صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
الإلحاد وأسباب انتشاره
الأستاذ حسّان أبو المكرم *
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمدّّ وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .
فقد قال الله تعالى : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلََٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللََُّّه عَلَىَٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىَٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىَٰ بَصَرِِه غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللََِّّه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . وَقَالُوا مَا هِيَ إِلََّّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلََّّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذََٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلََّّا يَظُنُّونَ ) [1] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ثلاثٌ مُهلِكاتٌ ، وثلاثٌ مُنْجِياتٌ ، فقال : ثلاثٌ مُهلِكاتٌ : شُحٌّ مُطاعٌ ، وهوًى مُتَّبَعٌ ، وإعجابُ المرءِ بنفسِه . وثلاثٌ مُنجِياتٌ : خشيةُ اللهِ في السرِ والعلانيةِ ، والقصدُ في الفقرِ والغِنى ، والعدلُ في الغضبِ والرِضا ” [2] .
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، وهذا هو الواقع ، فقد وجدت فرق كثيرة ضالة في هذا الكون ، منها كانت قريبةً للإسلام ، ومنها من زلت بعيداً عن الإسلام وأصوله ومعتقداته ، ومنها ما كانت مذاهب فكريةً تعتمد على النظريات والتجربة والعقل وغير ذلك .
ومن هذه المذاهب الفكرية المعاصرة مذهب ( الإلحاد ) والتي ترجع أصولها إلى العقل والنظريات ، وقد انتشرت بكثرة في أنحاء العالم وما زال انتشارها يزداد يوماً فيوماً لأسباب عديدة سنحاول أن نذكر بعضاً منها على سبيل المثال مع مراعاة الاختصار .
ليس هذا فحسب ، بل هناك مراكز خاصة لنشر الفكر الإلحادي وتوعية المجتمع لها ، ويحاولون أن يدسوا السم في العسل ، وقد دخلت هذه النزعة في كثير من شبابنا واغتروا بهذا الفكر المدمر ، فنسأل الله السلامة لنا ولهم ولجميع المسلمين .
هذه حقيقة مؤلمة عندما نرى أن شبابنا بدؤوا يخوضون ويجادلون في موضوع الإلحاد دون علم أو خلفية ، فنرى أنهم يقتنعون بتلك الأساليب والأفكار التي يطرحونها ، إما عن علم غير مقتنع أو اغتراراً بكلامهم أو حباً وإعجاباً لشخصياتهم وتماشياً مع العصر الراهن ، بل الأغرب من هذا أن هناك بعض الشخصيات دخلت في فكرة الإلحاد تدريجياً دون أدنى شعور بذلك ، ولم يستطيعوا أن يخرجوا منها ، بل تعصبوا لها وأيدوا لها بكل قوة ووافقوا معهم ، والله المستعان .
تعريف الإلحاد لغةً واصطلاحاً :
الإلحاد لغةً : الميل والانحراف .
شرعاً : الميل عما يجب اعتقاده أو عمله [3] .
المراد بالإلحاد هو : ” مذهب فلسفي يقوم على فكرة عدمية أساسها إنكار وجود الله الخالق سبحانه وتعالى :
- فيدعي الملحدون بأن الكون وجد بلا خالق
- أن المادة أزلية أبدية ، وهي الخالق والمخلوق في الوقت نفسه .
ومما لا شك فيه أن كثيراً من دول العالم الغربي والشرقي تعاني من نزعة إلحادية عارمة جسدتها الشيوعية المنهارة والعلمانية المخادعة ” [4] .
و ” قد أصبح الإلحاد هو الدين الرسمي المنصوص عليه في كل دساتير البلدان الأوربية والأمريكية ، ويعبر عن ذلك بالعلمانية تارةً ، واللادينية تارةً أخرى ، وكل ذلك يعني الإلحاد والكفر بالله .
وفي الشرق تقوم أكبر دولة على الإلحاد وهي الدولة الروسية ، التي تحمل العقيدة الشيوعية التي من بنودها رفض الغيب كله ، والقول بأن الحياة مادة فقط ، وأن صراع الإنسان في هذه الحياة إنما هو من أجل العيش والبقاء فقط ” [5] .
سبب نشأة فكرة الإلحاد :
الحقيقة أن لسبب نشأة فكرة الإلحاد تاريخاً كبيراً ، يحتاج إلى ذكر التفاصيل الدقيقة حول هذا الموضوع ، ولكن باختصار يمكن أن نقول : من أهم الأسباب لظهور فكرة الإلحاد الرد على سلوكيات رجال الكنيسة ، والسيطرة عليهم والتجنب من طغيانهم وظلمهم ، ومما لا ريب فيه أن ” هذه فكرة شيطانية باطلة لا يقبلها عقل ولا منطق غذاها اليهود لتحطيم حضارات وأديان العالم كله ، لإقامة حكمهم في الأرض كلها كما دونوه في كتبهم [6] .
