القيم الخلقية والمثل الإنسانية في كتابات الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي

الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026
صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الثالثة الأخيرة )
مايو 24, 2026
الترجمات الإنجليزية للقرآن الكريم بصيغة PDF ذات النشر الذاتي : اتجاه مقلق ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026
صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الثالثة الأخيرة )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

القيم الخلقية والمثل الإنسانية في كتابات الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي

د . قمر شعبان الندوي *

التمهيد :

بين أيديكم إطلالة سريعة تحاول بلورة ما حققه ، وأنجزه الإمام أبو الحسن علي الحسني الندوي – رحمه الله تعالى – من جهود ومساع في تثمين القيم الإنسانية والخلقية ، المستوحاة المستلهمة من الوحي السماوي الرباني ، ومن حياة السلسلة المقدسة للأنبياء ، ومن نماذج المصلحين الربانيين ، الذين عاشوا لصالح المجتمعات البشرية ، ولنمذجة الحياة الإنسانية ذات الصلة بالباطن مع الظاهر ، وبالروح مع الجسم ، وبالعقل مع المشاعر ، وبالذكاء مع الأفكار والاتجاهات من دون تمييز بين مسلم وغير مسلم ، وبين ثري وفقير ، وبين مقيم وعابر سبيل .

إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاطب من يؤمن به ، ويحترمه ويقدره فحسب ، بل إن خطابه عام ، وتوجيهي واضح فصل لا غبار عليه ، يطمع في تأصيل القيم الإنسانية في الإنسان ، وتشكيل حياته ، وتحقيق ما خلقه ربه من غايات طاهرة مملوءة بالعفاف ، والروحانية ، والإخلاص ، والأخلاق النبيلة ، المجتذبة للأنظار والأذواق .

سوف تسعى هذه الدراسة معالجة الجوانب ذات الصلة بالقيم الإنسانية المعتمدة على الأبعاد المختلفة للإنسانية ، والمؤاخاة ، والمؤاساة المتمثلة في كثير من كتابات الشيخ أبي الحسن الندوي ، الذي أقام منبراً خاصاً ببث الرسالة الإنسانية فيما بين المواطنين الهنود لتوليد بيئة التعايش ، والتسالم ، والتسامح في خضم الاضطرابات الطائفية المندلعة في الهند بين الفينة والفينة .

أبعاد القيم الإنسانية في كتاباته :

إن العلامة المفكر ، والأديب الإسلامي الكبير ، أبا الحسن علي الحسني الندوي – رحمه الله – يبذل مساعيه العلمية والأدبية والفكرية بهذه العاطفة الربانية ممثلاً الرسالة السماوية التي بُعث من أجلها الأنبياء والمرسلون ، واستمات في سبيلها الدعاة والمجاهدون المصابرون المرابطون ، عبر التاريخ . فإن المؤلفات التي نبعت من يراع إمامنا الندوي في الأدب ، والتاريخ ، والفكر الإسلامي ، والتجديد معبرة عن القيم الإسلامية والإنسانية التي تنهض بالجيل الجديد ، والأجيال المقبلة إلى دروب تؤدي إلى النجاح في جميع المستويات الأخلاقية والدينية والفكرية . وإن إمامنا الندوي ، رؤيته في الأدب هي رؤية جمال الأذواق والأرواح والعقول والقلوب معاً . فإنه يهدف عن طريق مؤلفاته الأدبية إلى إنشاء جيل يتمكن من قيادة النوع البشري فرادى وجماعات إلى ما هو الأصلح والأنفع في الدنيا والآخرة . وإنه في خضم كتاباته الأدبية التي أنجزها للأطفال بوجه مخصوص من سلسلة قصص النبيين ( خمسة أجزاء ) ،  والقراءة الراشده ( ثلاثة أجزاء ) ، وقصص من التاريخ الإسلامي ، ومختارات ( في جزئين ) ، لا يريد تعليم اللغة العربية والأدب العربي فحسب ؛ بل يطمح وينوي أن يشكِّل جيلاً من الأدباء ، والكتاب ، والباحثين الذين لا تكون غاياتهم بإبداعاتهم وإنتاجاتهم إلا ما له من قيمة بالغة في ميزان القيم الإنسانية والإسلامية والأخلاقية الأصيلة ، التي تبعث الناس على التفاؤل بدل التشاؤم ، وعلى التفعيل بدل الانفعال ، وعلى الاتجاه البناء بدل التخريب والهدم .

يرحب الإمام الندوي في كتاباته بالأدب ، الذي يضمن طمأنينة القلب والروح مع النشاط العقلي والفكري ، ومع الجمال الذوقي . ويرفض الأدب الذي يثير الغرائز ، ويؤدي إلى الكآبة والملل ، الذي هو شائع في كثير من الصنوف الأدبية المعاصرة ، النابعة من النزعات الشيوعية ، واللادينية ، والمادية ، والفلسفة الوضعية اليوم .

