فبما كسبت أيدينا

توحيد الأسماء والصفات
أغسطس 26, 2026
التنبيه الواضح لمن أساء برأيه الفاضح إلى مقام الإمام مالك وكتابه المُوطَّأ
أغسطس 26, 2026
توحيد الأسماء والصفات
أغسطس 26, 2026
التنبيه الواضح لمن أساء برأيه الفاضح إلى مقام الإمام مالك وكتابه المُوطَّأ
أغسطس 26, 2026

الدعوة الإسلامية :

فبما كسبت أيدينا

الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد *

في لحظة ما ، حينما تثقل الهموم والمشاكل كاهل الإنسان ، ويعجز عن مواجهتها أو إيجاد مخرج منها ، يلجأ إلى ربه ، فيناجيه متسائلاً : لم كل ما أنا فيه ؟ ولماذا كل ما أعانيه ؟ وبماذا أذنبت ليحدث لي كل هذا ؟ ويعيد السؤال على نفسه ، يكرره ويلح به تكراراً ومراراً ، وبينما يقف تارةً موقف المتضرع إلى ربه ، مستعظماً ما ألم به من ابتلاءات ، يتيه تارةً أخرى في متاهات عقله وأغوار نفسه ، باحثاً عن جواب يتصوره بعيد المنال ، مع أنه هو أقرب إليه مما يظن ، غير أنه يفر من الاعتراف به ، أو يخشى الإقرار به ، أو يلتمس مبررات تبعده عنه ، أو ينتظر تأكيداً خارجياً لما هو ثابت في داخله ، إلا وهو إن كثيراً مما هو فيه ، ومما يمر به ويعانيه ، إنما هو صنيعة يده ، ومن عند نفسه وبسببها .

وقد بينت آيات من القرآن الكريم حال الناس حينما تحل بهم الشدائد وتنزل بهم الكوارث ، وتداهمهم المصاعب والمصايب ، قال تعالى : ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ )       [ آل عمران : 165 ] ، وإن كانت هذه الآية قد نزلت في أحداث غزوة أحد ، ولكنه سؤال يخطر على بال كل واحد منا ، ويتردد في نفسه ، لماذا أصابتني هذه المصيبة ؟ ومن أين جاءتني ؟ ولكن الجواب الحق هو ما بينه الله تعالى : هي من عند أنفسكم ، لا من عند غيركم ، ولا بفعل أحد سواكم . وقال سبحانه وتعالى في سورة المعارج الآيات 19 – 20 : ( إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً ) ، تصف هذه الآية حال الإنسان إذا أصابه ضيق أو مرض أو فقر تجده جزوعاً أي لا يتحمل ما أصابه فيظهر عليه الخوف والقلق والحزن ، ويصير هكذا حاله . وقال تعالى :       ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ ) [ الشورى : 48 ] . وقال عز وجل : ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) [ الروم : 36 ] . وقال سبحانه وتعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ) [ هود : 9 ] ، فإذا ما نزل بالإنسان شدة أو ضر ، فإذا به ينسى ما أسبغ الله عليه من نعم سابقة وحاضرة ، ويستحضر ما نزل به من مصايب وينشغل بذكرها ، فلا يرى إلا لحظته الراهنة وشدتها الآنية ، فيصيبه السخط على ما ابتلي به ، ويقارن حاله بما يبدو له من حال غيره ، فيزداد تضجراً وجزعاً ، وربما تجاوز ذلك إلى ما لا يليق قوله أو فعله ، ومع طول المكابدة ، واستسلام النفس لهذا الحال ، تسيطر عليه نظرة تشاؤمية ، فييأس من الفرج ، ومن زوال ما به من ابتلاء ، فلا يرى خيراً منتظراً ولا فرجاً قريباً ، وقد غفل عن سعة رحمة الله ، وقدرته على تبديل الحال ، ورد النعمة ، أو التعويض بمثلها أو بخير منها . وقال تعالى : ( وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ) [ الحج : 11 ] ، أي من الناس من إن أصابته فتنة من حصول مكروه أو زوال محبوب انقلب على وجهه ، أي ارتد عن دينه خسر الدنيا والآخرة . وقال تعالى في سورة يونس الآية 12 :    ( وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ) ، وقال تعالى : ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ) [ فصلت : 51 ] ، وقال سبحانه وتعالى :  ( وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) [ الروم : 33 ] ، تبين هذه الآيات حال الإنسان عند وقوع البلاء به ، وعند مواجهته للشدائد ، من ضيق أو ألم أو مرض أو فقر أو خوف ، فإذا به يلجأ إلى الله وحده ، متضرعاً إليه بالدعاء ، ومستغيثاً به في كل أوقاته وفي جميع حالاته ، مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً ، وما أن يرفع عنه البلاء ، ويكشف عنه هذا الضر ويفرج كربته ، فإذا به يعود إلى ما كان عليه قبل الشدة ، كأن لم يدع الله قط ، ولم يمر به أي بلاء ، فيتصرف كأن شيئاً لم يكن ، فعجباً لحال هذا الإنسان يطلب من ربه عند الحاجة ، ثم ينساه عند العافية ؟ وبينما ينظر بعض الناس إلى المصيبة نظرة سخط ويأس ، فإن فريقاً آخر ينظر إليها على أنها ابتلاء من الله عز وجل ، قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ) [ البقرة : 155 ] ، وقال عز وجل : ( وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ) [ الأنبياء : 35 ] ، وقال سبحانه وتعالى :            ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) [ محمد : 31 ] . فهي عند هذا الفريق باب من أبواب القرب إلى الله عز وجل ، وتكفير للذنوب ، ورفعة للدرجات ، يرجون بها الأجر والثواب ، ويوقنون أنها بتقدير الله وحكمته ، وأن وراء كل قدر عبرة لمن تدبر ، فلا يخرجهم البلاء عن حسن الظن بربهم ، ولا يقطع رجاءهم في الفرج ، بل يجتمع في قلوبهم الصبر والرضا ، ويثبتون على الإيمان بالقدر خيره وشره ، غير مستسلمين لليأس ، ولا منقادين للقنوط ، وإن اشتد عليهم الألم لجأوا إلى الله بالشكوى دون اعتراض على قضائه ،  قال تعالى : ( ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ ) [ البقرة : 156 ] . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ” [ رواه البخاري ] . قال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجةً لم يكن يوصله إليها إلا به . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :      ” إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها ” ، وقال عليه الصلاة والسلام : ” والذي نفس محمد بيده ما من خدش ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر ” ، كما ثبت في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام : ” عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” ، فهو يشكر ربه عند النعمة ، ويصبر عند البلاء ويرجو ربه في كل حال .

