إرث الشيخ كوكن والدكتور الأعظمي : دراسة موضوعية
أغسطس 26, 2026بأقلام الباحثين :
الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين
الأخ عبد العلي الحسني الندوي *
إن الذكاء الاصطناعي كسائر المنصات الرقمية الأخرى سيفٌ ذو حدين ؛ إذا أحسن أحدٌ استعماله انتفع به انتفاعاً كثيراً ، وإذا أساء استخدامه أو استغله استغلالاً سيئاً ، لا يخسر أحدٌ أكثر مما يخسر نفسه . وكذلك حُسن استعماله يساعد في تعزيز الممارسات العلمية والدعوية وتوسيع أثرها وانتشارها ، وبإضفاء الطابع الإسلامي عليه واستخدامه المرن المطاوع له ، يستطيع العلماء والدعاة أن يقدموا خدماتهم من أقصى الدنيا إلى أقصاها ، وأن يبثّوا في الشباب المولعين بالحضارة الغربية المادية البحتة الروح الإسلامية الأصيلة من جديد ، بينما إن استُعمل بشكل خاطئ ومسيء فقد يدفع إلى هاوية الضلال والهلاك .
التحديات المعاصرة ومسؤولية الأمة :
فمن رجاحة الرأي وبعد النظر استلفات الانتباه إلى الأوضاع الراهنة الخطيرة والتحديات المستحدثة الصعبة التي يجتاز بها المسلم في هذا الزمن ، الذي تبلورت فيه التقنية الحديثة وامتدت أطنابها واحتوت على صغير وكبير وفقير وغني إلى حد كبير .
ومن المسؤولية التي تقع على عاتقنا إنما هو التصدي لهذه الجبهة المهمة الدقيقة ، والاستعداد لمكافحة المفاسد والسلبيات التي تتسرب إلى هذه الوسائل وتشوشها وتجعلها موضع الحظر الشديد ، وبذل قدر وافر من المجهودات المخلصة في إحباط العوامل الخارجية الموجهة لعداء الإسلام ، والذبّ عن ثغور هذه الوسائل ، بل محاولة أسلمتها بتعبير أدق .
الهجمة الفكرية الغربية وتأثيرها على المثقفين :
ومن واجب علماء الأمة ودعاتها مع ذلك أن يطّلعوا على الخطط الدسيسة للحضارة الغربية التي لا تدخر جهداً في بسط سيطرتها عبر تقدمها الهائل في التكنولوجيا فائقة الحداثة ، على هوية العالم الإسلامي الثقافية ، وفرض هيمنتها عبر هجمتها الفكرية الزاحفة وغزوها الثقافي المخطط الفتاك على كل ما يمت بصلة إلى الإسلام والمسلمين ، والإمساك بزمام أذهان المسلمين بصفة عامة والمثقفين منهم بصفة خاصة حيث لقد وضعت هذه الحضارة المخربة كثيراً من أولئك الذين ولدوا على الفطرة السليمة على منعطف خطير من الردة الفكرية والثقافية ، ومن ثم الانسلاخ التام من الدين – حفظنا الله وجميع المسلمين – وتعزم الحضارة في هدفها التآمرية – في الواقع – على هدم بناء المنظومة الإسلامية عن آخرها .
ضرورة حماية الهوية الإسلامية :
ومن هنا من المتحتم على الجميع أن يفكروا في تخير طرق وأساليب تحمي روح الاعتزاز بالإيمان والتوكل في أحرار الأمة الإسلامية ، وأن يحاولوا لصيانة الأجيال الناشئة ، وإخضاع الأسباب والوسائل للقيم الإسلامية وتوجيهها وفق المنهج الإسلامي السليم ، بدل أن ينفضوا أيديهم منها ويتركوا الأجيال القادمة تقع فريسة لحبالتها . وينبغي لنا أن نسعى للتغلب عليها وتسخيرها لخدمة الدين من خلال تحميل المواد الإسلامية الوفيرة فيها ، بدل أن نقف أمامها موقف العاجز والمشلول ، وأن نعدّ برامج كثيرةً على جميع تلك المواقع التي يرتوي فيها الظمآن ويتشبع فيها الجوعان ويهتدي بها الذين يتيهون ويعمهون في ضلال مبين .
