الإلحاد وأسباب انتشاره
مايو 24, 2026صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
ردود عقلية على الإلحاد
في كتاب : حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفى محمود
د . محمد ريحان *
يهدف هذا البحث إلى دراسة نقدية تحليلية للردود العقلية على ظاهرة الإلحاد ، من خلال كتاب ” حوار مع صديقي الملحد ” للدكتور مصطفى محمود ، أحد المفكرين البارزين في العالم العربي المعاصر ، يأتي هذا العمل من سياق مواجهة التحديات الفكرية التي تطرحها الموجات الإلحادية الحديثة ، والتي تنتشر بين فئئات من الشباب العربي والإسلامي تحت تأثير الثقافة الغربية والمفاهيم المادية . يعتمد الباحث في دراسته على المنهج الحليلي والنقدي المقارن ، حيث يقوم بتحليل الحوارات المطروحة في الكتاب ، وتفكيك بنية الحجج الإلحادية ، ومن ثم عرض الردود العقلية والمنطقية التي يقدمها المؤلف ، وتشمل هذه الردود موضوعات جوهريةً كوجود الله ، الحكمة من الخلق ، مفهوم الخير والشر ، العقل والوحي ، والمعجزات ، كما يتناول البحث الأسلوب الجدلي والحكيم الذي اتبعه الدكتور في مخاطبة العقل الإنساني بعيداً عن الأساليب الخطابية أو العاطفية . وتظهر نتائج البحث أن كتاب ” حوار مع صديقي الملحد ” يعد من أبرز الأعمال التي ترد على الفكر الإلحادي بأسلوب عقلي فلسفي واضح ، ويجمع بين البساطة والعمق ، مما يجعله مناسباً للقراء من مختلف المستويات ، كما يؤكد البحث أهمية تعزيز الخطاب العقلي في الدعوة الإسلامية ، لمواجهة الشكوك الفكرية المعاصرة وإعادة بناء الثقة في العقيدة من منظور علمي فلسفي . يوصي الباحث بضرورة توسيع هذا النمط من الكتابات ، وتطوير أدوات الحوار العقلي مع التيارات الفكرية المختلفة ، خاصةً في ظل تصاعد النزعات التشكيكية في هذا العصر المادي .
التمهيد : نحن نعيش اليوم في عصر انتشرت فيه الهواتف الذكية بين الناس ، فلا يكاد يرى أحد إلا وفي يده هاتف ، وقد أصبح استخدامها سهلاً وميسوراً من جميع الجوانب . ومع انتشار هذه الهواتف ، كثرت حسابات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ، وتيك توك ، وإنستغرام وغيرها ، والتي باتت منصات يعرض فيها كثير من الناس مقاطع فيديو تحتوي على أفكار وآراء ناقصة أو منحرفة عن الإسلام ، يقدمها من يسمون أنفسهم مفكرين ، علماء ، مجتهدين ، أو متحدثين تحفيزيين . بعض هؤلاء عن قصد أو جهل يروجون الشبهات ويزرعون بذور الشك والكراهية تجاه الإسلام وتعاليمه . وقد أصبح لهذا المحتوى تأثير واضح على المستخدمين ، حيث بدأت تنتشر بينهم الشكوك ، ويتزعزع يقينهم ، ويتأثرون سلباً بأولئك المجتهدين المزعومين ، سواءً كانوا من المسلمين أو من غيرهم . ويؤسف أن كثيراً من الناس بوعي أو بغير وعي ينساقون خلف هؤلاء ويقبلون ما يقولونه ، مما يؤدي إلى انحراف في العقيدة وتفكك في الفهم الصحيح للدين . هذه الظاهرة لم تقتصر على العامة فقط ، بل تسربت أيضاً إلى بعض من يظن فيهم الفهم والمعرفة . ومن هنا ، تبرز الحاجة الملحة إلى وجود نخبة من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين ، الذين يردون على الشبهات بأسلوب علمي وباستخدام الوسائل الحديثة كالفيديوهات والكتابات المؤثرة . زمن أبرز النماذج من هذا المضمار ، الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله – الذي كان له دور بارز في التصدي للشبهات ، ومن أهم مؤلفاته في هذا الصدد للتغلب على الشبهات ، ومن أهم مؤلفاته في هذا المجال كتابه الشهير : ” حوار مع صديقي الملحد ” ، الذي كان ولا يزال سبباً في إزالة الشكوك وتثبيت اليقين في قلوب الكثيرين .