تترنن أصداء تألم الإمام الندوي تجاه البشرية في جل كتاباته تقريباً ، فإنه يبكيها بكاء الوالهة الثكلى لحالتها البائسة التاعسة التي جعلتها فريسةً بين مخالب الأهواء والشهوات ؛ فها هو ذا الندوي يطلق صيحاته على كآبة البشرية :

” لقد صارت للشعوب والبلاد ، ثم القبائل والعشائر ، ثم الأسر والبيوتات دوائر صغيرة ، واعتاد أصحاب الطموح والكبرياء أن يسكنوا فيها كالأقزام لايضيقون ذرعاً ، ولايبغون عنها بدلاً . ولايرون في خارجها حياةً ، ولايعرفون بشريةً أوسع ، وعالَماً أفسحَ . لقد أصبحت الحياة تعاطياً في البيع والشراء ، وتسابقاً في المكيدة والخداع ، أصبحت البشرية جثةً هامدةً ليس فيها حرارة روح ولوعة قلب وسمو نفس ” .

ويضيف قائلاً ؛ كأنه لقد بلغ قلبه الحناجر تأسفاً وقلقاً على شقاء البشرية ، وابتعادها عن جادة الحق والصواب :

” لقد نبتت على أديم البشرية غابة كثيفة ، وحشائش شيطانية ، فيها آجام ، يعيش فيها السباع والحشرات السامة ، وفيها مستنقعات ، فيها أنواع العلق ، وفي الغابة كل سبعٍ مخيفٌ ، وكل طائرٍ جارحٌ . وفي المستنقعات كل علقٍ خبيث ، يعلق بالإنسان ويمتص دمه ؛ ولكن لم يكن في هذا العالم المزدحم بالبشرية من يستحق أن يسمى بشراً ” [1] .

وأما مؤلفات الإمام الندوي الفكرية المتسمة بالسمات التاريخية ، ومعالجة القضايا الحضارية والإنسانية والسياسية من أمثال :

” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ” ، ” أحاديث صريحة مع أمريكا ” ، “ارتباط مسيرة الإنسانية ، ومصيرها بقيام المسلمين بواجبهم ” ، ” إزالة أسباب الخذلان أهم من إزالة آثار العدوان ” ، ” الإسلام وأثره في الحضارة وفضله على الإنسانية ” ، ” الإسلام فوق القوميات ” ، ” الإسلام والحضارة الإنسانية ” ، ” الإنسانية تنتظركم أيها العرب ” ، ” أهمية الحضارة في تاريخ الديانات وحياة أصحابها ” ، ” بين الإنسانية وأصدقائها ” ، ” تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية ” ، ” حاجة البشرية إلى معرفة صحيحة ومجتمع إسلامي مثالي أفضل ” ، ” الحضارة الغربية الوافدة وأثرها في الجيل المثقف كما يراه شاعر الهند الكبير لسان العصر أكبر حسين الإله آبادي ” ، ” دور الأمة الإسلامية في إنقاذ البشرية وإسعادها ” ، ” رسالة سيرة النبي الأمين إلى إنسان القرن العشرين ” ،         ” فضل البعثة المحمدية على الإنسانية ” ، ” قيمة الأمة الإسلامية بين الأمم ودورها في العالم ” ، ” كارثة التعصب اللغوي والثقافي ” ، ” معقل الإنسانية ” ، إلى جانب اسمعياته التي خاطب بها العرب في عصور ومناسبات مختلفة ، والتي تؤدي دوراً محورياً في تشكيل الآراء ، ووجهات الأنظار على نطاق واسع آفاقي ؛ ومن أشهرها : ” اسمعي يا زهرة الصحراء ” ، ” واسمعي يا سورية ” ، ” واسمعي يا مصر ” ، ” واسمعي يا إيران ” ؛ لقد شكلت معظم هذه الاسمعيات والكتابات الأخرى اتجاهاً قوياً ونقطةً واضحةً ، ودرباً فسيحاً لتوجيه الجيل البشري – عرباً وعجماً ، شرقاً وغرباً ، مثقفاً وأمياً ، صغيراً وكبيراً – إلى العنصر الرئيس في حياة البشر ؛ ألا وهو :                  ” الإنسانية ” !

