اللهم أغثنا
مايو 24, 2026من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026التوجيه الإسلامي :
من هم أهل السنة والجماعة
بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *
تعريب : محمد فرمان الندوي
( الحلقة السادسة )
بين أيديكم جميع تفاصيل فِرق الإسلام المختلفة ، اقرؤوها بإمعان ، وانظروا ما هو أساس هذه الخلافات ، وما هي الأسباب الحقيقية لنشوئها ، الواقع أن أصحاب هذه الفرق تركوا الحياة العملية للإسلام ، وحثوا الناس على اختيار حياة الخيال والصورة .
إن الخلافات التي نشأت في الإسلام ما لم يكن عليها العنصر العجمي مستولياً كانت خلافات عمليةً وحيويةً ، وظلت هذه الخلافات بدون اتصالها بالدين سياسيةً محضةً ، وقد سلت السيوف مراراً فيها ، لكن عناصر العجم قد سترت السياسة في لباس الدين ، وحلت محل السيوف الشكوك والشبهات ، والاستدلالات الباطلة ، والخداع العام والتأويل الفاسد ، وتغير العقائد ، فكان نتيجة ذلك أن حرب السيوف كانت تقتل الأجسام المادية ، لكنها لا تفقد روح الحياة القومية ، وكان في القوم عواطف الحياة والحركة والحرارة ، لكن الحرب الفكرية قد أفنت قوة العمل الأصلية ، وروح الدين وجوهر الحياة .
الإسلام مركب مثل الديانات الأخرى من عنصرين مهمين : العقائد والعبادات ، لكن الفرق بينهما أن الإسلام لا يحب سعة العقائد وكثرتها ، بل يتطلب رسوخها وإحكامها وقوة إيمانها ، لكن فطرة الإنسانية المريضة تميل إلى السعة ، وكان رسول خالق الكون خبيراً بهذه الإشارات ، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا : هذا الله خالق كل شيئ ، فمن خلق الله ؟ ( كتاب الاعتصام ، باب ما يكره من كثرة السؤال ) ، وورد في صحيح مسلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرةً تلا هذه الآية : ( هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ) [ آل عمران : 7 ] ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ( متفق عليه ، البخاري : 4547 ، ومسلم : 2665 عن عائشة رضي الله عنها ) ، وبناءً على ذلك إذا صدر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أمر كان مضاداً لهذا القول النبوي غضب عليه ، وقد روي في سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، و في سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم ، والناس يتكلمون في القدر ، قال : وكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ، قال : فقال لهم : بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم ؟ تضربون كتاب الله بعضه ببعض ، بهذا هلك من كان قبلكم ( رقم الحديث : 85 ) .
فثبت من هذه الأحاديث أن الإسلام لا يسمح بسعة العقائد ، ولا يحث على الخوض فيها ، وهو يتطلب الإيمان واليقين بالرسالة التي وجهت إلى الإنسانية جمعاء ، فلم يتأمل فيها أعراب العرب أو أحباش أفريقيا ، ولا أطباء اليونان ولا فلاسفة أوربا ، وقد جاء في صحيح البخاري أن رجلاً كان يريد إعتاق جارية ، فجاء بجارية حبشية حمقاء ، وسألها : هل هي مسلمة ؟ ثم قال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء ،ثم قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله ! قال أعتقها ، فإنها مؤمنة ( رقم الحديث : 1154 ) .
الله أكبر ! كم غباراً تراكم الآن على حقيقة الإسلام ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر رفع الإصبع إلى السماء دليلاً على الإيمان ، لكن في العصر الحاضر إذا لم يقرأ الإنسان العقائد المرتبة في العقائد النسفية ، ولم يؤمن بها حرفاً حرفاً لا يكون المسلم مسلماً .
يقول شاعر فارسي : جنگ هفتاد دو ملت همه را عذر بنه چون نديدند حقيقت ره افسانه زدند ( اعذر اختلاف اثنتين وسبعين فرقة ، فإذا ما أمكنك النظر في الواقع فقد اخترت أسلوب القصص القصيرة والروايات ) .
وقد ذكرنا في السطور الماضية بكل وضوح أن الوجه الأصلي والحقيقي للدين هو ما يكون صورةً صادقةً لعلوم وسلوكيات الداعي الأول ، وعكساً موافقاً لتعاليمه ودعوته ، وقد اعترفنا بحاجة نبي ورسول ، لأن العقل الإنساني عاجز كل العجز عن حل معضلات الحياة الإنسانية ، فكانت الرحمة الإلهية مازالت ترسل كائناً رفيعاً من الإنسانية بواسطة روح القدس لهداية البشرية ، كان يلقن الناس بكل نوع من التعاليم ويوجههم في كل شعبة من شعب الحياة ، لكن الأسرار الخارقة للعادة التي لا تحتاج إليها الإنسانية ، وليست في حاجة إليها ، لقضاء حياتها العملية ، فيتركها ويتقدم منها ، ويقول عنها فقط : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) [ آل عمران : 7 ] .