معلومات موجزة عن المؤلف : في 20 من شهر ديسمبر 1921م ، ولد مصطفى محمود آل حسين في قرية ميت خاقان القديمة بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية في مصر ، وكان توأما . ينحدر من سلالة زين العابدين بن علي بن أبي طالب ، ومن ثم تنتمي أسرته إلى طبقة الأشراف [1] . الدكتور كان مبدعاً يجيد الكتابة في مجالات متنوعة ، فكتب في مختلف العلوم والفنون ، ومن المستطاع أن تقسم أعماله في مرحلتين : مرحلة قبل 1970م ، وهو لا يزال في الحيرة والتخبط باحثاً عن الحقيقة والدين ، ألف فيها في فنون الأدب العربي ، وإن كان يتخللها بعض المقالات الفكرية والعلمية ، والثانية بعد 1970م ، بعد أن انكشف الظلام واستقر الإسلام في قلبه ، كتب فيها مقالات في العلم والدين والسياسة وغيرها . ونشرت مؤلفاته عبر عدد من دور النشر المعروفة ، فأثرى بمؤلفاته الغزيرة مكتبات العالم الأدبي العربي ، وكسب قلوب ملايين القراء من مختلف بقاع العالم ، ونال العديد من الجوائز ، مصطفى محمود هو الاسم الذي عرف به ، وطبع على جميع أعماله الأدبية والفكرية ، وبرز به في الوسط الأكاديمي . لقد توفي الدكتور صباح السبت 2009م بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور [2] .
نبذة عن الكتاب : هذا الكتاب هو أحد الروائع الفكرية التي تركها لنا الدكتور مصطفى محمود ، ويضم بين دفتيه تسع عشرة مقالة كتبها خلال عقد الثمانينيات ، نشرت عام 1986م عن دار العودة ، وجاءت في 160 صفحة من العمق الفكري والأسلوب الحواري الجذاب . يتناول الكتاب مجموعةً من الإشكالات الفكرية والشائعات العقدية التي طالما أثارها المتشككون والملحدون حول العقيدة الإسلامية ، وقد صاغ المؤلف مقالاته بأسلوب السؤال والجواب ، حيث يظهر فيها صوت المتشكك في مواجهة إجابات علمية وفلسفية دقيقة ، بأسلوب مقنع ومدعوم بالأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، بالإضافة إلى استحضار معطيات العلوم الحديثة من الفيزياء والفلسفة والطب . تتوزع موضوعات الكتاب بين العقيدة والتوحيد ، مثل : ” لم يلد ولم يولد ” ، و ” لا إله إلا الله ” ، و ” لماذا يحاسبني الله إذا كان قدّر أفعالي ” ، و ” هل القرآن من تأليف محمد ؟ ” ، وبين قضايا تتعلق بأركان الإسلام ، كـ : ” هل مناسك الحج وثنية ؟ ” ، وتجديد مفهوم ” لا إله إلا الله ” . كما يعالج الكتاب قضايا فكريةً ساخنةً مثل : ” هل الدين أفيون ؟ ” ، و ” موقف الإسلام من المرأة ” ، و ” موقف الدين من التطور ” و ” القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفاً ” ، و ” شكوك ” [3] .
ويرجح أن شخصية ” الصديق المتشكك ” التي تحاور المؤلف ما هي إلا تمثيل لمرحلة الشك التي مر بها الدكتور مصطفى محمود نفسه ، وقد اعترف بها لاحقاً ، مما يضفي على الحوار مصداقية وواقعية تجعل القارئ يتفاعل معه بصدق واهتمام . وفي جانب لقد نجح المؤلف في تقديم صورة مشرقة عن حكمة الله في خلق الإنسان وتشريعاته ، وفنّد الشبهات المثارة حول الدين بأسلوب عقلي راق ، يعكس عمقاً في الفهم ، وسعة في المعرفة ، بأسلوب حواري يجمع بين السلامة والعمق ، ويعيد تقديم المفاهيم الإسلامية بطرح جديد يليق بعقل القارئ المعاصر .
