مكارم الأخلاق جوهر الإنسان
مايو 24, 2026
مكارم الأخلاق جوهر الإنسان
مايو 24, 2026

بأقلام القراء :

من أزمة ” اللامبالاة ” إلى كارثة ” اللادينية ”

الأخ عبد العلى الحسني الندوي *

لا يخفى على العاقل واللبيب أن العالم الإسلامي بأسره اليوم يعاني من أزمة تلو أزمة ، ويجتاز مكابدة القضايا المفزعة الخطيرة منذ أمد بعيد ، ولا تخلو في واقع الأمر شعبة من شعب الحياة الخلقية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والمادية والروحية على نطاق الفرد والمجتمع إلا وقد دبَّ إليها الوهن والتخاذل والاستكانة والخضوع للحضارات الغربية المختلة المعتلة التي انتزعت الفطرةَ السليمة من المجتمع الإسلامي ، وغرست في شبابه اللامبالاة إزاء الدين الحنيف ، وربما تنعقد المفاوضات والمؤتمرات لمناقشة هذه القضايا ودراسة أسبابها وأبعادها والبحث عن حلولها والتي يحضرها ممثلو البلاد وبعثات الأمم ووفود النوادي ، ولكن الحقيقة المرة التي لا مناص لنا منها – ولنا في إدراكها والاعتراف بها خيرٌ بدل أن نعيش في وهم مريح – هي أن المنهج الإسلامي السليم والمقترح القرآني الكامل المتكامل الذي يحمل في طياته موارد معنويةً حقيقيةً لإحياء روح الأمل والعمل وتغذيتهما بالإيمان وسلامة الفكر والوجدان والجادة السوية لدراسة الأسباب المؤدية إلى الخراب والفساد ومعالجة الأوضاع والظروف التي ما ازدادت إلا تدهوراً وتوتراً ، ذلك لم يزل في خفاء وغموض ولا يعثر عليه من يقتصر اطلاعه على الأوضاع المعاصرة فحسب ، ولا يدرك مدى أهميته إلا من أوتي بصيرةً قرآنيةً ربانيةً .

فإذا نظرنا إلى الأمم والشعوب رأيناها في أنحاء العالم الإسلامي كله تواجه أزمةً لا تعادلها أزمة ؛ ألا وهي أزمة اللادينية أو – على أقل تقدير – أزمة عدم المبالاة بالدين ومزاياه ، وهي أزمة الأزمات وكارثة الكوارث ، ومهما كانت المشكلات والتحديات التي يتحدث الناس عنها ويشتكون منها ويتأففون بها ، فهي أهون منها خطراً وضرراً ، وكان المسلمون قبل حقبة زمنية قصيرة يقودون العالم البشري كله في هذا الصدد بقدوة رائعة متمثلة رغم انحطاطهم المادي وتهورهم السياسي ، وكانوا بمثابة الماء الزلال للذين يظمأون في قيعة جدباء حتى جاءت فترة أخيرة من زمننا هذا ، وكشرت الحضارات اللادينية عن أنيابها وعضتها في أحشاء المجتمع الشرقي الإسلامي ، واكتسحت الأسر والبيوتات ، وغزت الكليات والجامعات ، وما من أسرة مثقفة في الأقطار الإسلامية – إلا من عصم الله – إلا و فيها من يجلها ويستعظمها ويتصدى لكل من يعارض فلسفتها ، وأفضلهم من يقول : إنه مسلم مع أنه لا يفكر في الدين ولا يهتم به كبير اهتمام ، فجعل الإنسان المتحضر يتردد دائماً بين الظلمات والنور والظل والحرور ، ويعيش مداهناً في الدين مستتباً لأي حضارة أو مدنية تقدم له ” الحرية المطلقة ” من حواجز الدين حتى لا يتذبذب – لو تمس به الحاجة وتحصل له الفائدة – في الركون إلى الكافرين المتغطرسين الذين يودّون أن يتنازل عن دينه شيئاً فيوافقونه ويصانعونه ، قال جل وعلا : ( وَدُّوا لَو تُدهِنُ فَيُدهِنُون ) .

