إرث الشيخ كوكن والدكتور الأعظمي : دراسة موضوعية
أغسطس 26, 2026فضل القرآن الكريم وآداب تلاوته
أغسطس 26, 2026بالأقلام الواعدة :
الشيخ محمد الرابع الندوي وذوقه الأدبي
الأستاذ السيد سحبان ثاقب الندوي *
إن للشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي ذوقاً رفيعاً في العلم والأدب تجلى في مجالات شتى ، وله ولع خاص وشغف بالأدب العربي الإسلامي ، يكتب الأستاذ محمد خالد ضياء الصديقي الندوي .
” كان من عادات شيخنا أنه كان يستخدم كثيراً أثناء درسه القطع الصغيرة التي يجوز أن تعد من أنفس الذخائر الأدبية ، والتي تزيد الطلاب علماً وأدباً ، والتي تشير في نفس الوقت إلى أن مثل هذه النوادر لا تحصل بسهولة ، فيجب على الطالب أن يبحث عنها في المصادر والمراجع والقواميس للمزيد من المعلومات والتفاصيل ” [1] .
وكان كذلك يتحدث عن جوانب أدبية للشعراء والأدباء في مجالسه بين أصحابه وإخوانه .
فكان الشيخ الندوي يحظى بذوق أدبي رفيع ، كما يظهر من بين مقالاته المختلفة ، فعلى سبيل المثال نشر العلامة الندوي مقالته بعنوان ” الشاعر الذي أحببته ” في مجلة البعث الإسلامي حيث تناول الشاعر أبو فراس الحمداني شاعراً ، ويعلق عليه قائلاً : هذا هو الشاعر المحبوب الحارث بن أبي العلاء أبو فراس الحمداني ، أمير اللسان والسنان ، قضى حياةً ملؤها الشجاعة والمروءة والكرم ، ومن بطولاتها الشعر والأدب والبيان [2] .
إن الشيخ يذكر مزاياه وأوصافه حيناً بعد حين ، ويبين لنا كذلك عن محبسه عند الروم ، فإنه يحب هذا الشاعر وكلامه ، فهو حقاً فارس السيف والقلم ، فأما عن علاقته بالسيف ، فقد عرف عن الحمداني شجاعته وفروسيته وإقدامه في القتال . وأما عن علاقته بالقلم فقد عرف ببلاغته لدرجة أنه الشاعر الوحيد الذي كان منافساً للمتنبي في زمانه ، وقد قال عنه الصاحب بن عباد وهو من كبار العلماء والأدباء في عصره : ” بديء الشعر بملك وختم بملك ، ويعني بذلك أن بداية الشعر كانت عند امرؤ القيس ، وأما نهايته فكانت عند أبي فراس الحمداني [3] .
ربما يتذكر وينشد أشعاره مثلاً :
فلــــيـــتـــك تــحلو والحياة مريرة وليتك تــرضى والأنام غضاب
ولــــيــت الذي بيني وبينك عامر وبــــيـــنــي وبـين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
وكذلك ينشد أشعاره حين ما يستطعف من ابن عمه سيف الدولة ، وأروع قصائده قالها وهو في محبس الرومان :
أقـــــول وقــد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تشعرين بحالي ؟
مـعاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خــــطرت منك الهموم ببال
وكذلك يتذكر أشعاره في الحماسة والفخر .
حيث يقول :
أبـت عــــبراتــــه إلا انـــسكابا ونـــار غـــــرامــــه إلا الـــتــهـابا
ألـــم تـــرنــــا أعــز الناس جارا وأمـــرعــــهـــم وأمـنعهم جـنابا
لنا الـجــــبل الـمطل على نزار حـــلـــلنا النجد مـنه والهضابا
تـــفـــضـــلنا الأنام ولا تحاشي ونوصف بالجميل ولا نحابـى
وقــــد عـــلــمــت ربيعة بل نزار بأنا الرأس والناس الـــذنـابى
ولـمـا أن طغت سفهاء كعب فــــــتـــــحـــنا بيننا للحرب بابا
مـــنــحــنـاها الحرائب غير أنا إذا جارت مـــنـحناها الحرابا
ولــمــا ثــار ســيـف الدين ثُرنا كما هيجت آســادا غـضـابا
دعانا والأســنـــة مـــشرعـــات فكنا عند دعـــوتـــه الجوابا
صــنائــع فاق صانعها ففاقت وغرس طاب غارســـه فطابـا
وكنا كالسهام اذا أصابت مراميها فـــــرامــــيــهـا أصابا [4]
وكثيراً ما سمعته وهو يتحدث في مجلسه عن قصة متمم بن نويرة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأشهر مرثيته التي قالها في أخيه مالك ابن نويرة ، فإن قصته المشهورة كما أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد ، أن عمر رضي الله عنه قال لمتمم بن نويرة : لو كنت شاعراً لأثنيت على أخي كما أثنيت على أخيك ، فقال : لو كان مهلك أخي كمهلك أخيك لتعزيت عنه ، فقال عمر : ما رأيت تعزية أحسن من هذه .