تتجلى أبعاد القيم الإنسانية لدى الإمام الندوي في أدب الأطفال أولاً ؛ لترسيخ المفهوم الحقيقي لكرامة الإنسان ، والقيم الخلقية ؛ مستلهماً من حياة الأنبياء ، فإن الأنبياء هم الأسوة والقدوة للإنسانية ، والمثل الكامل في الأخلاق والأذواق ، والسلوك والقيم ؛ عالج الإمام الندوي عدداً كبيراً من حياة الأنبياء ، وتعاليمهم التي تمثل ديانات سماوية مختلفة في التاريخ البشري . وإن الأنبياء الذين عالجهم الإمام الندوي في كتبه حول قصص النبيين ، هم : إبراهيم ، ويوسف ، ونوح ، وهود ، وصالح ، وموسى ، وشعيب ، وداؤود ، وسليمان ، وأيوب ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى – عليهم السلام جميعاً – ، وفي الأخير محمد خاتم النبيين – صلى الله عليه وسلم – ، الذي هو نبي الرحمة ، ونبي الإنسانية ، وليس نبي العرب والمسلمين فحسب : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) [2] .

تناول الإمام الندوي حياة إبراهيم ويوسف وموسى وعيسى بقدر من التفصيل ، وهؤلاء هم الأنبياء الذين يؤمن بهم اليهود والنصارى أيضاً ، وحياة محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو قدوة للإنسانية ، وهو رحمة للعلمين : ( وَمَا أَرسَلنَاكَ إلا رَحمَةً لِلعَالمينَ ) [3] . أراد الشيخ السيد أبو الحسن الندوي أن يستلهم المعنى الإنساني ، ودلالات القيم الإنسانية ، ومفاهيمها من حياة النخبة المقدسة من نوع البشر ، وهم الأنبياء ، وأما كتبه : قصص من التاريخ الإسلامي ، ورجال الفكر والدعوة في الإسلام ، وكتاباته حول الجهود الدعوية والتجديدية والإصلاحية للإمام الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز ، والإمام السرهندي ، والإمام السيد أحمد الشهيد ، ومحمد إلياس الكاندهلوي فهي مجموعة حياة الدعاة ، والمجددين والمصلحين في عصور مختلفة وفي بلاد مختلفة . وهذه الطائفة من الناس مثال ونموذج للقيم الخلقية والإنسانية والتربوية ؛ يتخذها الناس مسلماً كان أو غير مسلم نبراساً لحياته الفردية والجماعية ، وكل ما بذلت هذه الثلة المثالية من جهود في سبيل نشر الخير فيما بين الناس من دون تمييز بين إنسان وإنسان ، وبين قريب وغريب ، وبين غني و فقير ، تستحق كل التقدير ؛ فقد أدى الإمام الندوي واجبه في تناول القيم الإنسانية بالذكر من خلال حياة هذه الصفوة من البشر .

وأما حركة ” رسالة الإنسانية ” التي هتف بها الإمام الندوي في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم ، وكلف أتباعه على النهوض بها فهي محطة رحبة الصدر ، شاسعة الجوانب ، متحلية بروح الدعوة إلى احترام الإنسان على أساس الإنسانية . لقد جمع تحت مظلة هذه الحركة الأشتات من الناس من الديانات : الهندوسية والمسيحية والسيخية والبوذية ، ومن جميع الطبقات البشرية ، ومن كل الألوان من المثقف وغير المثقف ليشرح أمامهم معنى القيم الإنسانية والخلقية ، وتثمين المؤاخاة والمؤاساة والمواطنة والود والتحابب فيمابينهم .

والإمام أبو الحسن الندوي يعالج القضايا الإنسانية والقيمية والأخلاقية والفكرية في المنظور الإسلامي القرآني ، لأنه يرى الإسلام ديناً إنسانياً عالمياً ، وأسلوب حياة كاملاً وجامعاً ، ولا يوجد عنده طريق أصح وأسلم وأنسب لتأصيل معنى القيم الإنسانية والأخلاقية ، وتوطيدها وتأكيدها في عقول البشر ، ونفوسهم ، وقلوبهم إلا بغرس بذور المحبة ، والأخوة ، والمواطنة التي تنفجر ينابيعها الصافية النقية من الوحدتين الأساسيتين العالميتين : وحدة الأب ووحدة الرب ، اللتين تتمثلان في القولة النبوية التاريخية : ” لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ  ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ  ، ولا لأبيضَ على أسودَ  ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ  ، وآدمُ من ترابٍ ” [4] ، وذلك شرحاً وتفسيراً لقول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [5] .

* فارانسي ، الهند . Email: q.shaban82@gmail.com

[1] الندوي ، أبو الحسن علي الحسني : معقل الإنسانية ، لكناؤ ، ص : 2 – 3 .

[2] القرآن : سبا ، 28 .

[3] القرآن : الأنبياء ، 107 .

[4] شرح الطحاوية : 361 .

[5] القرآن : الحجرات : 13 .