قبسات من السيرة النبوية

فضل القرآن الكريم وآداب تلاوته
أغسطس 26, 2026
أدب الطنطاوي : إضاءات وإشراقات
أغسطس 26, 2026
فضل القرآن الكريم وآداب تلاوته
أغسطس 26, 2026
أدب الطنطاوي : إضاءات وإشراقات
أغسطس 26, 2026

بالأقلام الواعدة :

قبسات من السيرة النبوية

الأخ السيد عبد العلي الحسني الندوي *

إنَّ حياةَ النبيِّ الخاتمِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كانت مرآةً صافيةً صقيلةً ، تنعكس فيها الرحمةُ ، والألفة ، واللطف ، والعناية ، والمحبة ، وحسن الخلق ، وجود العطاء ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمةٍ بالغةٍ وموعظةٍ حسنة ، وما إلى ذلك من الخصال الحميدة والشمائل العطرة .

وكانت الإنسانية ، والمحبة ، والألفة – دون شكٍّ ولا ريب – إنما هي المقدمةُ الآسرة للقلوب من كتاب حياته ، وهي التي محَتْ قساوةَ آلافِ الذين رأوه وصحبوه ، فتعلقت به قلوبُهم ، وعلَّمت أهلَ القسوة والشقاء درسَ المحبة والفداء ، وأرست فيهم قيمَ الإنسانية . فكانت صفاتُه وميزاتُه – على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم – بأسرها سراجاً منيراً ، وكان صلى الله عليه وسلم بأسره رحمةً للعالمين ؛ للجنِّ والإنس ، بل للحيوان والنبات والجماد ، قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )       [ الأنبياء : 107 ] .

وما من لمحةٍ من لمحات حياته ، من أقواله ، وأفعاله ، وعاداته ، وتقريراته ، إلا وقد امتلأت بالأنوار التي تخطف الأبصار ، وتجعل نجومَ السماء منبهرةً عاجزةً عن مجاراة سنائها . فالشمس والقمر يستضيئان من مشكاته ، التي شقَّت ظلامَ العالم وأضاءته وما حوله بنور ربِّ العالمين ، واخترقت أشعتُها دياجيرَ الظلم والاستبداد . فإن كلّ صفحة من صفحات حياته المباركة بوصلةٌ ترشد مسيرةَ الإنسانية جمعاء ، والنقوشُ الذهبيةُ التي ارتسمت على تلك الصفحات المنيرة من حياته المقدسة إنما هي وُجهة السناء الأخيرة ، وظهورُ نور الوحي الإلهي الخاتم .

قال تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) [ الأحزاب : 40 ] .

وقال سبحانه : ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً ) [ المائدة : 3 ] .

وكان الله سبحانه وتعالى حافظاً لجميع شُعَب حياته العلمية والعملية بأعلى درجات الصحة العريقة والموثوقية الأصيلة ، وخلَّد اسمه ، ورفع ذكره ، بتسجيل شهادةٍ لخلقه الحسن الأنبل والأمثل ، فقال :         ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ، ولقَّن الإنسانيةَ طاعةَ أُسوته المباركة ، فقال :      ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) .

ومن ثم كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم متحليةً بالشيم الحميدة والقيم النبيلة ، ومرصعةً ومزدانةً بتعاليم القرآن الكريم ، حتى قالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ، حين سألها سعد بن هشام عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ألست تقرأ القرآن ؟ ” قال : بلى . قالت : ” فإن خُلُق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن ” .

وشهدت بذلك أيضاً أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عند نزول الوحي ، إذ قالت تسليةً له : ” كَلا ، وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ” .

وكفت هذه الشهادة دليلاً على نموذجية حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أيضاً ؛ إذ كان يُلقَّب بالصادق الأمين ، وعُرف بين أهل مكة بمصداقيته ومكانته واعتباره .

وعديدٌ من مواقف إحسانه وكرمه وحكمته مأثورٌ في كتب الحديث والسيرة والتاريخ ، مما يؤكد هذا الأمر أبلغ تأكيد . وبعد النبوة ، غدت حياته صلى الله عليه وسلم بحراً زخَّاراً ، استقى من ينبوعه الصافي كلُّ إنسٍ وجنٍّ وطيرٍ وحيوانٍ . . . فحدِّث عن البحر ولا حرج .

استيعاب تلك القصص والوقائع مستحيل ، غير أني أقدم إلى القارئين بعض النبذات التي تحمل في ثناياها دروساً نافعةً هاديةً ، وعبراً مؤثرةً قيِّمةً ، وتوجِّه رسالةً متكيفةً مع الفقه المعاصر .