البنية العامة للكتاب : يضم هذا الكتاب تسع عشرة مقالة متنوعة ، صيغت بأسلوب فكري وتأملي ، تناولت موضوعات متعددةً تتصل بجوانب عقدية وفكرية وعلمية ، من بين هذه المقالات ما يتناول أركان الإسلام ، ومنها ما يعرض حكمة الله في خلق الجنة والنار ، كما تضمنت بعض المقالات مباحث في ” الشكوك ” حول الإسلام وتعاليمه ، والأجوبة الشافية مستمدة من العقل والفكر والعلم والدين حول التساؤلات المثارة ضد الإسلام . ومنها ما تتناول فيها حكمة الله في خلقه ، ومنها ما تتعلق بالمعجزة والعلم ، مبيناً أن الدين والعلم ليسا ضدين ، بل يسيران جنباً إلى جنب في انسجام وتكامل ، ومنها ما يتعلق بتفسير طريف لبعض آيات القرآن الكريم وغيرها بأسلوب يمزج بين البصيرة الإيمانية والرؤية العقلية .
والمقالات التي تشتمل عليها هي : ” لم يلد ولم يولد ” ، ” إذا كان الله قدّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني ؟ ” ، و ” لماذا خلق الله الشر ؟ ” ، و ” وما الذنب الذي لم يصل إليه القرآن ؟ ” ، و ” الجنة والنار ” و ” هل الدين أفيون ؟ ” ، و ” حكاية الإسلام مع المرأة ” ، و ” الروح ” و ” الضمير ” ، و ” هل مناسك الحج وثنية ؟ ” ، و ” لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد ؟ ” ، و ” القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفاً ” ، و ” شكوك ” ، و ” موقف الدين من التطور ” ، و ” كلمة لا إله إلا الله ” ، و ” كهيعص ” ، و ” المعجزة ” ، و ” معنى الدين ” ، و ” فزنا بسعادة الدين وفزتم بالأوهام ” [4] .
الدوافع وراء التأليف : من خلال دراسة فصول الكتاب وتحليل مضامينه ، ظهر لي بوضوح أن المؤلف سعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المهمة ، من أبرزها :
- الرد بأسلوب منهجي على المشككين في أركان الإسلام وعقائده النقية ، مع شرح الحكمة الإلهية في تشريعها ، وتوضيح دورها في بناء الفرد والمجتمع [5] .
- تفنيد أطروحات العلمانيين ونظرية داروين بطريقة علمية دقيقة ، بالإضافة إلى الرد على الفلسفة الماركسية وفكر كارل ماركس بالحجج العقلية والنقلية [6] .
- الإسلام قضى على نظام الرق والجواري الذي كان رائجاً من قبل ، ولم يعززه ولم يروجه كما ينتقد أعداء الإسلام عليه ، بأسلوب حكيم يتماشى مع فطرة الإنسان [7] .
- إثبات أن القرآن من عند الله وليس من تأليف النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عرض أدلة عقلية ونقلية بطريقة مبتكرة جذابة [8] .
- تقديم رؤية جديدة في تفسير الحروف المقطعة الواردة في أوائل السور القرآنية ، بأسلوب فريد قل من سبق إليه [9] .
- السعي إلى بيان أن الدين والعلم ليسا شيئين متضادين ، بل يسيران جنباً إلى جنب ، من خلال ربط المفاهيم الدينية بالاكتشافات العلمية [10] .
- الدفاع عن المرأة وبيان مكانتها الرفيعة في الإسلام ، مستدلاً بالقرآن الكريم والسنة النبوية والعقل ، ومؤكداً أن الإسلام أعطاها حقوقها كاملةً ولم يظلمها [11] .
- معالجة الشبهات والافتراءات التي يروج لها أعداء الإسلام ، والرد عليها بوضوح ومنطق متزن [12] .