ومن ثم أصبح عقل هذا الإنسان وعاطفته يميلان إلى شعاراتهم الواهية الموجهة لعداء الإسلام لا غير ، وربما يتدرج إلى الانخراط في طقوسهم اللاغية التي لا يُتصور التورط فيها لأحد أضيف عليه صبغة إيمانية ، فكان المسلمون في تلك الحقبة من الزمان تارةً يقعون فريسةً لنزعات الشيوعية والاشتراكية ، وتارةً للوطنية والقومية العربية وتارةً للحداثة والعصرنة وغيرها من الهتافات المنددة بعضها بعضاً التي تناشد – فيما يبدو – إلى تأسيس نظام عالمي جديد فاقتفوا آثارها وأفكارها الخائبة الخانقة ، ومن الأسف والأسى أننا لم نزل متخبطين في الظلم والضلال ، متجردين عن قيم دين الإسلام ونتلاشى إشراقات النور في مهد الظلام ولا يستلفت أنظارنا تهديد القرآن الصريح ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) فما زال العدد الهائل من الطبقة المثقفة في العالم الإسلامي اليوم لا يتكيف مع الدين ولا يتماشى مع متطلباته ، بل ربما يستخف مُثله وقيمه الخالدة لِما تسرّبت فيه التيارات الفكرية والثقافية التي تعارض مبادئ الإسلام وأولجت فيه المدنياتُ المادية البراقة ” مركّبَ النقص ” وعدم الثقة والاعتزاز بالإيمان ، ومعظمهم يتطورون في البيئة المتجردة عن مظاهر الحياة الدينية ، فمنهم من يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله ويؤمن برسوله ولا يؤمن بشريعته ويؤمن بشريعته ، فلا يعتمد على أصحابه وإذا استنطقتهم وخلوت بهم عرفت أنهم يعمهون في طغيانهم واستهتارهم على شفا جرف هار .

وفي ناحية أخرى نرى عياناً بعض المنتمين إلى دين الإسلام ، وهم العرب العرباء يملكون زمام الحياة في بعض الدول العربية ويتولون المناصب القيادية في الشرق الأوسط يبيعون دينهم وكرامتهم وشهامتهم ونخوتهم تارة باسم الاحترام المتبادل والتعايش السلمي النموذجي الرائد ، وتارةً لإنشاء التبادل التجاري والرأسمالي ، ويعتبرون الطقوس اللادينية البحتة نماذج الوئام بين الديانات ، ويحاولون الانسجام والتوافق بين النور والظلام ، فإن الإسلام لا يحظر العلاقات الأخوية بين الإنسان والإنسان والمجتمع الإسلامي وغير الإسلامي والممارسات التجارية فيما بينهما مهما لا تنتهك الحدود الدينية الصارمة من أجل المصالح الدنيوية الركيكة السخيفة ، فهناك خياران متفارقان كالماء والنار اللذين لن ينسجما ولن يمتزجا أبداً ، إما أن يأخذ هذا الإنسان المتردد هذا وإما أن يأخذ ذاك ، وقد صرح به جل وعلا في كتابه الحكيم وقال : ( إِنّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيْلاً ) .

ولا ريب أن أعظم ثروة نملكها هي ثروة العقيدة والأخلاق التي خلفها الرسول صلى الله عليه وسلم وتوارثتها الأجيال وجاهد في سبيلها أبطال الإسلام ، ولا بقاء للعالم الإسلامي بعد ضياع هذه الثروة الكبرى والنعمة العظمى ، فالحاجة ماسة أن نشمر عن ساق الجد لنضطلع بالمسؤوليات التي تعود إلى كواهلنا ، وأن نكون حذرين للغاية في التعامل مع الأفكار الغربية المستوردة لكيلا نذعن لها على جميع علاتها وأسقامها ولا ننكرها مع كل أرباحها وخيراتها ، بل ينبغي لنا أن نجد مخرجاً بإيجاد حل محايد وسط ، ألا وهو الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع .

* الباحث في مركز الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي برايي بريلي .