فبما كسبت أيدينا
أغسطس 26, 2026توحيد الأسماء والصفات ( الحلقة الثانية الأخيرة )
أغسطس 26, 2026الدعوة الإسلامية :
التنبيه الواضح لمن أساء برأيه الفاضح إلى مقام الإمام مالك وكتابه المُوطَّأ
بقلم : الشيخ صالح العَوْد *
أصدرت إحدى دور النَّشر في ( لبنان ) طبعةً من كتاب ( موطَّأ ) الإمام مالك رضي الله عنه ، مُرْفقاً بملحق هزيل استخرج صاحبُه بزعمه : الأحاديثَ الضعيفة ، وكأنّه يستدرك عليه ، وعلى جهوده البارّة في تأليف كتابه الذّائع الصّيت ، ألا وهو ( الموطّأ ) ، وما أدراك ، ( هو أول كتاب الصحاح ) .
فلمّا وقفتُ عليه معروضاً بإحدى المكتبات التجاريّة ، ساءني هذا العبث بل هالني صنيعه ، وأسفت كل الأسف على ما أقدم عليه : كلُّ من الكاتب أوّلاً ثمّ النّاشر ثانياً ، وقلت ممتعضاً من هذا التصرّف الأرْعن : لا تزال خيوط المؤامرة ، في تشكيك أحاديث السّنّة المشرّفة سنداً ومتناً مُستمرّةً من كلّ ناعق وفاطق إلى اليوم ، وقبل سنوات ، أخرج صعلوك كتاباً يتهجّم فيه على صحيح الإمام البخاري ومصداقيّته ، والحقيقة التي لا جدال فيها ، أنّها إحدى مآسي هذا العصر الكبرى ، وأن أصحابها الطفيليّين لا يرقبون في ثوابتنا الجليلة وتراثنا العظيم إلاً ولا ذمّةً .
وأكثر من ذلك ، أنّهم لا يخشون الله تعالى ، ولا يحترمون بل ولا يعظِّمون شأن النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وسلّم : أقواله وأفعاله وغير ذلك ، كما ألمح إلى ذلك صلى الله عليه وسلّم : ” تركت فيكم ما إن تمسّكتم بهما : كتاب الله ، وسنّتي ” .
ثمّ وبكلّ تأكيد ، يعرفون أنفسهم : أنّهم لا علم لهم بالسنّة : من قريب أو بعيد : رُواةً ومصنِّفين ، وإنّما دعاهم خروجهم على الأمّة بهذا الهراء : حبّ الظهور ، والتّشفِّي من أولائك الأعلام البارزين كمالك والبخاري ، على مدى قرون خلت ، ولا زالوا حتّى عصرنا .
وليتهم اشتغلوا بأشياء أخرى تخُصُّهم إن كانوا من أهل الاختصاص ، أمّا أن يطرُقُوا هكذا مجالات ليسوا منها في شيئ ، فهذا يفضح مسارَهم ، ويعرّي نواياهم ، ويكشف مقاصدهم ، ولأنّه ضلال مبين بلا شكّ .
أعود فأقول ، ومن الله تعالى وحده الرِّضا والقبول : لماذا هذا الهَرْج ؟ أو هذا الجرْج ؟ أشهر كتاب في الدّنيا ، وأصدقه بعد القرآن الكريم ، وهو الموطَّأ ، لإمام المدينة : مالك بن أنس رضي الله عنه .
في البداية : أعرض ( شهادة ) العظماء ، من أعلام العلماء ومشاهير الروّاة الثّقات ، في كلّ العصور ، على النحو التالي :
قال الإمام الشافعي رحمه الله : إذا جاء الأثر فمالك النّجم ، وإذا ذكر العلماء فمالك النّجم الثّاقب ، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته ، وما أحد أمنَّ عليّ في علم الله من مالك ، وجعلت مالكاً حجّةً بيني وبين الله .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : قلت لأبي : من أثبت أصحاب الزّهريّ ؟ قال : مالك أثبت في كلّ شيئ .
وقال ابن وهب : لولا مالك لضللت .
وكان الأوزاعي إذا ذكر مالكاً قال : عالم العلماء ، وعالم أهل المدينة ، ومفتي الحرمين .
وقال الإمام سفيان بن عيينة لمّا بلغته وفاته : ما تركَ على الأرض مثله ، وقال : مالك إمام وعالم أهل الحجاز ، ومالك سراج الأمّة ، وإنما كنا نتبع آثار مالك .