من خلال هذه الأهداف انعكس عمق رؤية المؤلف وحرصه على خدمة الإسلام والرد على التحديات الفكرية المعاصرة بأسلوب علمي متوازن .
النهج المتبع : أما إذا نظرنا إلى أسلوب هذا الكتاب فوجدنا أساليب عديدةً منها أسلوب سهل ممتع جذّاب ، وكذلك نجد أنه يستدل بالآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، ومن نصوص الكتب السماوية ، وكذا نجد أنه استخدم الاصطلاحات العلمية والطبية ، بل بعض المقالة يغلب عليها طابع علمي وغيرها من الأساليب المختلفة . بعد تتبع الكتاب من البداية إلى النهاية نجد أن هذا الكتاب يشتمل على عدة أساليب استخدمها الدكتور مصطفى محمود لتوضيح أفكاره والرد على الشبهات حول الدين ، ومن أهم هذه الأسباب :
(1) أسلوب الحوار : اتخذ الكاتب أسلوب النقاش بينه وبين صديقه الملحد ، فكان الصديق يوجّه سؤالاً وهو يجيب عليه ، مما جعل الفكرة سهلة الفهم وجذابةً للقارئ .
(2) الأسلوب العقلي والفلسفي : ولجأ إلى التفكير العقلي والمنطقي ليوضّح الدين وعقائده الخالصة ، بطريقة تجمع بين السهولة والعمق .
(3) الأسلوب العلمي : ساق براهين من العلم مثل الفيزياء والأحياء والكون ، ليثبت أن هناك خالقاً لهذا الكون ، وأن العلم لا يتعارض مع الدين .
(4) الأسلوب التأملي والأدبي : استخدم تعبيرات جميلةً وتأملات عميقةً تجعل القارئ يفكر في الحياة والموت والكون .
(5) الأسلوب النقدي : تناول أفكار الإلحاد والمادية ، وبيّن أخطاءها وتناقضاتها بشكل محترم وواضح .
(6) الأسلوب البسيط والواضح : لقد صاغ الكتاب بلغة سهلة بعيداً عن التعقيد ، حتى يتمكن القارئ من فهم الكتاب ، سواءً كانوا من المتخصصين أو الغير المتخصصين [13] .
هذه هي بعض الأساليب التي اهتديت إليها بعد إمعان في الكتاب .
الملاحظات النقدية : إن هذا الكتاب لم يخل من المؤاخذة ، نذكر بعضاً منها ، وهي كما يلي :
- ذكر الكاتب بعض الأحاديث النبوية دون الإشارة إلى مصادرها الأصلية [14] . واستدل بآيات من القرآن الكريم بدون التخريج في بعض الأماكن . وكذا استشهد بالشعر غير التخريج [15] .
- الاستدلال ببعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ، مما يضعف من حجية الاستنتاجات المبنية عليها [16] .
- الاعتماد على مواد مقتبسة من كتب سماوية وتاريخية دون توثيق مصادرها بشكل دقيق [17] .
- تفسير مفهوم بعض آيات من القرآن الكريم وألفاظه بأسلوب علمي بحت ، قد يفهم منه ما يخالف مقاصد الشريعة وتعاليم القرآن والسنة [18] .
- الإكثار من استخدام المصطلحات العلمية والطبية والفلسفية ، مما قد يصعب على القارئ غير المتخصص إدراك المعنى المقصود بسهولة [19] .
- الميل الواضح إلى تقديم العقل على النقل ، حيث يرجح الكاتب الرأي العقلي في مواضع يستحسن فيها الاعتماد على النصوص الشرعية .
جمل مؤثرة استوقفتني في الكتاب : قام الدكتور بتحليل بعض أركان الإسلام وشعائره من منظور عقلي عميق ، فرغم أننا نؤدي الفرائض من صلاة وزكاة وصوم وحج ، إلا أننا كثيراً ما نغفل عن الحكم والمعاني الكامنة وراء هذه العبادات . ومن خلال مقالاته ، فتح لنا الدكتور آفاقاً جديدةً لفهم الدين ، مقدماً أفكاراً وعبارات تنقلنا إلى عالم أوسع وأعمق من مجرد الممارسة الشكلية .
