(3) الأستاذ الأديب الشاعر عبد الله عيسى السلامة إلى رحمة الله
أغسطس 26, 2026(1) الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى رحمة الله تعالى
أغسطس 26, 2026علم فقدناه :
وداعاً يا صاحب السمو الأمير الوالد !
الأستاذ وصي الرحمن فراست خان الندوي *
لن ينسى العالم العربي والإسلامي ، ولن تنسى ذاكرة العرب والمسلمين ، صباح الأحد الحزين المصادف الثاني عشر من يوليو عام 2026م ، ذلك الصباح الذي خيّم فيه الصمت على الدوحة ، وخفقت فيه القلوب بالحزن ، وذلك اليوم الذي أعلن فيه عن رحيل حضرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين عاماً ، بعد مسيرة استثنائية حفلت بالبذل والعطاء ، وصناعة المجد ، وبناء الشعب والوطن ، وعقب إعلان نبأ وفاة صاحب السمو الأمير الوالد ، ساد الذهول والأسى قلوب الكبار والصغار ، واغرورقت العيون بالدموع ، حتى بدأ المشهد كأن مصاباً جللاً قد نزل بالأمة العربية الإسلامية كلها .
ولم يكن ذلك اليوم يوم رحيل رجل دولة فحسب ، بل كان يوم وداع قائد مخلص قاد وطنه من ضيق الإمكانات إلى سعة الإنجازات ، ومن حدود الجغرافيا إلى رحابة الحضور العالمي ، ومن شظف الماضي إلى رخاء الحاضر وآفاق المستقبل ، وانتهت مع رحلته مرحلة كاملة من تاريخ قطر الحديث ، مرحلة كُتبت فيها صفحات النهضة بحروف من عزيمة ، ورُسمت فيها ملامح المستقبل بإرادة قائد آمن بوطنه ، وأيقن أن الأمم لا تُبنى إلا بالعلم ، ولا تنهض إلا بالإنسان ، ولا تخلد ذكرها إلا بما تقدمه للبشرية من خير وسلام .
ولم يقف صدى هذا المصاب عند حدود قطر ، بل تجاوزه إلى العالم العربي والإسلامي ، وامتد إلى مختلف القارات ، حيث نعاه قادة الدول والمنظمات والشعوب ، واستذكروا مسيرة قائدٍ اقترنت باسمه الحكمة ، وبُعد النظر ، والقدرة على تحويل الطموح إلى واقع ، والرؤية إلى مشروع حضاري متكامل . فقد أصبحت الدوحة في عهده عنواناً للحوار ، ومنبراً للدبلوماسية ، وملتقىً للسلام ، وحاضنةً للمبادرات الإنسانية ، حتى غدت قطر حاضرةً في المشهد الدولي بما يفوق حدودها الجغرافية وإمكاناتها الطبيعية .
لن ننسى ذلك اليوم الذي شيّع أبناءُ قطر الأميرَ الوالد ، رحمه الله ، في مشهدٍ مهيبٍ تجلّت فيه مشاعر الوفاء والعرفان ، حيث أدّت جموعُ المصلين صلاةَ الجنازة عليه في مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب بالعاصمة القطرية الدوحة ، عقب صلاة المغرب من اليوم الذي انتقل فيه إلى جوار ربّه . ثم وُوري جثمانُه الثرى في مقبرة لوسيل ، ليواري في مثواه الأخير ، بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء وخدمة الوطن .
لقد غاب عنا الجسد ، ولكن بقي الأثر . رحل الأمير الوالد ، وبقيت قطر الحديثة شاهداً خالداً على رؤيته ؛ دولةٌ قامت على مؤسسات راسخة ، واقتصاد متين ، وتعليم رائد ، وبنية تحتية عالمية ، وسياسة متوازنة ، ومجتمع يؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأوطان . وهي النهضة التي واصل مسيرتها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، أمير البلاد المفدى ، على الأسس الراسخة التي أُرست خلال العقود الماضية .
وإن صاحب السمو الأمير الوالد الراحل الكريم لم يصنع مجده لنفسه ، وإنما صنعه لوطنه وأمته . فهو ليس سرداً لأحداثٍ تاريخية فحسب ، بل قراءة في تجربة قائدٍ آمن بأن القيادة رسالة ، وأن خدمة الأوطان عبادة ، وأن أعظم ما يخلده الإنسان هو ما يتركه من أثرٍ في حياة الناس .
