذلك الوقت حتى الآن ، لم يتخلف اليهود – ولو ليوم واحد – عن بذل جهود لاستعادة فلسطين .
الصهيونية وفلسطين :
الصهيونية منظمة سرية لليهود جعلت استعادة فلسطين وإقامة حكومة يهودية فيها نصب أعينها ، ومع أن كثيراً من كتاب اليهود ومؤلفيهم قاموا بإعداد كتب في مختلف أدوار التاريخ عن توطن اليهود في فلسطين ، وجعلوه موضوعاً للنقاش ، إلا أن هرتزل هو القائد اليهودي الذي نفخ روحاً جديدةً في قالب الصهيونية الميت ، وأنشأها من جديد ، وحوَّلها من نظرية إلى عملية ، يقول عبد الرحمن سامي عصمت في كتابه” الصهيونية والماسونية ” :
” وهرتزل هذا هو لا مشاحة بطل الصهيونية الحديثة وزعيمها الأكبر ، وهو نمساوي الجنسية ، وكان رئيس ( جمعية صهيون ) النمساوية ، وأنشأ في لندن سنة 1896م جمعيةً كبيرةً تهتم بشؤون اليهود عامة ، وشاعت تحت اسم الصهيونية . وُلد سنة 1860م ومات سنة 1904م ، وكان أقوى شخصية يهودية ذات أثر في القرن التاسع عشر ” [6] .
أول مؤتمر للصهاينة :
صنف هرتزل كتاباً باسم ” دولة اليهود ” ، قدم فيه نظرية الضرورة إلى إقامة حكومة يهودية تقديماً واضحاً ، وأصبح الكتاب موضوعاً للنقاش فيما بين أوساط المفكرين ، والزعماء السياسيين ، حتى إن طبقةً في عدد لا بأس به من اليهود كانت لا تحب ما قدمه هرتزل من نظرية وتخطيط ، وذلك على أسس دينية وسياسية ، وانعقد أول مؤتمرٍ للصهاينة في مدينة ” بال ” من سويسرا سنة 1897م ، شارك فيه أكثرُ من مأتي مندوب صهيوني من بلدان مختلفة بدعوة من هرتزل ، وجرى المؤتمر لثلاثة أيام ، وترأسه هرتزل بنفسه ، وألقى فيه محاضرات عديدةً شدد فيها على ضرورة إنشاء دولة يهودية ، ونظامها ، والمنظمة الصهيونية ، وأهدافها ، كما طالب المندوبين الحضور بالموفقة على صحة نظريته . وقد قدَّم حسان خلاق أطروحة ماجستير – في جامعة بيروت العربية – تحتوي على أربع مأة صفحةٍ وتتحدث عن ” موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897م – 1909م ” ، واعتمد الباحث في إعدادها على عدد وفير من الوثائق البريطانية والتركية والعربية ما قد بلغ حوالي المأة وثيقة ومخطوطة ، وعلى مأة وأربعة عشر مصدراً عربياً ، وعلى خمسين مصدراً أجنبياً ، وقد طبعت بعض مقتبسات مهمة من تلك الأطروحة في ” المجتمع ” ، فأنا أذكر وقائع ذلك المؤتمر فيما يلي في ضوء ما طبع منها في ” المجتمع ” .