لقد تصدى للانتقادات والشبهات التي وجهت إلى الإسلام ، ففنّدها بأسلوب علمي ، وأزال الغموض عنها ، مما أتاح لنا فرصةً لفهم ما نقوم به من عبادات في ضوء العقل والمنطق . وأبدع في توضيح معنى ” المعجزة ” والحروف المقطعات . امتاز أسلوبه بالسلاسة والجاذبية ، وزاد من أثره استخدامه لعبارات فكرية أثارت فينا الشغف والاهتمام . وفيما يلي أستعرض بعضاً من العبارات الملهمة .
- يكتب الدكتور في مقالة ” إذا كان الله قدّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني ؟ ” ” إن أتفه المقدمات ممكن أن تؤدى إلى أخطر النتائج . . وأخطر المقدمات ممكن أن تنتهي إلى لا شيئ . . وعالم الغيب هو الذي يعلم قيمة كل شيئ ” . . [20] .
- ويكتب في مقالة ” الصيام ” ” الله أعطانا الحرية أن نعلو على رضاه ( فنعصيه ) . ولكن لم يعط أحداً الحرية في أن يعلو على مشيئته ” . . [21] .
- ويكتب في مقالة ” هل الدين أفيون ؟ ” ” و التفاوت بين الناس حقيقة جوهرية . ولم تستطع الشيوعية أن تلغي التفاوت . ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة . والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين ” [22] .
- يكتب في مقالة ” حكاية الإسلام مع المرأة ” فيقول : ” ويمكن أن نتصور حال أمة ، نساؤها في الشوارع والمكاتب وأطفالها في دور الحضانة والملاجئ . . أتكون أحسن حالاً أو أمة النساء فيها أمهات وربات وبيوت والأطفال فيها يتربون في حضانة أمهاتهم والأسرة فيها متكاملة الخدمات ” [23] .
- ويكتب في مقالة ” كلمة لا إله إلا الله ” ” إن لا إله إلا الله ” لمن يعمل بها وليست لمن يشقشق بها لسانه ، ” لا إله إلا الله ” منهج عمل وخطة حياة وليست مجرد حروف ” [24] .
هذه هي بعض الأمثلة لجمل فكرية ، والكتاب كله مملوء باللآلي والجواهرات من الفكر في بيان حكمة ما فرض الله لنا من الأوامر والنواهي ، ويأخذ بيد القارئ ويدخل في عالم جديد ، فالقارئ يعرف كيف ينظر في الأشياء والأمور .
الاستنتاجات : الكتاب من أشهر مؤلفات الدكتور ، إنه مجموعة من المقالات للدكتور مصطفى محمود ، التي كتبها وفنّد فيه دسائس أعداء الإسلام . وأزال الشبهات حول الإسلام ، ورد على العلمانيين وفلسفة دارون وغيرها ، بالاستدلال من القرآن والسنة وشيئاً من التاريخ ، والعقل والعلم ، وقد اعتمد الدكتور في ردوده على منطق عقلي فلسفي ، يجمع بين الحجة العقلية ، والفطرة السليمة ، والنظر في الواقع ، دون أن يغفل بعض الإشارات إلى المعاني الإيمانية والشرعية ، وقد كانت أبرز مميزات ردوده هو وضوح الأسلوب ، وقوة العرض ، وربط الفكرة بالمثال الواقعي والحياتي ، مما يجعل القارئ قادراً على التفاعل مع القضايا المطروحة وفهمها بسهولة . ومع ذلك فإن بعض المواضع في الكتاب كان يمكن تعزيزها بدقة أكبر من حيث التوثيق الشرعي والعمق العقدي .
وبالجملة ، فإن كتاب ” حوار مع صديقي الملحد ” يعد من أبرز الكتب العربية التي خاطبت الإلحاد خاصةً والعقل عامةً بلغة المنطق والعقل ، وهو يستحق أن يكون محل دراسة وتأمل في المحافل العلمية والدعوية ، لما فيه من نماذج راقية في الحوار والجدال الحسن ، ومنهجية متوازنة في التعامل مع الشبهات ، تجمع بين الحكمة والموعظة الحسنة . بعد قراءة الكتاب نحن نستطيع أن نجد جواباً شافياً على بعض أسئلة تجري فينا حول بعض أعمال الشريعة من الناحية العقلية والعلمية ، نحو الصيام والزكاة والرمي والذبح والطواف وغيرها ، وكذا نجيب بمن يثير السؤال حول تعاليم الإسلام .
