التنبيه الواضح لمن أساء برأيه الفاضح إلى مقام الإمام مالك وكتابه المُوطَّأ
أغسطس 26, 2026السيرة النبوية : منهج كامل للحياة الإنسانية
أغسطس 26, 2026الدعوة الإسلامية :
توحيد الأسماء والصفات
( الحلقة الثانية الأخيرة )
بقلم : الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
إن أرفع مكانة في مخلوقات الكون هي مكانة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن الله تعالى أمره بأن يعلن أمام الناس بكل صراحة : لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، لئلا ينخدعوا أن ما يرتكبون من جرائم وسيئات ينقذهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ، وكل ما يكون هو من الله تعالى ، وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ) [ الشعراء : 214 ] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا ، فعم وخص ، فقال : يا بني كعب بن لؤي ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ، ( رواه صحيح مسلم في كتاب الإيمان : 522 ) ، وفي لفظ البخاري : سليني ما شئت من مالي ، لا أغني عنك من الله شيئاً : ( 2753 ) .
يتضح جلياً من هذا الحديث الطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما أكرمه الله تعالى بما لم يكرم به أحد من الناس يقول لابنته الحبيبة : إني لا أملك لك من الله شيئاً ، فكيف يثق أحد بأنه ما يعمل وما يخطئ كان له رسول الله صلى الله عليه وسلم شافعاً ، ولا شك أنه ينال الشفاعة الكبرى ، لكن لا بد أن يعلم الإنسان حقيقته أيضاً ، التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم أن هذه الشفاعة لا تكون اختياريةً ، بل تصدر بإذن من الله تعالى ، قال تعالى : ( مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) [ البقرة : 255 ] .
إن شفاعة الله تختلف تماماً عن الشفاعات الأخرى ، كما أن ملكاً يقبل الشفاعة على كره منه ، ويكون عليه ضغط من زوجته أو أولاده أو أصدقائه ، فيقبل الملك شفاعتهم على غصص ومضض ، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً ، اللهم إلا أن هناك مثالاً يحكى له : رجل أذنب ، ويريد الملك نفسه أن يعفو عنه ، لكنه يكلف أفراداً خاصةً أن يشفعوا له لرفع درجته ، أو لمصلحة ما ، ثم يقبل شفاعتهم ويعفو عنهم ، كذلك الله سبحانه وتعالى إذا أراد مغفرة عباده أذن لهم بالشفاعة ، ولا يستحق بدرجة الشفاعة الكبرى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يشفع للناس أجمعين حينما يقضي لهم بالجنة أو النار ، وينتظر أهل الجنة للدخول في الجنة ، ويترقبون إذن الله تعالى ، فيذهبون إلى كل نبي ، وهم يعتذرون ، ثم يأتي الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل أهل الجنة في الجنة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذه هي الشفاعة الكبرى ، وسيأتي تفصيلها في باب الإيمان بالنبوة والرسالة بإذن الله تعالى .
فعلمنا أن كل شيئ بيد الله تعالى ، ولا يمكن لأحد أن يوفر رزقاً ، أو ينزل مطراً ، أو يرزق ولداً ، ولا يمكنه أن ينفع ولا يضر ، وأما ما يتصوره الناس عن بعض الأنبياء والمشايخ أنهم قادرون على كل شيئ ، لكنهم لا يبدون قدرتهم أمام الله تعالى ، ويعتبرون ذلك سوء الأدب ، إذا أرادوا قلبوا كل شيئ في دقائق وثوان ، لكنهم لا يفعلون ذلك نظراً إلى جلال الله وقدسيته ، فكلها أفكار شركية واتجاهات باطلة ، يقول الله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) [ النحل : 73 ] ، وخوطبت الأمة في موضع بواسطة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ ) [ يونس : 106 ] ، فما أكفر الإنسان وما أجهله ، إنه يدعو من دون الله رغم وجود الله القاهر والجبار ، وقد شرح هذا الموضوع الشيخ عبد القادر الجيلاني بمثال رائع ، وصوَّر حمق وسفاهة الرجال الذين يستندون إلى غير الله ، لكشف كرباتهم أو للانتفاع به ، يقول الإمام عبد القادر الجيلاني في المقالة السابعة عشرة من كتابه :
” لا تعلق قلبك بشيئ منهم ، واجعل الخليفة أجمع كرجل كفته سلطان ، عظيم ملكه شديد أمره ، مهولة صولته وسطوته ، ثم جعل الغل في رقبته مع رجليه ، ثم صلبه على شجرة الأذرة على شاطئ نهر عظيم موجه ، فسيح عرضه ، عميق غوره ، شديد جريه ، ثم جلس السلطان على كرسيه ، عظيم قدره ، عال سماؤه ، بعيد مرامه ووصوله ، وترك إلى جنبه أحمالاً من السهام والرماح والنبل وأنواع السلاح والقسي ، ومما لا يبلغ قدرها غيره ، فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السلاح ، فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النظر إلى السلطان والخوف منه والرجاء له ، وينظر إلى المصلوب ويخاف منه ويرجوه ، أليس من فعل ذلك يسمى في قضية العقل عديم العقل والحس مجنوناً ، بهيمةً غير إنسان ؟ نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة ، ومن القطيعة بعد الوصول ، ومن الصدود بعد الدنو والقرب ، ومن الضلالة بعد الهدى ، ومن الكفر بعد الإيمان ” [1] .
وقد ذكر الله في موضع من القرآن الكريم : ( قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ . وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ) [ سبأ : 22 – 23 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مخاطباً سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، وهو يبين حقيقة التوحيد أنه ليس في وسع أحد أن يضر إنساناً ، رجلاً كان أو أنثى بدون إذن الله تعالى ، والحديث على ما يأتي : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ، فقال : يا غلام ! إني أعلمك كلمات ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيئ لم ينفعوك إلا بشيئ قد كتبه الله تعالى لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيئ لم يضروك إلا قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ( سنن الترمذي : 2516 ) فقد أخبر هذا الحديث بكل صراحة بأن النفع والضرر ليسا في وسع أحد ، بل كلاهما بيد الله تعالى ، يفعل مايشاء ، وقد اتضح من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن التصرف المطلق والخيار الكامل بيد الله تعالى ، فليس لأحد اختيار أن يفعل ما يشاء ، فإذا سأل أحد حاجته من دون الله سواء كان نبياً أو ولياً أو شيخاً ربانياً ، أو إماماً أو ناسكاً كان هذا شركاً ، إلا أن التماس الدعاء منهم أحسن وأطيب ، لكن هذا الاعتقاد أن هؤلاء العباد الصالحين يحملون اختياراً كاملاً في قبول الدعاء ، فتقبل دعواتهم ، ولا يرفض الله دعاءهم ، فهذه أفكار شركية ، والناس كلهم عباد الله ، وهم يتضرعون إلى الله تعالى ، والله يستجيب دعوات عباده المخلصين ، وكثيراً ما يصدر من ألسنة رجال صالحين أمثال هذه الجمل أن الشيخ الفلاني إذا شاء أو تصرف شيئاً تم عملي ، ولا شك أن التصرف حق الله ، ولا يعمل أحد إلا بإذنه ، فالاعتقاد عن إنسان أنه إذا شاء تم العمل فكرة شركية ومضادة لعقيدة التوحيد .
فالحاجة ماسة إلى توحيد الأسماء والصفات مثل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، وبدون ذلك كانت عقيدة التوحيد ناقصةً .
[1] فتوح الغيب تأليف الشيخ عبد القادر الجيلاني ، ضبطه ووثقه محمد سالم البواب ، الناشر : دار الألباب