” لذا فلم يكن الإلحاد ظاهرةً جماعيةً على امتداد التاريخ الإنساني ، وإنما كانت نزعات شاذةً من قبل اليهود حتى تقتضي به على جميع الأديان ليسهل عليهم بعد ذلك إقامة دولة اليهود الكبرى التي يحلمون بها ” [7] .
يقول الدكتور أبو زيد مكي في كتابه ” دلائل الربوبية ” : ” إن أبرز أسباب ظهور الإلحاد في أوروبا خمسة :
(1) الديانة النصرانية المنفردة في عقيدتها وشريعتها ، لأنها عقيدة غير مقبولة عقلاً وفطرةً ، كالقول بألوهية المسيح وعقيدة التثليث ، ولأنها تشتمل على شريعة مليئة بالأسرار والرموز غير المقنعة ولا محققة لصلاح الدنيا والدين كسر التعميد وسر الاعتراف ، ليس هذا فحسب بل فيها عبادة الصور والتماثيل وفيها نظام الرهبانية والعزوبة والتجرد والتعذيب الجنوني وتحريم الطيبات وغير ذلك .
(2) طغيان رجال الكنيسة المبغض في رجال الدين في مجالات شتى كالتعبدية والعلمية وفرض الوساطة بينهم وبين الله تعالى ، وكذلك فرض العشور والسخرة والخضوع المذل .
(3) حدوث الصراع بين الدين الكنسي والكشوف العلمية ، وذلك لأمرين :
-أن خرافات الكنيسة هي وحي من الله ، فإذا بطل الوحي بطل الإيمان بالله .
-التفسير الديني عموماً لظواهر الطبيعة قائم على التدخل المباشر من الله لها ، فإذا عرفوا القانون قالوا بأن الطبيعة تحكم نفسها بنفسها .
(4) دور اليهود في نشر الإلحاد ، لأن العداوة بين اليهود والنصارى مزمنة ، وكانت الكنيسة أيام سيطرتها تضطهد اليهود بسبب فسادهم وإفسادهم .
(5) غياب الأمة الإسلامية عن بيان الدين الإسلامي [8] .
وكذلك من الأسباب أيضاً ” المناداة بإطلاق الحريات للناس : الحريات الشخصية وحرية الكلمة وحرية التصوف وحرية التدين وحرية الاقتصاد وحرية الفكر وغير ذلك ” [9] .
مراحل نشأة الإلحاد :
يرى بعض الباحثين أن هناك سبع مراحل لنشأة الإلحاد :
(1) مرحلة طغيان الكنيسة العلمي وانتصارها على الكشوفات العلمية ، ولذا قاموا بتحريف حقائق الوحي الإلهي وخطلها بنظريات البشر ، وقاموا بإدخال تلك النظريات ضمن العقيدة النصرانية .
(2) مرحلة تقسيم مجالات المعرفة بين رجال الكنيسة وأصحاب الكشوف العلمية ، وتوصف هذه المرحلة بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة مع بقاء الوحي في مجاله .
(3) مرحلة انتصار أصحاب الكشوف العلمية على رجال الكنيسة ، فكان أبرز ما في هذه المرحلة : جعل العلم ميزاناً للكتب المقدسة لديهم .
(4) مرحلة الإلحاد الربوبي : وخلاصة قولهم : يوجد رب لكن انتهت علاقته بالكون .
(5) مرحلة تأليه الإنسان : وهذه المرحلة هي مرحلة : الإنسان هو الإله وهو المعبود .
(6) مرحلة الديانة الإنسانية : هذه المرحلة هي مرحلة : لابد من دين ، فوضعوا الديانة الإنسانية .
(7) مرحلة الإلحاد الجديد : وهي أفكار طرحتها مجموعة من الكتّاب الملاحدة ، وعرفت هذه المجموعة بمهاجمتها الدين والإله والمناهج الدينية ونبذ الدين عموماً والإسلام خصوصاً [10] .
أسباب انتشار الإلحاد :
هناك أسباب كثيرة لنشر الإلحاد يصعب حصرها في هذه العجالة ، لكن نحاول أن نذكر بعضاً منها على شكل نقاط :
- الكنيسة الأوروبية
- مظالم العالم الرأسمالي
- ظهور المذاهب الاقتصادية الإلحادية
- اقتران الإلحادية بالقوة المادية
- هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوروبية
- الحياة الجديدة ومباهج الحضارة والتلذذ بالحياة
- دوامة الحياة [11]
- المخترعات التي قامت على أساسه
- توسيع دائرة معارف الناس بالكون
- الاعتماد على العقل
- التقابل بين العلم الطبيعي والدين [12]
- إبعاد المسلمين عن دين الإسلام
- حب الشهوات
- النظريات العلمية [13]
- هيمنة الغرب
- التناقض الشديد بين الذي ورثوه والعلم التجريبي
- الخوض في مسائل الغيبيات
- التعصب للنظريات العلمية
- التناقض في فكرة الألوهية
- القواعد الفكرية التي أصلّت واحترمت
- كثرة الحروب والمآسي التي حدثت في التاريخ
- اتباع طرق خداعة ووسائل مغرية
- التناقض بين الإيمان وحقائق العلم الطبيعي
- التناقض بين فكرة الخلق وفكر الأسباب
- نشر ودراسة هذه النظريات الإلحادية [14] وغير ذلك من الأسباب …
خلاصة البحث :
الإلحاد بجميع أقسامه ومراحله خطر على المسلمين ، وبدأ ينتشر بسرعة فائقة لا يمكن تصورها ، بأساليب متنوعة ومجالات مختلفة حتى يتمسك بها الفرد ويتعصب لها دون شعور ، ثم إذا استقرت أصوله ومعتقداته ورسخت أفكاره تعصب لها ودافع عنها ونشرها ، وهو يشعر بأنه في قمة الحرية وقمة السعادة ، وكأنه أخذ حظاً وافراً من دنياه .