وقال حمّاد بن زيد لرجل جاءه في مسألة اختلف النّاس فيها : يا أخي ! إذا أردت السلامة لدينك فسل عالم المدينة وصر إلى قوله فإنه حجّة ، مالك أعلم الناس .
وقال حمّاد بن سلمة : لو قيل اختر لأمة محمّد صلى الله عليه وسلم إماماً يأخذون عنه دينهم لا بدّ من ذلك ، لرأيت مالكاً لذلك موضعاً ورأيت ذلك صلاحاً للأمّة .
وقال اللّيث بن سعد : علم مالك أمان لمن أخذ به الأنام .
مكانة الموطأ ، وأنّه الأصل في كتب الصِّحاح :
بيَّن السَّادة العلماء : من المحدِّثين والفقهاء ، منزلة كتاب الموطّأ من حيث المنهج كفكرة لم يسبقه إليها أحد في زمانه أو بعد زمانه ، وكذلك ما اختاره من تجميع نصوصه : أحاديث ، وآثار ، وأقوال ، وظلّ يزيد فيها وينقص مدّة أربعين عاماً ، حتى نضج عملُه فيه واستوى ، ورضي به عن قناعة دون خلل ولا تردّد أو اضطراب ، فخرج به على الأمّة المسلمة ككتاب جميل وجليل ينفعها ولا يضرُّها : عقيدةً ، وشريعةً ، وسأعرضُ هنا باختصار شديد ، خلاصة ما صدَّر به كتابه : ( المُسَوَّى من أحاديث المُوَطّأ ) للعلاّمة الشّهير ، والمحدِّث الكبير : الإمام وليّ الله الدِّهلِوِي رحمه الله وطيّب ثراه ، فقد قيَّمَ هذا الكتاب ، وأحاط به من حيث أسانيده ، وأحاديثه ، وآثاره ، وما جاء فيه من أقوال ونقول ، أُورِدُها من مقدّمته الهائلة في صفحته ( 25/27/29 ) :
لما ألّف الإمام مالك هذا الكتاب ، شرع كثير من العلماء في تأليف مثله ، فقيل للإمام مالك : أتعبت نفسك بتأليف هذا الكتاب ، وها قد ألّف النّاس مثله ، فقال : ستعلمون لا يقبل من هذه الكتب إلا ما أريد يه وجه الله ، فبعد زمن قليل ما عرف شيئ من تلك الكتب كلّها ، أُلقيت في البئر .
سأل مالك مطرف بن عبد الله : ماذا يقول الناس في موطئي ؟ فقال : الناس رجلان : محبّ مطر ، وحاسد مفتر ، فقال مالك : إن مُدّ بك عمر، فترى ما يريد الله به .
لقد انشرح صدري وحصل لي اليقين بأنّ الموطّأ أصح كتاب يوجد على وجه الأرض بعد كتاب الله ، كذلك تيقّنت أنّ طريق الاجتهاد وتحصيل الفقه ( بمعنى معرفة الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ) مسدود اليوم ( على من رام التحقيق ) إلا من وجه ، وهو أن يجعل ( المحقّق ) الموطّأ نصب عينيه ويجتهد في وصل مراسليه ومعرفة مآخذ أقوال الصحابة والتّابعين ، بتتبّع كتب أئمّة المحدّثين .
وما قلناه أنّ طريق الاجتهاد مسدودة إلا من هذه الجهة ، الباعث على ذلك أن الأحاديث المرفوعة وحدها لا تكفي جميع الأحكام ، بل لا بد لها من آثار الصحابة والتّابعين ، ولا يوجد كتاب جامع لهذا وذاك الآن ، ويكون مع ذلك مخدوما من العلماء ، ونُظِرَ فيه نظر المجتهدين طبقة بعد طبقة غير الموطأ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى دليل عند من عرف الكتب المأثورة ، التي هي أصول الشرع ، وعَلِمَ أيضاً كلام أهل العلم فيها وأنظارَ المجتهدين في شرحها ، أمّا المغفّلون من أبناء هذا العصر، الذين هم معرضون عن هذا الأمر بالكلّيّة ، ومسوقون مثل الإبل المخطومة ، لا يدرون إلى أين يذهبون ، فهؤلاء في واد آخر ، ولا يمكن تكليفهم بفهم هذه الأمور .
* مجاز في علم الشريعة .