الذكاء الاصطناعي وتطوره العلمي :
إن الذكاء الاصطناعي أصبح في عصرنا هذا من أهم فروع العلوم الآلية ، وإنه جدير بأن يُعتبر من أعجب المخترعات وأدقها وأشملها في العقود الأخيرة ، وإنه في مساره التطوري التاريخي الممتد على قرون طويلة ليتبوأ ذروة السنام .
الجذور التاريخية للعلوم الحديثة :
وإذا ألقينا نظرةً خاطفةً على هذا السفر الطويل ، وجدنا أن أول عالم طبيعي يبرز من سجلات التاريخ ويُذكر اسمه في هذا الفن هو العالم المحقق بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري ، المعروف بالجزري ( 1136 – 1206 ) ، وهو مسلم عربي يُعد من أعظم المهندسين والميكانيكيين والمخترعين في التاريخ ، ويُنسب إليه اختراع ساعة الفيل ، ويُسمى أبو علم الروبوتات والهندسة الحديثة .
ثم جاء في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم الدكتور جون مكارثي ( John McCarthy ) ( 1927–2011 ) ليقدّم نظرية الذكاء الاصطناعي الحديث ، القائم على إمكان برمجة الآلات الجامدة لمحاكاة الذكاء البشري بناءً على الخوارزمية ( Algorithm ) ، وهي إجراء رياضي اخترعه محمد بن موسى الخوارزمي ، وهو من أشهر علماء الرياضيات والفلك والجغرافيا على مر التاريخ .
طبيعة الذكاء الاصطناعي وتطوره :
وأساساً على هذا ، يقوم الذكاء الاصطناعي على منظومة من القواعد والتعليمات الدقيقة التي تمكّن الآلات الحديثة من تنفيذ عمليات تعلّمٍ ذاتيٍّ متكيّف ، عبر خوارزمياتٍ تتطور مع البيانات وتُحسّن أداءها تدريجياً في زمننا الحاضر . ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الدكتور جون مكارثي رغم كونه أول من قدّم نظرية الذكاء الاصطناعي الحديث ، فإن الفضل في هذا المجال في أصوله الأولى يعود إلى العلماء المسلمين في الرياضيات الذين وضعوا اللبنة الأساسية وأرسوا مبادئه في أول الأمر .
التوظيف السلبي للذكاء الاصطناعي وخطورته :
من البرامج التي تتصل بالذكاء الاصطناعي مباشرةً ما يُستخدم من قبل المحرّضين الإعلاميين من أصحاب التنصيرية والإباحية ، الذين يبذلون قصارى جهودهم في نشر الشائعات الكاذبة والأقاويل الداحضة حول أحكام الشريعة الإسلامية ، ويجتهدون بكل طاقتهم في غرس بذور الشكوك والشبهات . وهذه المؤامرات ربما تنال من أهمية القيم الإسلامية النبيلة وتقللها في أذهان المثقفين الذين يعتمدون على هذه المواقع اعتماداً كبيراً ، رغم تعليم الإسلام أن يُؤخذ الدين من مصادر موثوقة .
ولكن على كل حال ، مهما اشتد الباطل ، فلن يستطيع أن يخدش الإسلام ولو بشعرة ، غير أن الذين يدّعون الإسلام ولا يعتنون به حق الاعتناء ، بل يستخفون بمبادئه وقيمه وأحكامه ، ويجتاحون أسرها بما تكسب أيديهم ، فلا بقاء لهم ، وما يخشى منه فيهم هو الإعراض عن الدين الذي يستلزم الاستبدال بقوم آخرين بنص قرآني حكيم : ( وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ) .
ثبات الإسلام وواجب المسلمين :
وأما الإسلام فهو الدين الوحيد الذي لا يعتريه تغيير ولا تطوير ، والكتاب الإلهي الأخير هو الكتاب الوحيد الذي وعد الله بحفظه وصيانته . ولكننا نحن – معشر المسلمين – يجب علينا أن نسلك طريق العلماء والدعاة ، ونختار الأساليب والأنشطة التي تتناسب مع سمات العصر واتجاهاته .
وبذلك ، نقدر على توسيع دائرة الدعوة خارج الحدود الدولية ، رغم الظروف السياسية الصعبة أو الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تتعلق بالداعية ذاته أو بالمدعو أيضاً . وهنا تكون التقنيات الحديثة بوجه عام ، والذكاء الاصطناعي بوجه خاص ، البديل الأمثل والطريق الأسهل والأنفع .
* الباحث في مركز الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي براي بريلي الهند .