ولذا نجد أنهم قد ركزوا على أهم الوسائل التي تكون عوناً لهم في نشر دعوتهم ، كالكتب الإلحادية والروايات ، ومواقع التواصل الاجتماعي ، والمقالات المزخرفة بالأقوال ، والإعلام الجديد والمواقع الإلكترونية ، وكذلك اللقاءات المباشرة والجلسات الحوارية الخاصة ، والأفلام والمسلسلات أيضاً وغير ذلك من الوسائل المستجدة .
فالكتب الإلحادية والروايات وخصوصاً الروايات المغرية والماجنة تثقف الشك وتهدم العقيدة وتثير الغرائز ، وكذلك القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت والإعلام الجديد والأفلام وغير ذلك كلها تعرض مفاهيم الإلحاد بكل وضوح ، وتمجد دعاتها وتنشر الرذائل وتعدم الفضائل ، فنرى الانحطاط الأخلاقي في المجتمع والتفتح والسخرية بالدين وعلماء الدين واستحقارهم واستخفافهم واتهامهم بالرجعية والتدخل على حريات الناس .
لذا ينبغي أن يكون طالب العلم على حذر تام منهم قبل أن يصاب بالقلق والاضطراب والصراع النفسي والأنانية ، ويفقد السعادة الروحية والروحانية ، ويدعو إلى توحيد الله سبحانه مع طلب العون والتوفيق والسداد منه سبحانه ، ويعتني بالتربية الخلقية ويتصدى لشبهاتهم ويرد عليهم ويبين محاسن الإسلام وفضائلها وينشرها للناس .
والله ولي التوفيق .
ولا أنسى أن أذكر من أهم المواقع الإلكترونية التي تهتم بجانب الرد على الإلحاد والملاحدة مناقشتهم ، موقع ” مركز دلائل ” ، وكذلك ” تكوين للدراسات والأبحاث ” و ” يقين ” وغير ذلك .
وختاماً … أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما قدمنا وكتبنا في هذا البحث المختصر ، نسأل الله السلامة من الفتن ونطلب منه التوفيق والعون والسداد .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المراجع والمصادر :
- القرآن الكريم
- دلائل الربوبية ، د . أبو زيد بن محمد مكي ، ط 2 ، 1439هـ/ 2018م ، مركز تكوين للدراسات والأبحاث .
- المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها ، د . غالب بن علي عواجي ، ط 1 ، 1427هـ/2006م ، المكتبة العصرية الذهبية .
- الإلحاد أسباب هذه الظاهرة وطرق علاجها ، عبد الرحمن عبد الخالق ، ط 2 ، 1402هـ ، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ، الرياض .
- الفيزياء ووجود الخالق ، أ . د . جعفر شيخ إدريس ، ط 1 ، 1422هـ/2001م .
- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ، ط 4 ، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع .
- فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها ، د . غالب بن علي عواجي ، كتاب إلكتروني .
- موسوعة الفرق ضمن موقع الدرر السنية .
- مذكرة لمقرر 328 سلم ” العقيدة الإسلامية والمذاهب الفكرية المعاصرة ” ، بجامعة الملك سعود بالرياض .
* الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
[1] سورة الجاثية : 23 – 24 .
[2] حسنه الألباني في السلسلة ، 1802 .
[3] انظر مذكرة لمقرر 328 سلم ص 11 ، لكلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض .
[4] الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة ، ج 2 ، ص 803 .
[5] الإلحاد أسباب هذه الظاهرة وطرق علاجها ، 6 – 7 .
[6] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها ، 1003 .
[7] المرجع السابق بتصرف يسير ، 1005 .
[8] انظر دلائل الربوبية ، 150 – 159 ، للدكتور أبو زيد بن محمد مكي .
[9] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها ، 1005 .
[10] انظر دلائل الربوبية ، 160 – 169 ، للدكتور أبو زيد بن محمد مكي .
[11] مقتبس بتصرف من كتاب الإلحاد أسباب هذه الظاهرة وطرق علاجها ، 8 – 17 .
[12] الفيزياء ووجود الخالق ، للدكتور جعفر شيخ إدريس .
[13] دلائل الربوبية ، 168 – 179 .
[14] انظر المذكرة لمقرر 328 سلم ، لكلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض .

