اللهم أغثنا

عالمية الإسلام في إنسانيته العالية
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026
عالمية الإسلام في إنسانيته العالية
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026

الدعوة الإسلامية :

اللهم أغثنا

الدكتور أشرف شعبان *

اللهم أغث أمة الإسلام ، وأعز دينك فيها ، قبل أن يعود الإسلام غريباً كما بدأ غريباً ، والغربة هذه لست مقصورةً على زمان أو مكان معينين ، ولكنها تقع كلما استدعى حال الناس ذلك ، بحسب تمسكهم بالدين قوةً أو ضعفاً ، وبحسب انتشاره أو انزوائه بينهم ، وقد تكون الغربة في بلد دون آخر أو زمن دون آخر ، ولكنها ستكون كبرى وشاملةً في آخر الزمان ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء ” صحيح مسلم . ومن مظاهرها أن يصبح الالتزام بهدي الله ، وتطبيق شريعته ، والعمل بأحكامه ، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أمراً غريباً مستنكراً بين الناس ، ينظرون إليه كأنه شأن ولى زمانه ، ومضى عهده ، ولم يعد له مكان في حياتهم الحالية ، ولم يعد يواكب واقعهم المعاصر ، فيتبعون مما تهواه أنفسهم من شرائع مبتدعة وعقائد محرفة وقوانين معوجة ، تشبع شهواتهم ، وتزين لهم سوء أعمالهم ، فيتنعمون بدنياهم لهواً ولعباً ، بما لم تبلغه الأنعام . فلا وجود لأسرة ولا لعائلة يجمعها عهد أو قرابة أو صلة ، ولا وجود لأي روابط أخوية قائمة على أساس الدين أو النسب أو الوطن ، بل جميع روابطهم وعلاقاتهم قائمة على المصلحة والمنفعة الخاصة . وليس هناك ما يسمى بالأخلاق ، ولا بالقيم ، ولا بالمثاليات ، ولا وجود لأي معيار يضبط السلوك الشخصي ويلتزم به ، سوى اللذة والمتعة فقط ، حتى لو تجاوز انفلاتها كل حد . فلم يعد هناك معنى لأن يقال : هذا حرام أو هذا حلال ، بل صار يقال : هذا يسعدني ، وهذا يغنيني ، وهذا ما يتراءى لي وأجده حسناً . وانقلبت الأمور جميعها وانعكست عما أمرنا به الإسلام . وتوزع الناس بين قلة قليلة مالكة مستغنية ، حاكمة متغطرسة يملؤها الغرور والكبر ، وكثرة كثيرة مطحونة تحت وطأة الفقر والحاجة ، مستضعفة ، مستكينة ، ومستعبدة .

اللهم أغثنا ، قبل أن تنقض عرى الإسلام عروةً بعد أخرى ، شيئاً فشيئاً لا دفعةً واحدةً ، إذ يتخلى الناس عنها تدريجياً ، فإذا تركوا حكماً تشبثوا بالذي يليه حتى يهجروه ، وهكذا دواليك ، وأول ما ينقض من الإسلام هو الحكم بما أنزل الله ، واستبداله بشرائع وضعية من صنع البشر ، كما هو واقع في كثير من الدول الإسلامية ، وآخر ما سيبقي من الإسلام عند الناس هو الصلاة ، حتى وإن لم تؤد على وجهها الصحيح ، إذ تبدو إماتتها في تضييعها ، وتركها عمداً أو التقصير في إقامتها أو إخراجها عن وقتها أو التهاون بأركانها وخشوعها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة ” . وتتخذ الزكاة مغرما أي ينظر إليها كعبء مالي ثقيل أو كخسارة تدفع كرها ، لا قربة ولا ابتغاء لوجه الله ، فيتحايلون للتخلص منها أو لمنعها . ويتخذ القرآن مزامير ، تعني قراءة القرآن بألحان غنائية ، تخرج الحروف عن مواضعها الأصلية ، بهدف التلذذ بالصوت وتطريب الأسماع بدلاً من تدبر معاني القرآن والعمل به . وممن يقرأون القرآن بصوت حسن ، لكن سلوكهم لا يرتقي ، إلى مرتبة من وصل أثر القرآن إلى قلبه وعمله ، فتكون تلاوتهم مجرد صوت لا يتجاوز حناجرهم ، لا يعيون القرآن ولا يطبقونه في أخلاقهم ولا في أعمالهم ، ولا يظهر له أثر في حياتهم . ويكثر حفظة القرآن ويقل فهمه وتدبره ، يهجر العمل والالتزام بأوامره ونواهيه ، فتبقى الألسنة عامرةً بالآيات والقلوب خاليةً من  هدايتها . المبالغة في تزيين المصاحف والانشغال بالشكل دون المعنى ، فيغدو الاهتمام بالأغلفة المزخرفة والصحف المزينة ، وكذا الاهتمام بالخطوط والألوان أكثر من الاهتمام بما نزل القرآن لأجله . قلة أهل المساجد ، واقتصارها على إقامة الصلوات المفروضة ثم تغلق أبوابها ، فلا يتحقق الهدف الذي من أجله أنشئت ، كما كانت في صدر الإسلام الأول ، بينما أعداد المترددين على القاعات الملحقة بالمساجد المخصصة للمناسبات الاجتماعية أكثر بكثير . تحولت خطب الجمعة عن هدفها الأساسي ، فغدت كلمات مكررة تتلى على المصلين ، كما كانت تتلى منذ عشرات السنين ، دون إنزالها أو تطبيقها على الواقع المعاصر أو معالجة لقضاياه ، وها هي ذات الخطبة تلقى في سائر المساجد ، وفق تعليمات وتوجيهات من جهات رسمية ، فلم تعد ثمرة اجتهاد الخطيب ، فتخرج مجلجلة نابضة بالحياة ، بل صار يحمل على إلقائها حملاً ، سواء قصرت أم طالت ، والمصلون بين ساه مشغول بأمور أخرى أو نائم ، فلم تعد لها أثر في نفوس المصلين ، ولا يمتد صداها إلى خارج المسجد ، حتى إن غالبيتهم لا يتذكرون موضوع الخطبة فور خروجهم من المسجد .

اللهم أغثنا ، قبل أن تعود البشرية لعبادة الأوثان والأصنام مرةً أخرى ، وإن اختلفت عن ممارسات الماضي ، فاتخذت أشكالاً حديثةً ، كعبادة الذات ، وتعظيم الأشخاص ، وتمجيد الرموز ، وتقديس الماديات كالمال والشهرة والتكنولوجيا ، إلى درجة تضاهي بها تقديس الأوثان القديمة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى أوثان يعبدونها من دون الله ” أخرجه مسلم . وها هو البعض يستغيث بالأموات ، وينذر لهم ، ويتوسل إليهم ، طلبا للعون أو الشفاء أو النصر أو قضاء الحاجات ، وهم قد أفضوا إلى ما هم عليه ، فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً ، وما كان يتم على استحياء وفي خفاء وخجل ، يمارس بجرأة وعلانية للعيان . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : من دعا ميتاً أو استغاث به فقد أشرك . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : لا تدعوا الأموات ولا تستغيثوا بهم فإنهم لا يضرون ولا ينفعون .

اللهم أغثنا ، قبل تزايد موجات الإلحاد ، والخروج عن الدين ، والكفر بالغيبيات ، والإيمان بالمحسوسات ، بوتيرة لم يشهد لها من قبل ، بعد أن أصبح المناخ المحيط بالناس مهيأ ومحفزاً لهم على لذلك ، تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ) ، ثم قال : ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً . وقد قيل : إن هذه الزيادة ليست منسوبةً لرسول الله بصيغة حديث متواتر ، لكن ذكرها بعض المفسرين على سبيل التوضيح ، حيث أشاروا : إلى أن ما أعقب هذا النصر من فتن سيجعل جماعات تخرج من الدين كما دخلوا فيه جماعات ، والخروج من الدين قد يكون إما باتباع عقائد سماوية قد حرفت من أتباعها منذ القدم ، أو بالانضمام إلى دعوات بشرية أنتجتها الفكر البشري ، أو برفض هذا وذاك معاً .

اللهم أغثنا قبل تزايد دعوات جمع الأديان في إطار واحد ، تمتزج وتتداخل ببعضها البعض ، وتذوب الفوارق ، وتختلط العقائد فلا يظل لدين عقيدة ولا عبادات ولا شرائع خاصة به ، وتلك الدعوات قد تشمل أيضاً مختلف الملل والنحل أو حتى الملحدين ومن لا دين لهم . قال تعالى :    ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) [ المائدة : 48 ] أي لكل أمة من الأمم السابقة ، ولكل نبي سبق نبينا عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، شريعةً واضحةً ومنهجاً يتبعونه وطريقاً يسيرون عليه ، مع اتفاقهم جميعاً في التوحيد لله عز وجل . وقال تعالى : ( وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً )           [ النحل : 93 ] أي لو أراد الله لجمع الناس على شريعة واحدة ، لكنه شاء أن يختلفوا ليختبرهم . دعوات من انتكاسات البشر ، لا يعرف فيه لمن تكون له المرجعية العليا ، والكلمة الفصل في الأصول العقائدية ، ولا لأي شريعة الغلبة فيما يخص الأحوال الشخصية والمعاملات المالية ، ولا لمن يكون الباع الأكبر والهيمنة فيما سيتبع من شعائر وعبادات . كيف لهم أن يجمعوا بين الشرك والتوحيد في دعوة واحدة ؟ يجمعوا بين من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ومن يقول خلاف ذلك ؟ قال تعالى في سورة الإخلاص : ( قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ . ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) ، وقال : ( وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ )    [ الإسراء : 111 ] ، وقال : ( وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً )        [ الجن : 3 ] ، وقال تعالى : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال : ( إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى ) [ طه : 14 ] ، وقال : ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ) [ الأنعام : 162 –      163 ] ، كيف يجمعون بين من يقرون هذا بألسنتهم وعلى يقين به في قلوبهم ، وبين من يقول : ( وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ) [ التوبة : 30 ] ، ومن يتخذ أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، قال عز وجل : ( ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ التوبة : 31 ] وقد قال فيهم عز وجل : ( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) [ المائدة : 73 ] ، قال تعالى : ( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ) [ المائدة : 17 ] وكيف سيجمعون بين ما حرم الله على بعض خلقه ، وما أحله للبعض الآخر ، وهل سيكون الجميع فيه سواء ؟ وماذا نحن فاعلون فيما حرمه الله علينا من بعض الأطعمة والأشربة وبعض المعاملات المالية بينما يستحله الآخرون ؟ أيتبعوننا أم نتبعهم ، أم يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً لهم ولنا ؟ ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ) [ النحل : 115 ] ، ( يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ المائدة : 90 ] ( وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا ) [ البقرة : 275 ] وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لحصرها . وإذا كان كل من اليهود والنصارى ليسوا على فرقة واحدة ولا على مذهب واحد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ” الترمذي . وقد حدثت حروب وصراعات عنيفة عبر التاريخ بين الكاثوليك والأرثوذكس ، وبين الكاثوليك والبروتستانت ، بالإضافة إلى الصراعات بين الموحدين منهم والثالوثين . كذلك كانت هناك حروب وصراعات بين الفصائل اليهودية ، بالإضافة إلى خلافات وتناحر طائفي أدى إلى انقسامات حادة خاصة بين الفرق مثل الصدوقيين والفريسيين والأسينيين ، مما عكس انقسامات سياسية ودينية عميقة . مصدقاً لقوله تعالى : ( وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ )   [ المائدة : 14 ] ، ( وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ) [ المائدة : 64 ] فستستمر العداوة بين النصارى بعضهم بعضاً ، وبين اليهود بعضهم بعضاً إلى يوم القيامة ،  قال تعالى في سورة الحشر الآية 14 ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ) ، ومع ذلك فإن كلاً من اليهود والنصارى يدعي عن الآخر أنه ليس على شيئ من الدين ( وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ) [ البقرة : 113 ] ، وقال تعالى : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ )    [ البقرة : 145 ] ، ولكن بين لنا الله الحق في قوله : ( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) [ البقرة : 120 ] ، وقال تعالى في وصف حال الكفار والمشركين تجاهنا : ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ) [ البقرة : 217 ] ، ولو أنهم كانوا صادقين فعلاً في إدعائهم ، ويريدون ديناً واحد يجتمع عليه الناس ، ويخلصهم من بوائق الصراعات ، فلديهم الإسلام ، الذي جاء به جميع الأنبياء من لدن آدم حتى محمد عليهم السلام ، وهو دين سيدنا إبراهيم ، كما بين الله تعالى في سورة آل عمران الآية 67 ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلـٰكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ) والأنبياء جميعهم إخوة ، ودينهم واحد وهو الإسلام دين التوحيد ، وإليه دعوا أقوامهم ، وإن اختلفت شرائعهم بحسب الزمان والمكان ، وقال تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ) [ آل عمران : 19 ] ، وقال : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] ، وقال تعالى على لسان سيدنا موسى مخاطباً قومه : ( يا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ )          [ يونس : 84 ] ، وعلى لسان الحواريين أتباع سيدنا عيسى قال تعالى في سورة المائدة الآية 111 ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) . قال تعالى في سورة الحج الآية 78 ( هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ) أي أنكم كنتم تسمون ” مسلمون ” حتى قبل نزول القرآن الكريم ، كما ورد في الكتب السماوية السابقة التوراة   والإنجيل . كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ” الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ” وقال عليه الصلاة والسلام : ” ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي ” وفي حديث آخر : ” ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني ” . فليحيوا دولة الإسلام التي يعيشها في ظلها كافةً أهل الكتاب مطمئنين آمنين على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ودور عبادتهم . وقال تعالى : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 64 ] .

وأخيراً اللهم أغثنا ، قبل ما يواجه الشخص المتمسك بدينه صعوبات وفتناً ، تجعل تمسكه بدينه ، كمن يمسك قطعة من الجمر الملتهب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر ” وقال عليه الصلاة والسلام :      ” ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنياً مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم ” قيل : يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم ؟ قال : ” بل أجر خمسين منكم ” فكيف يكون للمتمسك بدينه في عصرنا هذا أو أي عصر آخر ، له أجر خمسين رجلاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا إذا عاش أياماً أصعب وأشد مما عاشه الصحابة ، وهم قد تحملوا ما تحملوا من أجل الإسلام ، من تعذيب وتعد بالضرب والسباب وسخرية واستهزاء ، حصار اقتصادي واجتماعي في الشعب والأودية للتجويع ، ومنع التزاوج منهم ، وتفريق بين الأهل ، ومصادرة أملاك ومتاع من يفر منهم بدينه ، إلى غير ذلك مما أفاضت به كتب السيرة ؟ وهذا ما يتعرض له الملتزم بدينه من سخرية واستهزاء بالتزامه وتشويه لصورته والتشكيك في نوايا كل عمل يقوم به لوجه الله ، ونعته بصفات ذميمة وخبيثة وإلصاق تهم جنائية ومخلة للشرف إليه ووسمه بالإرهاب وترهيب الناس منه من خلال أجهزة إعلام تعمل على ذلك ليلاً ونهاراً ، وتسليط البلطجية والشبيحة لتتبعه أثناء تنقله والاعتداء عليه بدنياً ومعنوياً ، مصادرة أملاكه وزوجته وأبنائه وسد أبواب العمل أمامهم ، مراقبتهم على مدار الساعة وتهديد من يحاول الاتصال بهم ومد يد المساعدة إليهم ، تعرضه للمطاردات والملاحقات والتوقفات الأمنية باستمرار ، الحبس الانفرادي في السجون والتعرض للضغط المعنوي ومنع أي أخبار عنه وعن ذويه ، التعذيب البدني لا يقف عند الملتزم بل يشمل أفراد عائلته ، وتوجيه أفظع السباب والشتائم والإهانات لهم في محاولة لإذلالهم ، ودفع أهله للتبرء منه ومن أفعاله وإجبارهم على إعلان تأييدهم الكامل للنظام الذي اعتقل ابنهم وينكل به وبهم ، أو الدفع به للفرار من البلد إلى بلد آخر ، وعلى الجانب الآخر تكثر الفتن والمغريات حوله ، كإظهار صور غير الملتزمين وهم سعداء في حياتهم ، يعتلون أعلى المراكز الوظيفية ، يتقلبون في النعم ويغرقون في الملذات ويتمتعون بالثراء ، تحيط بهم السيارات الفارهة ، يرتدون ملابس على أحدث الموديلات ، ويسكنون القلل والقصور ، ينعمون باستقرار في حياتهم زوجةً وأولاداً ، ويقيمون حفلات وسهرات رحلات ومنتجعات ، سفريات من بلد لآخر . وفي المقابل ينظر إلى الملتزم بالإسلام في عباداته ومعاملاته وأخلاقه ، كأنه غريب عن الناس ليس منهم ولا هم منه ، غريب بين أهل الكفر والشرك ، وغريب أيضاً بين المسلمين أنفسهم الذين انحرفوا عن منهج الإسلام الصحيح ، والغرباء هم قلة متمسكون بالدين ، ثابتون على الطاعة ، صابرون على الأذى ، وأداء الفرائض كما أمر الله دون تهاون ، يرجع إليهم الناس ويعودون إليهم كلما شاء المولى عز وجل ذلك ، وهم باقون بعملهم وعلمهم وآثارهم وإن وارى الثرى أجسادهم ، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : ” فطوبي للغرباء ” .

* جمهورية مصر العربية .