” في الفترة الممتدة من 29 آب – أغسطس – إلى أول أيلول – سبتمبر – عام 1897م عقدت المنظمة الصهيونية العالمية أول مؤتمر صهيوني في مدينة بال بسويسرا لإعادة الشعب المختار إلى أرضه ولتصبح فلسطين مرةً أخرى مركز حياتهم في العالم على حد قول الكس بان . وقد دعا إلى عقد هذا المؤتمر ثيودور هرتزل ود ماركس نوردو ، وقد ضم أكثر من مأتي مندوب صهيوني للبحث بالوسائل المثمرة التي يجب أن تتخذ للنهوض بالصهيونية ، وإنشاء قرى ومستعمرات خاصة باليهود في فلسطين ، وقد ألقى هرتزل خطاباً في المؤتمر تحدث فيه عن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، ورأى أنه لو تم إرسال عشرة آلاف سنوياً إليها ، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى تأسيس دولة يهودية فيها ، نظراً لوجود تسعة ملايين يهودي في العالم أو أكثر ، وأن عمليات التسرب والهجرة على هذا النحو ستبقى مئات السنين دون أن نحصل على هدفنا . فلا بد من الحصول على ميثاق دولي من أجل إنشاء الدولة اليهودية ، كما أنه لا بد من موافقة الدولة العثمانية التي تحارب الهجرة اليهودية ، وقد أكد ذلك هرتزل في خطابه بقوله : . . . فمما لا شك فيه أن الحكومة التركية ستعيد فرض قوانين منع الهجرة رأساً ، ولا نستطيع أن نعارض هذه الخطوة أبداً . فمن يعتقد أنه باستطاعة اليهود التسلل إلى أرض أجدادهم فهو يخدع نفسه ، كما أنه يخدع الآخرين . إذ ليس هناك أي مكان يلاحظ به مجيئ اليهود رأساً إلا في وطنهم التاريخي لأنه وطنهم ، كما أنه ليس من مصلحتنا أن نذهب إليه قبل نضوج الفكرة . ورأى هرتزل أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ستعطي قوةً لتلك الأرض الفقيرة جداً . وستبعث القوة في الإمبراطورية العثمانية ، لأن صاحب الجلالة السلطان عبد الحميد الثاني يعلم مقدرة اليهود ، فهو يملك خبرة ممتازة مع رعاياه اليهود . ويضيف هرتزل بأن حل مسألة الشرق الأوسط والمسألة اليهودية في أن واحداً سيكون له تأثير على العالم المتحضر بأسره . ولم يكتف هرتزل بعرض هذه الأمور ، بل أراد استمالة الدول الأوروبية الاستعمارية في تنفيذ الفكرة الصهيونية ، لأن تحسن وضع اليهود سيساعد على تحسين وضع مسيحيي الشرق ” [7] .
وافق المؤتمر بعد نقاش على قرارات ، منها :
(1) تشجيع الاستعمار اليهودي في فلسطين بطريقة منظمة .
(2) تنظيم الحركة اليهودية واتحاد الهيئات المتفرقة في شتى أنحاء العالم .
(3) إيقاظ الوعي اليهودي .
(4) القيام بمساعٍ لدى مختلف الحكومات للحصول على موافقتها على أهداف الحركة الصهيونية ” [8] .
وفي هذا المؤتمر تم إنشاء بنك وطني يهودي بمبلغ كبير من المال لتنفيذ مشاريع الحركة الصهيونية ، وهذا هو البنك الذي تولى عملية شراء الأراضي في فلسطين ، واضطلع بأعباء توطن اليهود فيها .
وتقدر أهمية هذا المؤتمر في حياة اليهود بأن الصهيونية اعتبرته الحجر الأساسي لصرح الدولة اليهودية ، يكتب هرتزل في مذكرته :
” لو طلب إلي تلخيص أعمال مؤتمر بال فإني أقول – بل أنادي على رؤوس الأشهاد – : إنني أسست الدولة اليهودية . وقد يثير هذا القول عاصفةً من الضحك هنا وهناك ، ولكن العالم قد يشهد بعد خمسة أعوام ، أو بعد خمسين عاماً ، ما في ذلك من شك ، قيام الدولة اليهودية حسبما تمليه إرادة اليهود بأن تنشأ لهم دولة ” [9] .
ومما يبعث على العجب أن الدولة اليهودية تأسست بعد ذلك بخمسين سنة بالضبط سنة 1948م .
* أستاذ الحديث والفقه بدار العلوم لندوة العلماء ، ومدير مجمع البحوث والدراسات لندوة العلماء .
[1] تاريخ الطبري ، المجلد الثالث ، ص 609 .
[2] حقيقة اليهود والمطامع الصهيونية للشيخ محمد نمر الخطيب ، ص 41 .
[3] هذه هي الصهيونية ، ص 25 .
[4] المصدر السابق .
[5] المصدر السابق .
[6] الصهيونية والماسونية ، عبد الرحمن سامي عصمت ، الطبعة الثانية ، سنة 1950م ، ص 68 – 69 .
[7] المجتمع ، الثلاثاء ، 1/ صفر 1398هـ – 10/ يناير 1978م ، العدد : 381 ، السنة الثامنة ، ص 16 .
[8] هذه هي الصهيونية ، لجنة الثقافة والنشر بهيئة التحرير بالقاهرة ، ص 46 .
[9] هذه هي الصهيونية ، لجنة الثقافة والنشر بهيئة التحرير بالقاهرة ، ص 46 – 47 .

