العالم الأديب نذير أحمد الندوي : رجل المواهب والقدرات
مايو 24, 2026سيرة الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي لا تُنسى أبداً
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
أخانا الراحل الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله
الأستاذ محمد علاء الدين الندوي *
تعريب : الأخ تهذيب عالم بن عبد الرزاق §
كان الأخ الدكتور نذير أحمد الندوي رجلاً كريماً موقراً لدى الطلبة ، واسع الثقافة ، سمح الأخلاق ، حسن العشرة ، لين الجانب ، وكان أصغر مني تلميذاً ودارساً في دار العلوم نحو ثماني سنوات . وقد قوي انتماؤه بدار العلوم بعد تخرجه إذ صار موظفاً في مكتب الرائد ، وبعد مدة غير طويلة كان أحد أعضاء هيئة التدريس . وقد أفنى حياته في خدمة دينه تدريساً وتلقيناً ، وتعليماً للغة العربية التي أتقنها وتثقف بها .
أتممت دراستي في ندوة العلماء عام 1978م ، ولما عدت بعد سنوات قضيتها في أرض المدينة المنورة المقدسة كدارس ، وفي غرب أفريقيا كمدرس وداعية في عام 1997م إلى ندوة العلماء كان الأستاذ نذير أحمد الندوي يدرس في دار العلوم منذ مدة . وقد اتفق لنا أن نسافر معاً كأستاذين زائرين إلى ولاية كيرالا ، وإلى زيارة عديد من المدارس في ولاية غوجرات ، والإنسان قد تنكشف شخصيته ويظهر سلوكه في الرحلات ، أو بتعامله في شئون الحياة .
كانت وفاة الأستاذ نذير أحمد الندوي ورحيله فاجعةً مؤلمةً لنا جميعًا . كان – رحمه الله – قد عرف قيمة الزمن ، فاهتم به أيما اهتمام واغتنمه كغنيمة باردة ، وأن الفقيد قد أرهقه مرضه الممض المضني ، ومع ذلك لم يكن يتخلف عن الحضور في الفصول الدراسية ، وكان يشاركنا في جميع البرامج التي تعقدها كلية اللغة العربية والنادي العربي ، وكان خير معين لنا في كل الأمور وخير مشرف على النشاطات الطلابية . نعتقد أن رحلة الأستاذ من هذه الناحية كان لنا خسارةً كبيرةً ، فقد كان مدرساً مثالياً ، ذا معرفة موثوق به ، وذا خبرة باللغة العربية ، وتفهيم النصوص الأدبية في المقررات الدراسية ، وذا اطلاع واسع على القواعد العربية نحو وصرفاً .
لقد سمعنا مراراً وتكراراً قولة القائل : ” موت العالم موت العالم ” . وتوحي هذه المقولة : أن العالم – كالفقيد الراحل – الذي تلقى العلوم الدينية ، وعمل بها ، وقام بتبليغها خير قيام ، ثم اختلسه الموت ، فليس موته كعامة الناس . لأن العالم الحق ، الورع التقي هو دائماً يكون في ذكر الله عز وجل ، إما بلسانه ، إما بقلبه ، إما بشغله الديني ، إما بسلوكه الطيب ، إما بسعيه البليغ ينفع به الآخرين إما بدراسته ، وبمحاضراته ووعظه ونصيحته للمسلمين ، إما بفكره وتأملاته – هذه الأبواب كلها مداخل لذكر الله تبارك وتعالى .
كل عالم له عالمه الخاص في محيطه ، ربما يكون ضيقاً محدود النطاق ، أو واسعاً كثير الجهات ، مترامية الأطراف ، هو يتجول في عالمه ، ويمارس دعوته ، أو يقوم بالتعليم والتدريس ، وهذه الأعمال كلها خير وبركة وفيها نفع كثير للمسلمين . وقد قال المسيح عليه السلام : ” لا يعيش الإنسان بالخبز وحده ” . ومعنى ذلك الإنسان يعيش بالغذاء الروحي ، والغذاء الروحي هو ذكر الله الأشمل ، وقد ورد في الحديث ما معناه : حينما لا يبقى أحد من يقول ” لا إله إلا الله ” تقوم الساعة ، أي يصاب الكون كله بالموت والفناء والدمار لحرمانه من ذكر الله .
إن موت الإنسان العادي هو انقطاع حياته وحده ، وأما موت العالم فحزن وهم ، وحرمان وبلوی وامتحان لأهل الأرض ، إذ ينقطع فيضه ، ونفعه عن الناس .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الموت للمؤمن تحفة الحياة وجائزتها وبشراها من الرب سبحانه وتعالى ، وهو جسر يمر به الإنسان ليلقى ربه تبارك وتعالى الموت رمز الولاية ، والحب الإلهى ، ولذلك قال الله تعالى متحدياً اليهود : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صادِقِينَ ) [ الجمعة : 6 ] تمنوا الموت كي تستريحوا من بلاء الدنيا ومشقتها ، وتنالوا ما تزعمون من حب الله لكم خالصاً .
لقد فقدنا الأستاذ نذير أحمد ، وكان أستاذاً موفقاً ، ومعلماً مخلصاً ، ومربياً خبيراً ، وانتقل إلى رحمة الله تعالى عن عمر ناهز التاسعة والخمسين بعد إصابته بنوبة قلبية . ونحن محزونون على هذا الحادث الكتيب الفاجع ، ولا مساغ لنا إلا أن نقول انطلاقاً من الإيمان بالله وبقوله تعالى : ( كُلُّ نَفسٍ ذَائِقَةُ الموتِ ، وَنبلُوكُم بالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً ، وَإلَينَا تُرجَعُون ) [ الأنبياء : 35 ] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن لله ما أخذ وله ما أعطى ، وكل شيئ عنده بأجل مسمى ” .
تعالوا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرحمه رحمةً واسعةً ، ويغدق عليه شآبيب رحمته ، ويغفر له زلاته ، ويدخله فسيح جناته ، ويلهم أهله وأولاده الصبر والسلوان . ويلحقنا به في جنات النعيم ، آمين يا رب العالمين !
* عميد كلية اللغة العربية وآدابها .

