الصور البلاغية في صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني ( الحلقة الثانية الأخيرة )

مكانة الجاحظ في النقد الأدبي
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الخامسة الأخيرة )
مايو 24, 2026
مكانة الجاحظ في النقد الأدبي
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الخامسة الأخيرة )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

الصور البلاغية في صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني

( الحلقة الثانية الأخيرة )

الباحث محمد إنعام الحسن البخاري *

الدكتور علي إبراهيم الجمالي §

أبرز الصور البلاغية في ” صفوة التفاسير ” :

لقد تناول الصابوني مجموعةً واسعةً من الصور البلاغية ضمن الأقسام الرئيسية لعلم البلاغة [1] :

أولاً : علم المعاني :

يركز هذا العلم على مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وقد تناول الصابوني فيه أساليب متنوّعةً :

أساليب الخبر والإنشاء :

الخبر : يوضح الصابوني كيفية ورود الخبر ومؤكداته أو خلوه منها حسب حال المخاطب . ففي قوله تعالى : ( أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) [2] ، يذكر أربعة مؤكدات : ” ألا ” الاستفتاحية ، و ” إن ” المؤكدة ، وإيقاع الجملة الاسمية على الفعلية ( فلم يقل ” ستنصرون ” ) ، وإضافة النصر إلى رب العالمين . وفي قوله : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [3] ، يرى أن الخبر جاء خالياً من التأكيدات ، لأن الناس من ينكر وحدانية الله ، فينزل المنكر منزلة غير المنكر لوضوح البراهين لديهم . وفي قوله : ( أُوْلَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) [4] ، يرى أن الخبر جاء فعلاً ماضياً ” صدقوا ” لإفادة التحقق والثبوت ، بينما الخبر الثاني في ( وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) جاء جملة اسمية تدل على الثبوت والاستقرار ، وأن التقوى سجية لهم .

الأمر والنهي : يبيّن الصابوني أن الأمر قد يأتي في صيغة الخبر للمبالغة في التأكيد ، كقوله تعالى : ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ) [5] ،     فـ ” يتربصن ” خبر في معنى الأمر ، مؤكداً ومُشعراً بوجوب المسارعة إلى الامتثال . وفي النهي ، يرى أن ذكر العزم في ( وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ) [6] هو للمبالغة في النهي عن النكاح نفسه . كما يوضح أن النهي بصيغة الخبر أبلغ من النهي الصريح ، كقوله : ( فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ) [7] ، فإن فائدته أن هذا الأمر مما لا يناسب أن يوقع أصلاً ، فإذا كان منكراً في نفسه ، ففي أشهر الحج يكون قبيحاً وشنيعاً .

الإنكار : كما في قوله : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ) [8] ، فـ ” لَمَّا ” هنا تفيد النفي مع توقع وقوع المنفي ، والمعنى : لما ينزل بكم مثل ما أنزل بمن قبلكم ، وسينزل ، فإن نزل فاصبروا .

أساليب التعريف والتنكير :

يتعلق هذا بالوظيفية الخطابية للكلمة . يرى الصابوني أن التنكير قد يأتي للتهويل ، كما في قوله تعالى : ( فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) [9] ، فتنكير ” ظُلَلٍ ” يدل على تهويل الغمام . كما يشير إلى إظهار الاسم الجليل ( الله ) لتربية المهابة وإدخال الروعة في مثل قوله : ( فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [10] .

أساليب القصر :

يُعرف القصر بأنه تخصيص شيئ بشيئ بطريقة خاصة ، وينقسم إلى حقيقي وإضافي . يركز الصابوني على قصر الصفة على الموصوف ، كما في قوله تعالى : ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [11] ، حيث أكدت الجملة الاسمية بضمير الفصل ” هم ” ، فكأن الظلم قاصر عليهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم . وفي قوله : ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) [12] ، يرى أن الصيغة تفيد القصر لأن المبتدأ والخبر وردا معرفتين ، والمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت .

أساليب الإيجاز والإطناب :

الإيجاز : وهو أداء المعنى بعبارة ناقصة مع الوفاء بالغرض . يتناول الإيجاز بالحذف ، كما في قوله تعالى : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) [13] ، أي ” كانوا أمةً واحدةً على الإيمان متمسكين بالحق فاختلفوا ” ، والدليل على هذا المحذوف قوله : ( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) . ومثال آخر :    ( أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ) [14] ، فيه إيجاز بحذف ” المراضع ” أي : ” تسترضعوا المراضع لأولادكم ” . ويشير إلى ” إيجاز القصر ” الذي يعتمد على جمع الألفاظ القليلة للمعاني الكثيرة ، كما في قوله : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [15] .