كما أشارت آيات من القرآن الكريم إلى أن ما يصيب الناس من مصايب في أنفسهم وأهليهم وأموالهم وفيما يحبون ويكون عزيزاً عليهم ، قد يكون بسبب ما كسبته أيديهم وما ارتكبته من أعمال أو ذنوب أو أخطاء ، إما عقوبةً أو تنبيهاً وتذكيراً من الله لهم ، ومع ذلك فإن رحمة الله واسعة إذ يعفو عن كثير فلا يؤاخذهم بكل ما كسبوا ، قال تعالى : ( وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ) [ الشورى : 30 ] ، وقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) [ الأعراف : 100 ] ، أي أو لم ينتبه هؤلاء إلى أن سنة الله ماضية في الأولين والآخرين ، وأنه سبحانه لو شاء لأصابهم بذنوبهم كما أصاب من قبلهم ، إلا أن من سنته أيضاً الإمهال والرحمة مع بقاء العبرة والابتلاء . وقال تعالى : ( ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم : 41 ] ، والمقصود بالفساد هنا كل ما يضر حياة الناس من ظلم وقحط ، ونقص الثمرات ، وانتشار الأمراض والأوبئة ، واضطراب الأمن ، وضعف الأخلاق ، وفساد المعاملات ، وانتشاره في البر والبحر ، وهما موطن الإنسان وسكنه بل وسكن سائر المخلوقات ، فكل ذلك من آثار ذنوب الناس ومعاصيهم ، ليذيقهم الله بعض ما عملوا ، لا كله ، رحمةً منه ولطفاً بهم ، لعلهم يستيقظون من الغفلة ، ويتركون معاصي الله ويتوبون إليه ، ويستقيمون على الحق ، فلو جازاهم سبحانه وتعالى بكل ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ” [ ابن ماجه ] . كما قال علي بن أبي طالب : ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة . وقال عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور . وليس معنى ذلك أن كل مصيبة تنزل بالعبد لا تكون إلا بسبب ذنب صدر منه هو بذاته ، بل قد تنزل المصايب عليه بسبب ذنوب غيره أيضاً ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ” نعم إذا كثر الخبث ” . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ” [ رواه أبو داود والترمذي ] . أي إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، ولم يقفوا في وجهه لمنعه من الظلم ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده . وقال عليه الصلاة والسلام : ” إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منها ” ] ، وفي هذا الحديث تحذير شديد من السكوت عن الباطل ، والخوف من بطش الظالمين على حساب بيان الحق ، لما في ذلك من تمكين للظلم ، وتفش للفساد ، وضياع للحقوق ، وتعطيل لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يترتب على ذلك من أضرار بالعباد في دينهم ودنياهم . كما يشير الحديث إلى أن السكوت على الظلم مع القدرة على إنكاره ومنعه ، ينذر بعقاب عام يعم الأمة كلها ، الظالم والساكت عنه على حد سواء ، وللنجاة من ذلك يجب الصدع بالحق ، ومواجهة الظلم بكافة الوسائل المتاحة ، مع مراعاة الضوابط الشرعية ومآلات الأفعال . قال تعالى في سورة الأنفال الآية 25 :      ( وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة ” . وقال ابن عباس : أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم . وما يولي الله على عباده ظلمة إلا إذا كثر ظلم العباد لأنفسهم ولبعضهم البعض ، وازداد فسادهم ومنعهم الحقوق الواجبة ، فيسلط الله عليهم ظلمة ، يسومونهم سوء العذاب ، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله وحقوق العباد ، غير مأجورين فيه ولا محتسبين ، قال تعالى : ( وَكَذٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) [ الأنعام : 129 ] ، فمن سنن الله في خلقه أنه يسلط الظالمين بعضهم على بعض ، جزاءً بما كسبوا ، حتى يذيق بعضهم بأس بعض . قال سعيد عن قتادة : إنما يولي الله الناس بأعمالهم ، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان ، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان . وعن ابن مسعود : من أعان ظالماً سلطه الله عليه . وعن ابن عباس : أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم ، وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجباً .         ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) [ فصلت : 46 ] ، كما ورد في عدد من الأحاديث والآثار أن ظهور بعض المعاصي والظلم الاجتماعي يكون سبباً في نزول العقوبات العامة ، كالأمراض وشدة المعيشة وتسليط الأعداء ، منها : لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولا نقضوا عهد الله ورسوله إلا وسلط عليهم عدو من غيرهم ، فأخذ بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم . كما ورد أيضاً أن من الذنوب التي يعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة ، ذنب عقوق الوالدين ، لعظم شأنه وسوء عاقبته .

