العالم الأديب نذير أحمد الندوي : رجل المواهب والقدرات

مايو 24, 2026
أخانا الراحل الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026
مايو 24, 2026
أخانا الراحل الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله
مايو 24, 2026

أيقونة العلم والأدب فقدناه :

العالم الأديب نذير أحمد الندوي : رجل المواهب والقدرات

الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد :

فقد فُجِعَت ندوةُ العلماء ومعها أوساط العلم والأدب في الهند بوفاة الأديب الأريب ، العالم النبيل ، المؤمن الكريم ، المعلّم الرحيم ، الأستاذ نذير أحمد الندويّ رحمه الله ، الذي وافته المنية يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الآخر سنة 1447هـ ، الموافق 7 أكتوبر 2025م .

كان الأستاذ نذير أحمد الندويّ رحمه الله نموذجاً فريداً في التواضع والصدق والإخلاص ، ربّانيّاً نقيَّ القلب ، لطيف الطبع ، متواضع النفس ، متحلياً بجميل الشيم ونبيل السجايا ، يفيض علماً وأدباً وتواضعاً ، ويجمع بين عمق الفكرة ولطافة الأسلوب ، وبين نور الإيمان وجمال البيان ، يؤثر الخفاء والخمول على الظهور والسمعة ، و الصمت على الكلام .

كان الأستاذ نذير أحمد الندوي مثالاً نادراً في الصبر والمثابرة ، وعلَماً في العلم والأدب ، ورمزاً للتواضع والزهد والسكينة . ابتُلي بالمرض سنين طوال ، ومع ذلك ظلّ قائماً برسالته في التعليم والتربية حتى آخر أيامه . كان مريضاً شديد المرض ، فتم إدخاله المستشفى للعلاج ، ومع ذلك كان يأتي يومياً ليُدرّس طلابه ، ثم يعود ليُعالَج داخل المستشفى ، إن دل ذلك على شيئ فإنما يدل على حبه لمهنة التدريس ، وشغفه بالتعليم والتربية ، والصدق والانهماك في خدمة العلم وأهله .

كان رحمه الله واسع الاطلاع ، بصيراً بأسرار العربية وآدابها ، له ذوق سليم في البيان ، وملكة في إصلاح الأسلوب وتقويم العبارة ، يزن الألفاظ بميزان دقيق ، ويحرص على أن يكون الكلام واضحاً وسليماً من التعقيد . وكان محل ثقة كبار الأدباء والمشائخ في ندوة العلماء ، حتى كانوا يعتمدون عليه في مراجعة بعض المقالات أو الكتب قبل نشرها ، لما عرفوا فيه من أمانة لغوية وذوق رفيع في إصلاح النصوص ، وكان هذا الاعتماد وسام تميّز علمي وأدبي له .

وعلى سعة علمه وعمق ثقافته ، كان متواضعاً ساكن الطبع ، هادئ السيرة ، لم يُعرف عنه كِبر ولا حرص على جاه أو مكانة . يتحدث بعمله لا بنفسه ، كالغصن المثمر كلما ازداد حمله ازداد تواضعاً . وكان رقيق القلب ، لطيف المعاملة ، عذب اللسان ، لا يجرح أحداً ، ولا يرد قبيحاً بمثله ، دائم البشر ، وافر الحلم ، مكسور القلب ، رقيق الإحساس ، يعيش دائم التأمل ، ينتظر رحمة الله ورضاه ، ولا يعرف أن يكسر قلب أحد من الناس .

وكان من أوفى تلامذة الشيخ الجليل الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي حفظه الله ، نهل من مدرسته العلمية والأدبية ، وتشرّب منه ذوق العربية وسموّ الفكر ، فكان امتداداً صادقاً لذلك النور العلمي والبياني الذي حملت ندوة العلماء رايته جيلاً بعد جيل .

امتاز بدقة المراجعة وحسن التهذيب ، خصوصاً في اللغة العربية ، فكان يراجع النصوص مراجعةً دقيقةً هادئةً ، يُصلح العبارة وينمقها ويهذبها .

عاش رحمه الله زاهداً عفيفاً ، متجافياً عن الدنيا ، مستغنياً بالله عن الناس ، لم يطلب جاهاً ولا نفعاً ، بل اكتفى بشرف خدمة العلم والتعليم . كان راضياً قانعاً ، ساكن النفس ، مطمئن القلب ، يعيش في ظل الرضا واليقين ، وتلك هي السيادة الحقيقية التي تُلقي المهابة في القلوب بلا تكلف ولا طلب .

كان واسع الثقافة ، بارعاً في العربية والأردية والإنجليزية والهندية ، وله اطلاع على السنسكريتية ، مما فتح له آفاقاً رحبةً في الفهم والمقارنة ، وأكسب دروسه بعداً يجمع بين الأصالة والانفتاح . وكان كثير الذكر ، موصول القلب بالله ، يزن كلماته ويحسن سكوته كما يحسن بيانه ، يجمع بين نور الفكر وصفاء الذكر .

وحين ودّع الدنيا عمّ الحزن ندوة العلماء ، وارتفعت كلمات الرثاء من تلامذته ومحبيه ، كأن الله أراد أن يظهر فضله بعد وفاته كما أخفى ذكره في حياته . عاش صامتاً عن نفسه ، فتكلمت أعماله بعد رحيله ، وبقي أثره شاهداً عليه .

إنّ سيرته تذكّر بأن الصبر ليس سكوتاً بل هو استمرار في العمل ، وأنّ التواضع سر القبول وزينة العلماء ، وأنّ العربية ليست علماً فحسب بل حياة ووجدان ، وأنّ من عاش للعلم مخلصاً عاش بعد موته خالداً . رحم الله الأستاذ نذير أحمد الندوي ، فقد جمع الله له خصال الخير كلها : علماً وعبادةً ، أدباً وزهداً ، تواضعاً وحياءً . نحسبه ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وممن يصدق عليه قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) .

جعل الله قبره روضةً من رياض الجنة ، وألهم أهله الصبر والسلوان ، ووفقنا للاستمرار في خدمة العلم والدين .