الإطناب : وهو الإتيان بعبارة زائدة لفائدة خاصة . يوضح الصابوني الإطناب بالإجمال بعد التفصيل ، كما في قوله تعالى : ( تِلْكَ عَشَرَةٌ    كَامِلَةٌ ) [16] ، ففائدته زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها وعدم التهاون بها .

أسلوب الالتفات :

وهو نقل التوجه من خطاب إلى آخر ( متكلم ، مخاطب ، غائب ) . يذكر الصابوني أمثلة كـ ” الالتفات من الغيبة إلى التكلم ” في قوله :     ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [17] ، لإظهار الاهتمام بأمر الحشر . ومثل الالتفات من التكلم إلى الغيبة ثم إلى المتكلم في ( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) [18] لتربية المهابة والرهبة .

ثانياً : علم البيان :

يتناول هذا العلم الصور التعبيرية التي تُظهر المعنى الواحد بطرق مختلفة ، مثل التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية :

التشبيه :

يذكر التشبيه المرسل المجمل : ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ) و ( وَكَذَلِكَ  أَنزَلْنَاهُ ) . ويتناول التشبيه البليغ ( الذي حُذفت منه الأداة ووجه الشبه ) :     ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) ، أي هم كالصم في عدم سماع الحق ، وكالبكم في عدم الانتفاع .

يُفصّل في التشبيه التمثيلي ، وهو ما كان وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدد ، مثل قوله تعالى : ( كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ ) و ( كَمَثَلِ جَنَّةٍ     بِرَبْوَةٍ ) . كما يوضح التشبيه البليغ في ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) حيث جعلت الدنيا نفس اللعب واللهو مبالغةً .

الاستعارة :

يُبين الاستعارة المكنية ، كما في : ( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) ، حيث شبه النار بماء يورد وحذف المشبه به ورمز له بشيئ من لوازمه وهو الورد . يُظهر الاستعارة اللطيفة في : ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ) ، حيث استعار اللسان للغة والكلام . ويشرح الاستعارة التبعية في ( وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ) ، حيث شبه سرعة إفسادهم ذات البين بالنميمة بسرعة سير الراكب . يصف ( أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ) بأنها من أبلغ أنواع الاستعارة وألطفها ، حيث شبه اختلاط الأحلام باختلاط الحشيش المختلط .

المجاز :

مثل المجاز المرسل في ( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) ، ويراد به المصلون ، وهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل .

ثالثاً :  علم البديع :

يهتم علم البديع بتحسين الكلام وتزيينه ، وقد أورد الصابوني العديد من الصور البديعية [19] :

الطباق والمقابلة :

يذكر الطباق بين لفظين متضادين : ( عَالِيَهَا سَافِلَهَا ) و ( شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) . ويوضح المقابلة التي تكون بين معنيين أو جملتين متقابلتين :        ( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ) . وكذلك المقابلة اللطيفة بين العذاب والمغفرة في ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) و ( وَأَنَّ عَذَابِي ) .

الجناس والسجع :

يذكر الجناس بنوعيه ، مثل جناس الاشتقاق في ( أَرْسَلْنَا رُسُلاً ) . السجع اللطيف بين كثير من الآيات ، كقوله في نهاية مقطع من سورة الحج : السجع اللطيف بين كثير من الآيات .

اللف والنشر :

مثل اللف والنشر المرتب في : ( أَمَّا السَّفِينَةُ وَأَمَّا الْغُلَامُ وَأَمَّا الْجِدَارُ ) ، حيث جاءت الأجوبة مرتبةً بعد ذكر الركوب والقتل والبناء .

مراعاة الفواصل :

يشير إلى مراعاة الفواصل كخصيصة قرآنية تُضفي روعة بيانية وحسن وقع على السمع ، ويذكر أنها كثيرة في القرآن العظيم .

الأغراض والفوائد البلاغية :

لم يقتصر الصابوني على ذكر الفنون البلاغية فحسب ، بل تطرق إلى أغراضها وفوائدها التي تخدم المعنى القرآني :

التهييج والإلهاب : كقوله في ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم ) .

التعجيز والإهانة : كالأمر في ( قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ) .

تعليم الأدب مع الله : كقوله : ( أَنعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ . . . وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ) ، حيث أسند الخير إلى الله والشر لغيره . وكقوله ( فَأَرَدْتُ أَنْ        أَعِيبَهَا ) ، ثم ( فَأَرَادَ رَبُّكَ ) ، فأسند ما ظاهره شر لنفسه وأسند الخير إلى الله تعالى .

التشويق والحث على الإصغاء : كما في ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ) [20] .

الشواهد والتدليلات على الصور البلاغية :

استشهد الصابوني على الصور البلاغية التي أوردها بمصادر متعددة لتعزيز المعنى والتدليل على صحة استنباطه :

أقوال العلماء : نقل عن كبار علماء البلاغة والتفسير مثل أبي حيان الأندلسي ، والشريف الرضي ( صاحب تلخيص البيان في مجازات القرآن ) ، والطيبي ، وغيرهم . وأحياناً يكتفي بالإشارة إلى إفادة عالم معين للفن البلاغي بعبارة ” أفاده فلان ” أو ” أفاده في تلخيص البيان ” .