ومن سنن الله تعالى الجارية في خلقه أيضاً ، أن كل عمل صالح أو سيئ ، يعود أثره على صاحبه ، جزاءً في الدنيا أو في الآخرة ، بحسب مشيئة الله وعدله وحكمته ، قال تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) [ الزلزال : 7 – 8 ] ، وهي آية جامعة في بيان عدل الله تعالى ، إذ لا يضيع عنده عمل الإنسان ، عملاً صغيراً كان أو كبيراً ، قليلاً أو كثيراً ، خيراً كان أو شراً ، بل ويجازي عليه إما في الدنيا أو في الآخرة حسب حكمته سبحانه وعدله ورحمته ، وقد روي عن ابن عباس في تفسيرها أنه قال : ليس من مؤمن ولا كافر إلا ويجازى بعمله ، فأما المؤمن فيكفر عنه في الدنيا ويدخر له جزاؤه في الآخرة ، وأما الكافر فيعجل له حسناته في الدنيا ، ويجزى بسيئاته في الآخرة . وقيل أيضاً في ذلك : إن المؤمن تعجل له عقوبة سيئاته في الدنيا ، في نفسه وأهله وماله وولده ، حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة ، ويؤخر له ثواب حسناته فيجده يوم القيامة كاملاً مضاعفاً ، وأما الكافر فيعجل له ثواب حسناته في الدنيا ويؤخر له عقاب سيئاته ليوافيه به يوم القيامة . قال سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ) [ الأنعام : 164 ] ، لا تجني أي نفس من خير أو شر إلا على نفسها ، فإن عملت خيراً عاد نفعه إليها ، وإن عملت شراً عاد وباله عليها ، ولا يتحمل أحد نتائج عمل غيره . جاء في سورة البقرة الآية 286 : ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ) أي كل نفس تجني ثواب خيرها ، وتتحمل عقوبة شرها ، ويعود عليه وحده في الدنيا بآثاره ، وفي الآخرة بجزائه . وقال تعالى : ( وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ) [ النساء : 111 ] ، فمن يأت ذنباً ، صغيراً كان أو كبيراً ، عن عمد وقصد منه ومعرفة به ، فإنما يجني وبال ذلك الذنب وضره وخزيه وعاره على نفسه ، دون غيره من سائر خلق الله ، أي أن عقوبته الدنيوية والأخروية يضر بها نفسه لأنها عائدة عليه . وقال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) [ الإسراء : 7 ] ، تشير الآية إلى أن أثر العمل راجع إلى صاحبه ، إحساناً كان أو إساءةً ، وكلاهما في الدنيا والآخرة ، وإذا كان الخطاب لبني إسرائيل فالمعنى عام لكل من أطاع الله وأصلح من شأنه ولزم أمره ونهيه ، فإنما يحسن لنفسه ويجني ثمار عمله ، وكل من خالف وعصى الله وارتكب ما نهي عنه فإنما يسيئ إلى نفسه ولا يضر إلا ذاته . وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تقرر ، أن عمل الإنسان راجع إليه وعائد عليه نفعاً أو ضرراً ، قال عز وجل : ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [ لقمان : 12 ] ، وقال سبحانه وتعالى : ( وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ) [ فاطر : 18 ] ، وقال عز وجل :       ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ) [ العنكبوت : 6 ] ، وقال عز وجل في سورة النمل الآية 92 : ( فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ ) ، وقال تعالى : ( فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ) [ الأنعام : 104 ] ، وقال تعالى : ( وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ )       [ محمد : 38 ] ، وقال سبحانه وتعالى : ( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ )      [ الفتح : 10 ] ، وقال : ( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ )    [ الروم : 44 ] ، وقال عز وجل : ( وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) [ غافر : 28 ] ، وقال تعالى في سورة الحشر الآية 19 : ( وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ) ، قال الشوكاني في فتح القدير : نسوا الله أي تركوا أمره ، أو لم يقدروا الله حق قدره ، أو لم يخافوه ، أو اجتمع فيهم ذلك كله ، فأنستهم أنفسهم ، أي أنساهم حظوظ أنفسهم ، فجعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له ، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب ، ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه ، وقال سفيان : نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم . أنساهم مصالح أنفسهم ، وأغفلهم عن منافعها ، فصار أمرهم فرطاً ، فرجعوا بخسارة الدارين ، وغبنوا غبناً لا يمكنهم تداركه ، ولا يجبر كسره . فلا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم ، فإن الجزاء من جنس العمل . قال بعض السلف : إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي .

وأخيراً فإن ما يمر به الإنسان في مسيرة حياته من أحداث ومواجع ، وما يتعرض له من مصايب وأمراض ، أو ما يشهده من تقلبات في المعيشة بين السعة والضيق ، والراحة والكدر ، والسعادة والشقاء ، قد يكون جزاءً لما اقترفته يداه من أخطاء وزلات ، فإذا نزلت به شدة فلا يستغربها ولا يدعها تربكه ، بل يقف مع وقفة جلسة صدق ، ويتأمل سيرته وأيامه ، ويفتش في حاله ملياً ، لعله يتذكر إنه صدر منه يوماً ما ، مثل ما نزل به أو ما شابه له ، أو وقع في ذنب وقصر في واجب . وإن لم يكن من أفعاله ، ولم يجد لذلك سبباً ظاهراً فليعلم أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ، وكل ذلك يجري وفق حكمة إلهية لا يعلم سرها إلا الله تعالى ، فقد يكون في طيات ما يكرهه الإنسان ، خير عظيم لا يدركه في حينه ، قال تعالى : ( لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) [ النور : 11 ] ، وقال عز وجل : ( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ) [ البقرة : 216 ] ، فهاتان الآيتان من القرآن الكريم تبينان ، أن الإنسان قد يحب شيئاً لا خير فيه ولا مصلحةً له ، وقد يكره شيئاً وفي طياته من الخير والرحمة وصلاح الأمر ما كتبه الله تعالى له ، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم بعباده .

* جمهورية مصر العربية .