فنظراً إلى هذا ، فإذا زدنا شيئاً في المعتقدات والتعاليم التي اعتبرها الأنبياء لازمةً للناس ، بعقولنا وأذهاننا أو نقصنا شيئاً منها أو حذفناه أو فككنا العقدة مزيدةً كما تركوها فنحن نضعف دعوى إثبات أصل النبوة ، ونبين للناس فعلاً أن الإنسانية ليست في حاجة إلى نبي أو رسول في كمالها ، بل العقل الإِنساني كاف لتوجيهنا وإرشادنا ، رغم أن بطلان العقل قد تحقق عندنا بالدلائل .
تأملوا ما هو الدين ، وما هي حقيقته ؟ وهو مصباح منير للحياة العملية للإنسان ، إن الإنسان وجميع شئون حياته العملية له صلة بالماديات ، فإن نسبة ما وراء مادته لا تتعلق إلا بما هو لازمة للحياة العملية له ، ونذكر هذا الأمر بشيئ من التفصيل لبيان غايتنا :
في كل دين أمران مهمان : العقائد والعبادات ، أما المعاملات فهي نوع من العبادات ، في تعبير آخر نستطيع أن نقول : إن الدين مركب من العلم والعمل .
والعلم له قسمان : قسم اقبس من الماديات ، ويتصل بها اتصالاً كلياً ، وينشأ فينا يقين عنها بالمشاهدة والتجربة ، وقسم له صلة بما وراء المادة ، ولم يكن هناك ذريعة لمعرفته إلا الخيال والتصور والظن ، فمثلاً : النار تحرق ، هذا العلم حصل بذريعة حسية مادية ، فنحن على يقين بهذا ، فلا نتجرأ للقفز في النار بخطأ ، لكن العلم الآخر هو أن الإنسان بعد حياته هذه يبعث مرةً ثانيةً ، فلا يستعد أحد بالاعتماد على هذا العلم أن يهلك نفسه ؟
إن حياتنا تتعلق بهذا العالم المادي ، فتظهر أعمالنا في هذا العالم ، ويقوم نجاح الناس وفشلهم ، ورقيهم وانحطاطهم ، ونهضتهم وإدبارهم ، وانقلابهم وتحول أحوالهم ، حتى جميع مظاهر الحياة الإنسانية ، وجميع أمور الازدهار في العالم ، على العلوم القطعية واليقينيات التي أخذت من حواسنا ، فالخوض في هذه العلوم والقضايا ، والمعلومات ، والكشف عن عقدها ، التي هي ما وراء المادة ، ولا يرتبط بها حواسنا غير مفيدة لنا ونافعة .
فإن فلسفتنا التي ترتبط بما وراء المادة علم ظني ، وجل علوم الطبيعة بناءً على التجارب والمشاهدات تكون بمثابة العلم اليقيني إلى حد ، فتأملوا الآن : إن الدنيا مدينة بواحدة منهما : الفلسفة أو علم الطبيعة ؟
إن الفلسفة من عهد أول فلاسفة اليونان طاليس الملطي ( 625 ق م ) [1] إلى زمن بيكون ( 1626م ) [2] خلال فترة ألفين وخمس مائة سنة لم تكن مفيدةً للعالم ، لكن علوم الطبيعة في ثلاثة قرون قد أحدثت انقلاباً عاماً في العالم ، فبناءً على هذا إذا سأل أحد عن الأشياء غير المادية وغير المحسوسة : ما هي ؟ و لماذا ؟ فهذه الأسئلة كلها لا قيمة لها ، وطلب الدليل في حل هذه الأسئلة فشل الأجيال الإنسانية في القرون الماضية ، فلا تكون الأشياء غير المحسوسة سلباً وإيجاباً موضوع دراستنا ونقاشنا .
هذه هي النقطة التي أدركتها أوربا الآن ، وقد كشفها الإسلام في بدايته ، لكن يا للأسف أن الفرق الأخرى للإسلام لم يحفظها سوى أهل السنة والجماعة ، وهذا كان سبباً لضلالهم وغوايتهم ، فاتضح من هذا التفصيل أن أساس دين السنة والجماعة قاعدتان :
(1) إن ما قدم داعي الإسلام صلى الله عليه وسلم لأمته من عقائد وأعمال ، وما علَّمها من تعاليم وتوجيهات لا يمكن أن يُزاد أو ينقص منه شيئ .
(2) إنه يجب الإيمان فقط بكل ما ذكره القرآن الكريم في العقايد وذات الله وصفاته ، أو وفسَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فصله القرآن في أمر ، ولا يصح شرحه وبيانه في ضوء العقل والقياس والاستنباط ، ولا الايمان به لازم لصحة الإسلام ، بل يمكن أن يكون ذلك سبباً لضلال الإنسان وغوايته .
( للحديث صلة )
* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .
[1] طاليس الملطي ( 625 ق م ) وهو عالم فلك ، وفيلسوف يوناني من المدرسة الأيونية ، وهو أحد الحكماء السبعة عند اليونان .
[2] فرانسيس بيكون ( 1561 – 1626م ) فيلسوف ورجل دولة إنجليزي ، يُعد أبا التجريبية الحديثة ومؤسس المنهج الاستقرائي القائم على الملاحظة والتجريب .