الآثار النبوية والقرآنية : دعم أقواله بآيات قرآنية أخرى تدل على نفس المعنى أو تُظهر تفنناً في التعبير ، كقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) . واستشهد بأحاديث نبوية شريفة توضح البعد البلاغي ، مثل : ” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ” لتفسير المجاز في ( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” إن من البيان لسحراً ” .

الاستشهاد بالشعر : أورد أبياتاً شعرية لبيان المعنى أو لتدعيم الشاهد البلاغي ، كما في استشهاده بشعر الخنساء عند شرح التشبيه البليغ ، أو قول الشاعر : ” وليس على الله بمستنكر  . . . أن يجمع العالم في واحد ” عند تفسير ( كَانَ أُمَّةً ) .

الأمثال والحكم : استعان بالأمثال والحكم الشعبية والمنتشرة لتوضيح المعاني البلاغية وتقريبها ، كقوله ” من حفر حفرةً لأخيه سقط فيها ” عند شرح الاستعارة التمثيلية ، وقول العرب ” خلق الإنسان من عجل ” للمبالغة في وصف الاستعجال .

آثار المفسرين والصحابة : نقل عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة والتابعين أقوالاً توضح دلالات الآيات بلاغياً .

الخاتمة :

إن استعراض الصور البلاغية في ” صفوة التفاسير ” للصابوني يكشف عن ثراء هذا العمل وعمقه في تناول بلاغة القرآن الكريم . لقد نجح الصابوني بمنهجه الواضح والمفصل ، في تقديم تحليلات دقيقة ومتكاملة للعديد من الفنون البلاغية ، مع إبراز أغراضها وفوائدها ، وتدعيمها بشواهد متنوعة من القرآن والسنة والشعر وأقوال العلماء . يُعد هذا التفسير بذلك مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والدارسين في مجال البلاغة القرآنية ، فهو لا يقتصر على التفسير اللغوي والشرعي ، بل هو رحلة معرفية عميقة في جماليات البيان الإلهي ، مما يعزز فهم إعجاز القرآن ، ويُسهم في تقديم البلاغة العربية بصورة متجددة تتناسب مع متطلبات العصر الحديث .

المصادر والمراجع :

  1. القرآن المجيد .
  2. الصابوني ، محمد علي ، صفوة التفاسير ، دار الصابوني ، بيروت ، ط 5 ، 1420هـ/1999م .
  3. الهاشمي ، السيد أحمد ، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ، دار المعرفة ، بيروت ، ط 1 ، 2005م .
  4. الجرجاني ، عبد القاهر ، أسرار البلاغة ، تحقيق : عبد الحميد هنداوي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 2001م .
  5. الجرجاني ، عبد القاهر ، دلائل الإعجاز في علم المعاني ، تحقيق : محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني بالقاهرة – دار المدني بجدة ، ط 3 ، 1992م .

* باحث الدكتوراه ، قسم اللغة العربية للماجستير والبحوث ، كلية جمال محمد ، التابعة لجامعة بهاراتيداسان ، تروشي ، الهند .  Email: buhariqasimi@gmail.com

  • الأستاذ المساعد والمشرف ، قسم اللغة العربية للماجستير والبحوث ، كلية جمال محمد ، التابعة لجامعة بهاراتيداسان ، تروشي ، الهند . Email: aliibrahimjamali@gmail.com

[1] الصابوني ، محمد علي ، صفوة التفاسير ، ( دار الصابوني ، بيروت ، ط 5 ، 1420هـ/1999م ) ، ج 1 ، ص 15 – 16 .

[2] سورة البقرة : 214 .

[3] سورة البقرة : 163 .

[4] سورة البقرة : 177 .

[5] سورة البقرة : 225 .

[6] سورة البقرة : 235 .

[7] سورة البقرة : 197 .

[8] سورة البقرة : 214 .

[9] سورة البقرة : 210 .

[10] سورة البقرة : 211 .

[11] سورة البقرة : 254 .

[12] سورة البقرة : 258 .

[13] سورة البقرة : 213 .

[14] سورة البقرة : 233 .

[15] سورة الأعراف : 54 .

[16] سورة البقرة : 196 .

[17] سورة الإسراء : 97 .

[18] سورة البقرة : 40 .

[19] صفوة التفاسير ، ج 3 ، ص 240 ، في شرحه للطباق والمقابلة .

[20] تتعدد أغراض البلاغة في القرآن الكريم ، ويمكن الرجوع إلى : مصادر البلاغة القرآنية وأغراضها ، ص 95 .