الحقيقة التي لفتت انتباهي هي ربط الكاتب لكل شرح بأحداث واقعية ، ويجعلك تقارن بين ذلك الواقع الذي عاشه وواقعنا الحالي ، وبين الأشخاص الذين التقاهم وحاورهم ، وبين أناس نلتقيهم كل يوم ونجادلهم ، بعد قراءة الكتاب ستتهيأ لتناقش سلوكاتك أكثر ، وتطلق العنان لعقلك ليتدبر أكثر ، لقلبك ليتفقه أكثر . وكان الدكتور يقدم العقل على النقل ، وفسّر بعض الآيات تفسيراً علمياً بحتاً ، لكن علينا أن نقرأ الكتاب ونتعامل مع مؤلفه الدكتور على أساس أن الرجل رجل فيلسوف ليس رجل دين ، وكذا نفهم أن الدكتور إنساناً مسلماً مجتهداً يجتهد في تعليم دينه ، فيصيب مرةً ، ويخطئ أخرى ، وليس عالماً يؤخذ منه أحكام الشريعة .
قائمة المصادر والمراجع :
- د . مصطفى محمود ، الإسلام . . ما هو ؟ ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر .
- د . مصطفى محمود ، حوار مع صديقي الملحد ، دار العودة ، مصر ، 1986م .
- د . مصطفى محمود ، رحلتي من الشك إلى الإيمان ، ط 9 ، دار الكتب للنشر والتوزيع ، القاهرة .
- د . مصطفى محمود ، الطريق إلى المدينة ، ط 1 ، دار العودة ، بيروت .
- السيد الحراني ، مذكرات د . مصطفى محمود ، ط 7 ، دار الكتب للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2014م .
- مأمون غريب ، مصطفى محمود مفكراً إسلامياً ، دار الفيصل للتأليف والترجمة والنشر ، 1988م .
- محمد فوزي ، اعترافات مصطفى محمود ، دار النشر هاتييه .
- محمد المجذوب ، علماء ومفكرون عرفتهم ، ج 1 ، ط 4 ، دار الشواف للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1992م .
- محمد الهواري ، أعلام الأدب العربي المعاصر ، دار الكتب العلمية ، لبنان ، 2017م .
* raihansiwan@gmail.com
[1] السيد الحراني ، مذكرات د . مصطفى محمود ، ط 7 ، دار الكتب للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2014م ، ص 18 .
[2] محمد فوزي ، اعترافات مصطفى محمود ، دار النشر هاتييه .
[3] حوار مع صديقي الملحد ، د . مصطفى محمود ، دار العودة ، مصر ، 1986م .
[4] نفس المصدر ، ص 158 – 159 .
[5] المصدر السابق ، ص 82 – 85 .
[6] نفس المصدر ، 22 – 23 .
[7] المصدر السابق ، ص 61 – 63 .
[8] نفس المصدر ، ص 86 – 112 .
[9] نفس المصدر ، ص 137 – 145 .
[10] نفس المصدر ، ص 122 – 132 .
[11] نفس المصدر ، ص 57 – 65 .
[12] نفس المصدر ، ص 113 – 121 .
[13] الكتاب مليئ بأمثلة لهذه الأساليب .
[14] نفس المصدر ، ص 45 .
[15] نفس المصدر ، ص 34 – 37 .
[16] نفس المصدر ، ص 120 .
[17] نفس المصدر ، ص 61 .
[18] المصدر السابق ، ص 137 – 144 .
[19] الكتاب كله مشحون بهذا .
[20] نفس المصدر ، ص 12 .
[21] نفس المصدر ، ص 18 .
[22] نفس المصدر ، ص 47 .
[23] نفس المصدر ، ص 58 .
[24] نفس المصدر ، ص 132 .

