السيرة النبوية : منهج كامل للحياة الإنسانية

توحيد الأسماء والصفات ( الحلقة الثانية الأخيرة )
أغسطس 26, 2026
توحيد الأسماء والصفات ( الحلقة الثانية الأخيرة )
أغسطس 26, 2026

الدعوة الإسلامية :

السيرة النبوية : منهج كامل للحياة الإنسانية

بقلم الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي رحمه الله *

تعريب : الأخ محمد سعدان الدين الندوي ¨

ليست سيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفحات من التاريخ تُروى ، ولا أخباراً تذكر فحسب ، بل هي نور وهداية ، ومنهج يُقتدى به ، ورحمةٌ تمتدّ آثارها إلى الناس جميعاً في كلّ عصر ومصر . فما من جانب من جوانب حياته صلى الله عليه وسلم إلا وهو مشرق بالهداية ، وزاخر بالفوائد . ومن أعمال سيرته صلى الله عليه وسلم التى تعرف بـ ” العادات ” على وجه العموم هي تحمل أيضاً الهداية الأسمى للإنسانية والحكم البالغة ، ومع كونها قدوةً صالحةً يُحتذى بها هي منافع تعود على الناس في دينهم ودنياهم ، كما جاء في الحديث الشريف عن هديه المبارك عن الاضطجاع على الشق الأيمن والنوم عليه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِذا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَن يَضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِهِ . . . ثُمَّ ليَضْطَجِعْ عَلى شِقّهِ الأَيْمَنِ . . . إلخ [1] .

التيامن في كل شيئ :

فقد كَشف عن أسرارها الطبية والبدنية رجالها ، وذكرها أيضاً العلماء الذين شرحوا الأحاديث ، ولها منافع دينية كثيرة نحو عدم إهمال القلب ، والسهولة في الاستيقاظ عند السحر ، وهو من أكثر أوقات الذكر نفعاً وأجراً ، فقد حكى القرآن الكريم عن الذين ثاروا عن وِطائهم وفِراشهم في الأسحار ذاكرين لله سبحانه وتعالى حكايةً تتأثر بها القلوب ، وترغب فيها النفوس . ( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) [2] .

وكما قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي الطُّهُورِ إِذَا تَطَهَّرَ ، وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ ، وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ ” وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم : إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ ” [3] .

ومن المدلولات التي تلوح من هذا الحديث مدلول عن الاهتمام بالتيامن عند توزيع شيئ في الزحام الكثير ، ويتبين اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الهدي من قصة حكاها الإمام مسلم بن الحجاج ( ت ٢٦١هـ ) في صحيحه ، فعن أَنَس بْنَ مَالِك وهو يُحَدِّثُ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِنَا ، فَاسْتَسْقَى ، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً ، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ ، قَالَ : فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ ، وَعُمَرُ وِجَاهَهُ ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ شُرْبِهِ . قَالَ عُمَرُ : هَذَا أَبُو بَكْرٍ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ! يُرِيهِ إِيَّاهُ ، فَأعْطي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الأَعْرَابِيَّ ، وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : الأَيْمَنُونَ ، الأَيْمَنُونَ ، الأَيْمَنُونَ [4] .

لكن إذا أذِن من كان عن اليمين كما جاء في الحديث ، أَنّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِشَرَابٍ ، فَشَرِبَ مِنْهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ ، فَقَالَ لِلْغُلامِ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلامُ :  لا ، وَاللَّهِ ! لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً ، قَالَ : فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في يده [5] .

وإن كان الامتثال لمثل هذا الهدي النبويّ لا يفيد الفرض ولا الوجوب ، لكن الانقياد له والاقتفاء بأثره زاخر بالخير والبركة ، ويخاف على من استخف به أن تحبط أعماله ، ويسلب إيمانه .

وأجمل ما ذُكر في هذا الهدي النبويّ هو توضيح الإمام ولي الله الدهلوى رحمه الله ( ت ١١٧٦هـ ) ، فقد أبدى في التيامن حكمةً بالغةً وفقهاً بعيد المدى ، وهو أن البدء بالتيامن سبب لقطع المنازعة ، وإعادة الحب والصلات القوية السعيدة في المجتمع . وأن عامّة الناس لا يؤثرون على أحد في هذه المناسبات ، فإذا اتُّبِع فيه أسلوب الترجيح حسب المراتب والطبقات وجد عليه أحدٌ ، حتى ينظر إليه نظرةً فيها حقدٌ وبغضٌ [6] .

لكن حينما يختار التيامن لا يؤدي ذلك إلى نشوء خلافات ثم تتضاءل فرص الحسد والبغضاء ، فهل يظن عاقل أن إطفاء نار الحقد والحسد في عالمٍ تضطرم فيه الشهواتُ والأطماع ، أو التخفيف من لهيبها ! أمر هيّن الشأن ؟ قليل الخطر ؟

والآن أصبح الأمر جلياً . . . أن حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم كلّها قولاً وعملاً كانت ولا تزال معيناً لا ينضب من الهداية ، ومصدراً زاخراً بالمنافع والمصالح ، تتجاوز آثارها وتمتدّ بركاتها إلى الإنسانية جمعاء .