وكنا كنــدماني جذيمة حقبة مـن الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلـــمــا تــفـرقنا كأني ومالكا لــــطـــول اجتماع لم نبت ليلة معا
فإن تــــــكـــن الأيام فرقن بيننا فقد بان محمودا أخي حين ودعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالك ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا [5]
وكذلك ينشد أشعاره عن قبر مالك :
لقد لامني عند القبور على البكا رفـيقي لتذراف الدموع السوافك
أمــــن أجـــل قـــبــر بالملا أنـت نائح على كل قبر أو على كل هالك
فقال أتـــبـــكـــي كـل قـــبر رأيته لــقــبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فــــقلت له إن الشجا يبعث الشجا فـدعني ، فـهـذا كله قبر مالك [6]
ربما كان يذكر هذا الدعاء النبوي الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف ، بعد ما نال من أهل الطائف إيذاءاً شديداً ، والدعاء كان يردده مراراً .
” اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات . وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك [7] .
وكذلك يذكر هذا الدعاء .
اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعْلَمُ سِرِّي وعلانيتي ، لا يَخفَى عليك شيئ من أمري ، وأنا البائس الفقيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَحِيرُ ، الْوَجلُ الْمُشْفِقُ ، الْمُقِرُّ المعترف بذنبه ، أسألك مسألةَ الْمِسْكِين ، وأبتهل إليكَ ابتهال الْمُذْنِبِ الذَّلِيل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، دعاء من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عَبْرَتُه ، وذَلّ لك جِسْمُه ورَغمَ لك أنفه ، اللهم لا تَجْعَلْنِي بدعائِكَ شَقِيّاً ، وكن بي رؤوفاً رحيماً ، يا خير المسؤولين ، ويا خَيْرَ الْمُعْطِينَ [8] .
وكان يحب الشاعر محمد إقبال من الشعراء الإسلاميين وينشد أبياته في مواعظه للطلاب ، حيث يسمع أبياته التي خاطب فيها شباب الأمة المحمدية .
کبھی اے نوجواں مسلم تدبر بھی کیا تو نے وہ کیا گردوں تھا تو جس کا ھے ایک ٹوٹا ھوا تارا
تجھے اس قوم نے پالا ہے آغوش محبت میں کچل ڈالا تھا جس نے پاؤں میں تاج سر دارا
ربما يذكر الشاعر أكبر الإله آبادي ، وينشد شعره الذي قال فيه :
کیا کہیں احباب کیا کار نمایاں کر گئے بی اے ہوئے نو کر ہوئے پنشن ملی پھر مر گئے
فخلاصة القول : كان الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي شخصيةً علميةً وأدبيةً بارزةً في العالم العربي ، ترك بصمة لا تمحى في مجال الأدب العربي من خلال إسهاماته وتأليفاته الشاملة للأدب والثقافة .
* مدرس بدار العلوم لندوة العلماء .
[1] البعث الإسلامي ، العدد الممتاز عن الشيخ محمد الرابع الحسني ، ص 97 .
[2] البعث الإسلامي ، ديسمبر 1955م ، العدد الثالث ، ص 9 .
[3] قصة قصيدة وليت الذي بيني وبينك عامر ” ماخوذ عن موقع ، إيسيا نيوز www.asianewsib.com
[4] ديوان أبي فراس الحمداني الديوان ، نت .
[5] الضبي المفضل بن محمد يعلي بن سالم ، المفضليات ، تحقيق وشرح ، أحمد محمد شاكر ، وعبد السلام محمد هارون ، دار المعارف القاهرة ، الطبعة السادسة ، سنة الطباعة غير مذكورة ، ص 265 – 270 .
[6] الفارسي لأبي القاسم زيد بن على ، شرح حماسة أبي تمام ، دراسة وتحقيق ، الدكتور محمد عثمان علي الناشر : دار الأوزاعي بيروت ، سنة الطباعة لا تذكر ، ج 2 ، ص 374 .
[7] السيرة لابن هشام ، تعليق وتخريج ، عمر عبد السلام التدمري ، الناشر دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1410هـ – 1990م ، ج 2 ، ص 68 .
[8] خلاصة حكم المحدث : ضعيف الراوي : عبد الله بن عباس ، المحدث : الألباني ، المصدر : ضعيف الجامع الصفحة أو الرقم 1186 : التخريج : أخرجه الطبراني (11) (11405) (174/ ، والخطيب في ” تاريخ بغداد ” (6 (163) ، وابن الجوزي في ” العلل المتناهية ” (1412) ، واللفظ له .

