أدب الطنطاوي : إضاءات وإشراقات

قبسات من السيرة النبوية
أغسطس 26, 2026
قبسات من السيرة النبوية
أغسطس 26, 2026

بالأقلام الواعدة :

أدب الطنطاوي : إضاءات وإشراقات

الأخ أبو أسامة – بنغلاديش

أسلوب الشيخ علي الطنطاوي أسلوب خاص ، فيه من الجدة والطرافة نصيب أكبر ، يتميز بالجزالة والرصانة ، ويغلب عليه الرقة والعاطفة ، و يميل إلى السهولة وروعة العبارة ورشاقة البيان ، ووجازة الكلمات ، يتحاشى الشيخ عن الإطالة والتوسع ، والمبالغة والتضخيم ، مع احتفاظ كامل بالمعنى والمغزى ، وتعبير ناصع مألوف ، وانتقاء منسجم مأنوس .

إنه كان صاحب قلم قوي سلسال ، يخاطب الضمير والوجدان ، والعقل والدماغ في آن واحد ، يهيج الرقة والشجون ، ويحرِّك الساكن والفاتر من المشاعر والأحاسيس ، ويؤثر على العقل والدماغ ، ويستدرجهما حتى يخضعا لما يريد أن يفضي بهما إليه من الحق والحقيقة .

يتحامى في كتابته عن التفنن الزائد ، والإبداع المعقد الخشن ، والبهرجة الجافة المتطرفة ، بل يرسل النفس على سجيتها ، ويطلق القلم يجري في مداده ، فالقارئ لا يحتاج إلى إجهاد ذهني أو عناء دماغي في تذوق كتاباته ، واستشعار حلاوتها وعذوبتها .

يجذب القارئ إلى قلمه ، ويأخذه بسحره من خلال سهولة الألفاظ وجودة السبك ووضوح البيان ، وإبداع من غير إغراب ، وتفنن من غير زركشة وتصنع  ، أدبه يجمع بين الغذاء القلبي والروحاني ، والمتعة النفسانية الحلال ، والتسلية النزيهة البريئة .

يتأثر القلب والروح بقلمه وكتابته ، وينفعلان قبل أن يتأثر العقل ، فكتابته تتسم بشكل غالب بالعوامل الوجدانية والعناصر العاطفية وأدوات التأثير على القلب والروح .

وهو مرهف الحس ، دقيق الشعور ، يستنزل المعاني دون تعقيد أو تلبيس . يتميز بأسلوبه الخاص ، الذي لا تشوبه صناعة متكلفة ولا سليقة مصطنعة ، يبدع ويحسن ويبتكر لكن من غير تكلف أو تقليد .

ينشئ من خلال كتابته في القراء ملكة توليد المعاني ، ويورثهم سليقة التفنن في استدرار الخواطر وتملك قلوب القارئين برائق البيان ، وجميل الأسلوب ، وكل ذلك بدون عناء أو تجشم جهد ومشاق .

وإذا كان الناس يلهون بالأدب ويلعبون ، ويتخذون منه أداةً للمتعة الدنيئة والتسلية الواطئة ، فإنه يجعله أداةً للتهذيب وإثارة المشاعر والتوجيه إلى المعالي والفضائل ، ويربط كل شيئ بالواقع الذي يعيشه الناس ، ولا يجعله مجرد شطحة أو مخيلة تمضي على غير هدى ، مما لا تجني فائدةً ولا تستنج نتيجةً . ويمكنك هنا قراءة كتابه ” صور وخواطر ” .

وأدبه دائماً ينتهي من الخلق إلى الخالق ، ويقارن بين الدين والدنيا خاصةً بالنسبة إلى الشباب ، فيذكر ما أفسده الدنيا والحضارة الغربية ، التي ينبهرون بها ، ويؤخذون بسحرها ، وسلبتاه ، وما أراد الدين من تغيير جميل وإصلاح شامل ، وتزكية وتهذيب في النفوس والأخلاق ، والمعاملات والسلوكيات .

وقد كان جزء أكبر من أدبه وقلمه يخص الشباب والشابات من المسلمين ، الذين شدهوا ببهرجة الحضارة الغربية الزائفة ، والحرية المزعومة ، ونمط العيش الحر الراقي ، حيث لا قيد أخلاقياً ولا وازع دينياً . فيظهر لهم خواء هذه الحضارة وفراغها ، ورعونتها واختلالها ، وزيغها وزيفها ، وأنها ” باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ” ، ويحاول أن يعيد عليهم رشدهم وصوابهم ، ويوقظهم من السكر والسحر تجاه الغرب وأسلوب حياته ونظامه وسلوكه .

وقد كان موقفه من المدنية ودعاتها موقفاً حكيماً … ( ونحن نهاجم من طريقين . . . ٢١٤ ) .

وإذا كان قراء أي كاتب يعرفونه من خلال كتاباته أديباً وكاتباً فإن قراءه يعرفونه ويكتشفونه أكثر من مجرد أديب وكاتب ، فهم يجدونه مصلح الأخلاق ومربي الشبان والشابات ، وموجه الأجيال الناشئة الصاعدة .

وإذا كانوا يجدون الأدب عند غيره ثقيلاً فإنهم يجدونه عنده سهلاً سائغاً جارياً .

كان قلمه وأدبه سداً منيعاً أمام الحضارة الغربية وانتشار فسادها ورذائلها في المجتمعات العربية . أخذ بزمام الجيل العربي ، وخاصةً طبقات الشباب من الانخداع بها والانسياق وراءها والتضحية بالأخلاق والفضائل في سبيلها ، وتقديسها وتمجيدها .

كان أديباً يعيش الواقع والاجتماع ، فيكتب فيه ويحدث ويوجه ، وإذا حصر الناس الأدب في التصنع والتنطس ، والتكلف والتبدع ، أو ابتكار نمط غير مسبوق ، فيه الألفاظ مرصعة والتعبيرات محبرة ، خارجة عن المألوف ، والتراكيب فخمة ناضرة غضة فإنه أبطل ذلك الزعم ، وأثبت وبرهن عملياً وقلمياً أن الأدب يمكن رفعه وتطوير مستواه ، من خلال الوضوح والسهولة والعرض ، بقوالب وتراكيب تتسم بالجدة من غير كلفة ، والطرافة من غير مغالاة ، والجمال والروعة من غير خروج عن المعتاد والمألوف من الألفاظ والاستعمالات والتعبيرات والأساليب ، وكلماته في كتاباته كأنها قطوف وعناقيد منضودة .

إنه يمثل الأدب العربي القديم خير تمثيل ، فأدبه يتشح بمحاسنه ومزاياه ،  ويميل إليه غالباً ، كأنه يعرض الأساليب القديمة في الثياب الجديدة ، أدبه هو الأدب القح الأصيل ، الجزل الرصين ، تشعر فيه لذة القديم وحسنه وتذوق حلاوة الجديد وطرافته ، كما قال العلامة الندوي رحمه الله في التعريف به تحت مقال له اختاره في ” مختارات ” .