حلف الفضول :

قبل عقدٍ ونصفٍ تقريباً من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عُقد اجتماعٌ كبيرٌ لرجال قريش ذوي المروءة والفتوة في دار عبد الله بن جدعان ، لتأدية الحق إلى صاحبه ، ومناصرة المظلوم على الظالم . وكان سببه أن رجلاً من زبيد قدم إلى مكة ببضاعة ، فاشتراها منه العاص بن وائل أحد أشراف قريش ، فحبس عنه حقه . فاستعدى الزبيدي أشراف قريش ، فأبوا أن يعينوه على العاص لمكانته في قريش ، فاستغاث بكل مروءة حتى هاجت غيرة بعض الرجال ، فعقدوا حلفاً ضد الظلم ، وسموه حلف الفضول .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم مغتبطاً بهذا الحلف ، متمسكاً به حتى بعد البعثة والهجرة ، وبعد غلبة الإسلام والمسلمين في جزيرة العرب ، وتبيُّن الحدود بجلاء بين الرشد والغي ، والحق والباطل .

وكان يقول صلى الله عليه وسلم : ” لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفاً لو دُعيت إليه اليوم في الإسلام لأجبت ، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها ، وأن لا يعزَّ ظالمٌ مظلوماً ” .

ويستفاد من هذا الحدث التاريخي من حياة سيد المرسلين والآخرين دروسٌ وعبرٌ ، لو طبقناها في وضعنا الحالي لكان خيراً كثيراً ، ألا وهي الحث على التعامل مع غير المسلمين من أهل الكفر والشرك في الأمور التي تتفق مع رؤية الإسلام ؛ فالمرتكزات المشتركة إذا بُذلت في تحقيقها جهودٌ حكيمةٌ ، منظمةٌ ، مخلصةٌ ، مستمرةٌ ، فتحت أبواب الدعوة ، وأثمرت نتائج بعيدة المدى ، عميقة الأثر .

في الطائف :

لما واجه النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة خلافاً وعداءً ، اتجه إلى الطائف مارّاً بطريق الجبال الصخرية الوعرة ، وعمد إلى نفرٍ من سادة ثقيف وأشرافهم ، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ، فكان ردهم شرَّ رد ؛ وبدل أن يلبوا دعوته استهزؤوا به ، وأغروا به سفهاءهم يسبونه ويرجمونه بالحجارة .

وكان ما لقيه من أهل الطائف أشدَّ وأقسى مما لقيه من مشركي مكة ، وقعد له أهل الطائف صفين ، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه إلا رموهما بالحجارة حتى أدموهما ، وهما تسيلان بالدماء . وفاض قلبه ولسانه بدعاء شكا فيه إلى الله ضعف قوته ، وقلة حيلته ، وهوانه على الناس ، واستعاذ بالله ، وبنصره وتأييده .

فأرسل الله سبحانه وتعالى ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين ، ولكن بعد كل تلك المعاناة ، والسخرية ، والاستهزاء ، لم ينفد صبره وحلمه ، بل ما زالت رحمته في أوج كمالها ، وقال نبي الرحمة بلهجة ملؤها الرحمة : ” بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ” .

غزوة أحد :

وعند غزوة أحد ، حين كانت شعل الحرب تندلع ، ودارت الدائرة على المسلمين ، وصرخ صارخ : ألا إن محمداً قد قُتل ، وخلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصابته الحجارة حتى وقع لشقه ، وأصيبت رباعيته ، وشُجَّ في رأسه ، وجرحت شفته ، وجعل الدم يسيل على وجهه الكريم ، فيمسحه ويقول : ” كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ ” .

وفي رواية كان يقول داعياً إلى الله جل وعلا في حق القوم الذين لم يدخروا جهداً في تعريضه للتعذيب والأذى : ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ” .

فداك أبي وأمي يا رسول الله ! فأنت تطلب الصفح والعفو عن عدوك الظالم الطاغي ، وتعتذر عنهم . . . الله أكبر .

مرحمة لا ملحمة :

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة دخولاً خاشعاً متواضعاً ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ ، حين كانت السيوف تتلهف أن تلمع على الذين قاموا بالظلم والعنف سنواتٍ طويلة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة ، بل أرسى أسس العفو والرحمة ، اللتين لم يشهد التاريخ لهما نظيراً .

حتى لما قال أحد أصحابه في حماسة النصر : ” اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً ” ، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، حين شكا إليه أبو سفيان بن حرب ، استنكرها وقال : ” اليوم يوم المرحمة ، يعز الله فيه قريشاً ، ويعظم الله فيه الكعبة ” .

قال هذا في حق الأعداء الألداء الذين لم يقضوا أيام حياتهم إلا في تنكيله وتعذيبه هو وأصحابه .

ثم صدر الإعلان العام : ” لا تثريب عليكم اليوم ، فأنتم الطلقاء ” .

هكذا سُطِّرت على صفحات التاريخ مآثر العفو والصفح والرحمة الخالدة الفريدة ، وانطبعت معاني الإنسانية والإحسان في قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم تمحَ ولم تندثر ، وأصبح العالم البشري المتدهور متفتحاً بأزهار الأخلاق النبوية الكريمة ، ودبت فيه نسائم الصبح المشرق البهيج ، بعد فترة طويلة من تخبطه في ظلام الليل .

* الباحث في مركز الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي براي بريلي ، الهند .