حين تُذكر النهضات الكبرى في تاريخ الأمم ، يُذكر الرجال الذين امتلكوا الرؤية ، واستشرفوا المستقبل ، وأحسنوا توظيف إمكانات أوطانهم لصناعة الغد . ومن بين هؤلاء يبرز حضرة صاحب السمو الشيخ الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني المغفور بإذن الله ، الذي ارتبط اسمه بمرحلة تاريخية مثّلت نقطة تحول في مسيرة دولة قطر ، وانتقلت فيها من طور البناء إلى آفاق الريادة والتأثير ، وكان عمره حافلاً بالعطاء والإنجازات ، ونذر حياته لخدمة دينه ووطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية .
وفي عهده ، شهد قطاع الطاقة تطوراً غير مسبوق ، إذ أصبحت دولة قطر من أكبر منتجي ومصدِّري الغاز الطبيعي المُسال في العالم ، مما عزز مكانتها الاقتصادية ، ورسخ دعائم التنمية الشاملة . وانعكس هذا الازدهار على مختلف القطاعات ، فشهدت البلاد طفرةً كبيرةً في البنية التحتية ، والتعليم ، والرعاية الصحية والثقافة ، والرياضة ، والبحث العلمي . وإنشاء قناة الجزيرة واحداً من أبرز التحولات التي ارتبطت بعهد حضرة صاحب السمو الوالد ، وجزءاً أساسياً من صعود قطر إلى موقع دولي يفوق وزنها الجغرافي .
كما كان التعليم في صدارة اهتمام سموه ، إيماناً منه بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان . فجاء إنشاء المدينة التعليمية واستقطاب الجامعات العالمية ليجسد رؤية وطنية تستثمر في العقول ، وتؤسس لمجتمع المعرفة والابتكار . كما حظيت المرأة القطرية في عهده بفرص أوسع للمشاركة في التنمية ، وتعزز دور الشباب في مختلف مجالات الحياة .
وعلى الصعيد الدولي ، انتهج سموه سياسةً خارجيةً متوازنةً ، عززت مكانة دولة قطر بوصفها دولةً فاعلةً في دعم الحوار ، والوساطة ، والعمل الإنساني ، والتعاون الدولي . وأصبحت قطر ، بفضل هذه الرؤية ، شريكاً مؤثراً في العديد من المبادرات الإقليمية والدولية ، وحاضنةً للمؤتمرات والفعاليات العالمية .
وفي عام 2013م ، قام حضرة صاحب السمو الأمير الوالد رحمه الله بتفويض مقاليد الحكم والأمانة إلى ابنه الكريم صاحب السمو الأميرالشيخ/ تميم بن حمد آل ثاني ، في مشهد حضاري فريد ، وفي خطوة تاريخية جسدت نهجاً مؤسسياً في انتقال المسؤولية ، ورسخت استمرارية الدولة واستدامة مسيرتها التنموية ، لتواصل قطر تقدمها على ذات النهج القويم .
حينما نتأمل في مسيرة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد رحمه الله ندرك أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بحجم المشروعات وحدها ، بل بما تتركه القيادة من أثر في الإنسان والوطن . فقد أسهمت رؤيته في بناء دولة حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وتستند إلى اقتصاد قوي ، ومؤسسات راسخة ، ورؤية مستقبلية جعلت من قطر نموذجاً عالمياً في التنمية والطموح .
وسيظل اسم صاحب السمو الأمير الوالد رحمه الله خالداً وحاضراً في صفحات التاريخ القطري ، بوصفه قائداً آمن بقدرات وطنه ، وحوّل الطموح إلى واقع ، والرؤية إلى إنجاز ، فكانت مسيرته علامةً فارقةً في تاريخ دولة قطر الحديث ، وإرثاً وطنياً تستلهم منه الأجيال معاني القيادة والبناء والنهضة .
وإننا إذ نعزيكم في هذا المصاب الجلل نستذكر بكل تقدير وإجلال الإسهامات الجليلة للفقيد الراحل الكريم ، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ، ويسكنه فسيح جناته ، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء . على ما قدم لوطنه وأمته ، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين الشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً . اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه ، واعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأن يحفظ دولة قطر قيادةً وشعباً ، ويديم عليها نعمة الأمن والعزة والرخاء .
كما ندعو الله تعالى أن يلهم حضرة صاحب السمو الأمير والأسرة الكريمة والشعب القطري ، وجميع الأمة العربية والإسلامية ، جميل الصبر والسلوان وحسن العزاء .
( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )
* القنصلية العامة لدولة قطر ، مومباي – مهاراشترا ، الهند .