أفضل نموذج للمساواة الإنسانية :

هذا ! وإن كانت بعض جوانب السيرة النبوية أعظم شأناً وأوسع أثراً من بعض ، فإنّ فيها من النواحي ما أقرَّ بفضلها المسلمون وغير المسلمين ، بل اعترف بها أحياناً من كان عدواً للإسلام ، وقد بلغ من قوة هذه الجوانب وسموّها أنّ بعضها اتّخذ طريقها إلى المواثيق الدولية الحديثة . وقد يعرض على سبيل المثال فيها العدالة الاجتماعية وهديه صلى الله عليه وسلم عن حقوق النساء ، ولا يسع لأحد إلا الاعتراف بأن العالم كله عثر على مثل هذه المواثيق في ظلال سيرته ، فانجلى الصبح الصادق حتى تفتّح حسن هذه الحقائق بعد ليالٍ مظلمة زادت على آلاف من السنين ، فقدت فيها النسوة فضلهن ومكانتهن ، حتى سُلب منهن حق التنفس والحياة .

وما جرى أخيراً في نهاية القرن المنصرم في الأقطار النامية مثل فرنسا ، فكانت تدور في نوادي المثقفين فيها ومجالس المفكرين أحاديث عن كون المرأة إنساناً أو غير إنسان ، مع أن فرنسا تعد من أغنى الدول المتقدمة اقتصادياً وفكرياً ، وفي أوربا تظهر المساواة الإنسانية في الهتافات والشعارات فقط . وكما عامل الأمريكان مع الهنود الحمر ، وفي جنوب أفريقيا المحتلون البيض مع سكانها الأصليين ذوي البشرة السوداء .

لكن العالم شهد في ظلال السيرة النبوية جيلاً فريداً لم تعرف الإنسانية له نظيراً ؛ جيلاً ربّاه النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان والعدل والتواضع ، فارتفعت به القيم فوق الأنساب ، وقدّم فيه التقوى على الحسب والجاه .

ومن أعظم رجال ذلك الجيل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو من أشرف العرب عظمةً وأعلاهم مكانةً وهيبةً ، ومع ذلك كان يخاطب بلال بن رباح رضي الله عنه – ذلك العبد الحبشي الذي رفعه الإسلام – بقوله : ” سيدنا بلال ” رضي الله عنه ، ويقول : أبو بكر سيّدنا ، وأعتق سيدنا ، يعني : بلالاً ” [7] .

وهكذا أزال الإسلام الفوارق المصطنعة بين الناس ، فجعل الكرامة بالتقوى والعمل الصالح ، لا باللون ولا بالعرق ولا بالمنصب .

ولم يكن هذا التكريم مجرد كلمات تُقال ، بل كان واقعاً يُعاش ، فقد كان بلال رضي الله عنه يدخل على كبار الصحابة رضي الله عنهم متى شاء ، ويُعامل معاملة السادة والرؤساء ، في حين كان أصحاب الجاه والسلطان ينتظرون الإذن والموعد . إنها صورة ناصعة من صور العدالة الإنسانية التي جاءت بها السيرة النبوية .

وكذلك المرأة التي كانت في الجاهلية تُحرم حقوقها ، بل قد تُدفن وهي حية ، خشية العار ، أصبحت في الإسلام أمّاً للمؤمنين ، وعالمةً يُرجع إليها ، وفقيهةً يُؤخذ عنها العلم ، وزاهدةً يقتدي الناس بعبادتها . فهذه ابنة الإمام العلامة الكاساني رحمه الله ( ت ٥٨٧هـ ) عُرفت بالعلم والفقه ، وهذه السيدة رابعة البصرية رحمها الله ( ت ١٨٠هـ ) صارت مثالاً للزهد والعبادة . وأعلى من ذلك كله أن الإسلام جعل للأم منزلةً لا تدانيها منزلة ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن سبيل النجاة .       ” الْزَمْ رِجلَها ، فثمّ الجنَّةُ [8] ، وأعلن القرآن الكريم عن مبدأ العدل بين الرجل والمرأة بقوله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ) [9] .

وليس من المبالغة أن يقال : إن كثيراً مما يتحدث عنه الناس اليوم من حقوق الإنسان وكرامة المرأة إنما توجد جذورها الحقيقية في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، وما هذه الأمثلة إلا قطرة من بحر ، وإشارة يسيرة إلى كنوز لا تنفد من الهداية والإصلاح ، وإنْ كان هناك من يصدق عليه قول الشاعرالمتنبّي ( ت ٣٥٤هـ ) يصدق على السيرة النبويّة أكثر مصداقاً على الشاعر الذى قاله عن نفسه :

وما الدّهرُ إلا من رُواةِ قصائدي

التواضع وهضم النفس في السيرة النبوية :

ومن الجوانب البديعة في السيرة النبوية التي تُعنى بالشخصية أو غير الكونية هي تثبت أيضاً الآفاقية والعالمية ، ومنها ما يتجلى في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الدعاء مرآة القلب ، وفيه تظهر أمنيات الإنسان الكبرى ومقاصده العليا ، ومن الأدعية المأثورة التي تحمل معاني عظيمة قوله : ” اللَّهمَّ اجعَلني في عَيني صغيراً ، وفي أعيُنِ النَّاسِ كبيراً ” [10] .

وإذا تأمل المرء هذا الدعاء وجد فيه علاجاً لكثير من أمراض النفوس والمجتمعات ، فكثير من الناس يبالغون في تقدير أنفسهم ، ويرون أنهم جديرون بالاحترام والتقدير ، وإن لم يبلغوا منزلةً تستحق ذلك ، فإذا لم يجدوا من الناس ما يوافق هواهم امتلأوا غضباً وسخطاً ، وربما خاصم وعادى لأجل جاه موهوم أو منزلة متخيلة .

أما صاحب النفس المؤمنة فإنه يرى تقصيره دائماً ، ويخشى أن يكون دون ما يظنه الناس فيه ، فلا يطلب المنصب ، ولا يتطلع إلى الشهرة ، ولا يفرح بالثناء فرح المغرور ، وإذا أُسندت إليه مسؤولية قبلها خدمةً للناس لا تشريفاً لنفسه ، وإذا تولى عملاً ازداد تواضعاً وخشيةً ومحاسبةً لنفسه .

ولو ساد هذا الخلق في المجتمعات لقلت الخصومات ، وخفَّ التنافس المذموم ، وحلَّ التعاون محل التباغض ، وكان الناس أقرب إلى الصدق والإخلاص ، ففساد الأحوال إنما يبدأ حين يكبر الإنسان في عينه ، ويصغر الناس من حوله ، بينما صلاحه يبدأ حين يصغر في عين نفسه ، ويعرف قدرها وحقيقتها .

وهذا هو السر الذي ربّى النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه الكرام رضي الله عنهم ، فبلغوا من علو المنزلة ما بلغوا ، لا لأنهم طلبوا الرفعة لأنفسهم ، بل لأنهم طلبوا رضا الله . ومن هنا بقي ذكرهم عطراً في التاريخ ، فيترددون في قبول أمر الخلافة الجليل ، بل يلتزمون منه بالحيطة كأنه أمر مهلك .

وقد أجاد الأديب المعروف عباس محمود العقاد رحمه الله ( ت ١٣٣٨هـ ) في ” عبقرية الصديق ” ، حيث حكى قصة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وفيها أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسط يده مُبايعاً لخلافة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ” أمين هذه الأمة ” [11] .

لكن تأملوا في ردّ ابن الجراح رضي الله عنه ، وكيف انعكست صفة أمانة في ردّه خيرَ انعكاسٍ ، فقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :     ” ما رأيتُ لك فهّةً ( زلّة ) قبلَها منذ أسلمتَ ، أتُبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين ! ” [12] .

هذه صفحة من السيرة النبوية العطرة التي تمس الحاجة إليها اليوم أكثر من أيّ عصر مضى ، ومن أي زمن ذهب . لأن كلّ من هب ودب يعتبر نفسَه من العباقرة ، مع أنه صغير عند الكرام ، فالحاجة إلى رجال من العلم والفكر صغار في نفوسهم ، وكبار عند أهل العصر .

* رئيس قسم التفسير لدار العلوم التابعة لندوة العلماء لكناؤ ، سابقاً .

¨ حفيد الكاتب الجليل رحمه الله .

1 رواه ابن ماجه ( ٢٧٣هـ ) أبواب الدعاء ، ٣٨٧٤ .

[2] السجدة : ١٦ – ١٧ .

[3] سنن ابن ماجه ، كتاب الطهارة ، ٤٠١/ ٤٠٢ .

[4] صحيح مسلم ، كتاب الأشربة ، ٢٠٢٩ .

[5] أيضاً : ٢٠٣٠ .

[6] راجع للتفصيل : حجة الله البالغة : الدهلوى ، المجلد الثاني : ٥٦٧ ، تحقيق : سعيد أحمد البالنبورى ، مكتبة حجاز بديوبند .

[7] صحيح البخاري : ( ت ٢٧٦هـ ) كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،      رقم : ٣٧٥٤ .

[8] سنن ابن ماجه : كتاب الجهاد ، ٢٧٨١ .

[9] البقرة : ٢2٨ .

[10] الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير للسيوطى : ( ت ٩١١هـ ) ، ص : ٩١ .

[11] البخاري : كتاب أخبار الآحاد : ٧٢٥٥ .

[12] عبقرية الصديق : العقاد ، ص : ١٨ .