تجَلِّيَاتُ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ فِي تَعْزِيزِ البعد اَلْعَرَبِيُّ

الصيام ومرض السكر رؤية طبية في ضوء المقاصد الصحية للصيام
مايو 24, 2026
صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026
الصيام ومرض السكر رؤية طبية في ضوء المقاصد الصحية للصيام
مايو 24, 2026
صيغ العدد في القرآن الكريم : دراسة وصفية تحليلية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

تجَلِّيَاتُ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ فِي تَعْزِيزِ البعد اَلْعَرَبِيُّ

أ. د . مفيدة إبراهيم علي *

إن اللغة العربية هي لغة الوحي الإلهي وسبب لحفظها وخلودها ، فهي ليست مجرد وسيلة للتعبير ، بل هي جوهر الرسالة الإسلامية التي اختارها الله لقدرتها على استيعاب المعاني الدقيقة ، وبإعجازها البلاغي والنحوي وغيرهما .

ولقد أثرت اللغة العربية بشكل هائل ، بمختلف العلوم قديماً وحديثاً ، وظلت محفورةً ومحفوظةً بفضل القرآن الكريم ، مما جعلها لغةً عالميةً وراسخةً حتى اليوم ، لقوله تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِياً )          [ الرعد : 37 ] .

واللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ أَقْدَمُ وَأَرْسَخُ اَللُّغَاتِ اَلسَّامِيَّةِ فِي خَصَائِصِهَا اَللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ وَسِيلَةُ اَلتَّوَاصُلِ اَلْوِجْدَانِيِّ وَالإِعْلامِيِّ فِي وَسَائِلِ اَلإِعْلَامِ وَالآدَابِ وَالْفُنُونِ ، وَهِيَ اَلرَّابِطُ اَلْوَحِيدُ بَيْنَ تَارِيخِنَا وَقُرْآنِنَا .

لقد كانت اللغة العربية قديماً ولا تزال حديثاً ، تمثل دوراً خطيراً في حياة المجتمعات ، وقد فاق العرب جميع الأمم والمجتمعات من اهتمامهم بلغتهم بعد أن نزل بها القرآن الكريم على لسان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) [ إبراهيم : 4 ] ، وقد تحول هذا الاهتمام باللغة العربية إلى أمر وجوبي لفهم وقراءة القرآن الكريم ، والسنة الشريفة وأداء العبادات ، ولدفع شرور اللحن ، والخطأ في اللغة .

إن اللغة أفضل السبل لمعرفة هوية المجتمعات وفهم خصائصها ، ولذلك كان كل نبي يرسل بلسان قومه ، ولغتنا العربية هي ركن ثابت من أركان هويتنا ، وهي الأداة التي سجلت أفكارنا وحضارتنا منذ أمد بعيد .

وهي لسان الفهم ووعاء العلم ، وحلقة الوصل التي تربط بين ماضينا وحاضرنا ، ولقد خص الله تعالى العربية فجعلها لغة الرسالة الخاتمة ، لما فيها من مكنون الفصاحة والبيان والبلاغة ، قال تعالى :     ( وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) [ النحل : 103 ] .

والأمة العربية تواجه محاولات اختراق لهويتها الثقافية خاصة بين الأجيال الجديدة حيث الثورة الاتصالية والتكنولوجية الراهنة التي أفرزت لغةً جديدةً يرى البعض أنها تتواكب مع طبيعة تطور وسائل الاتصال . لكن مع عدم المساس باللغة الأم اللغة العربية .

ولأن العربية إحدى ركائز هوية الشرق وواجهة حضارية كانت محط مخططات الدوائر الاستعمارية الغربية فسعت لمحاربتها والتشويش عليها زمن الاحتلال ودفع بلدان آسيوية وأفريقية عديدة إلى التخلي عن الكتابة بها مما أثر سلباً على لغتنا العربية . التي تمثل الوجه الثقافي الأساسي الدال على هوية الفرد ، وهوية المجتمع ، ناهيك عن كونها أداة الاتصال الأساسية بين الأفراد ، وللأسف إن اللغة المنتشرة داخل بعض المجتمعات تعبر عن انعزال الأفراد عن بعضهم ، وهذه إحدى المشكلات الكبرى التي يواجها الفرد خاصة الشباب ، وأقول : منذ أن خلق الله عز وجل اللغة على لسان آدم عليه السلام وهي في تطور مستمر . وهذا التغير في الاستعمال وفي الدلالة وفي المفاهيم ، يمثل قانوناً بشرياً اجتماعياً يعترف به في جميع لغات العالم ، ولكن دون مساس باللغة الأم لغة الدين والدنيا والآخرة لغتنا اللغة العربية . وأرى أن السبب في انتِشار هذه اللغة – أي ما يسمى باللغة المعاصرة – إلى ضعْف الوازع الدّيني ، وتغْييب معنى الهدف والغاية ، وكذلك الاغتِرار بكلّ ما هو غربي ، والاعتِقاد بأنَّ الغرب هو المُنْقِذ ، مع بطلان هذا الاعتِقاد فيما أرى ، بالإضافة إلى غياب القدوة الصَّالحة النَّافعة ، وتفريغ عقول الشَّباب من القضايا المهمَّة في الوطن . إضافةً إلى تردي بعض المؤسسات التعليمية التي لا تهتم باللغة العربية . ولذلك يقول عمر رضى الله عنه : ” تعلموا العربية فإنها من الدين ” .

ولقد لَعِبَتْ اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ دَوْراً بَالِغ اَلأَثَرِ فِي تَحْدِيدِ وَتَوْضِيحِ مَفْهُومِ اَلْعُرُوبَةِ اَلَّتي جَمَعَت بَيْنَ شُعُوبِ وَحَضَارَاتِ عِدَّةٍ نَهِلَتْ مِنْ معين هَذِهِ اَللُّغَةِ وَأَكْسَبَتْهَا اَلْكَثَيْرَ منْ مُفْرَدَاتهَا ، فَغَدَتْ لُغَةَ اَلْعِلْمِ وَالأَدَبِ فِي نطاقات شَاسِعَةٍ مِنْ اَلْعَالَمِ قَدِيماً وَمَازَالَتْ حَاضِرَةً وَبِقُوَّةٍ فِي اَلْمَشْهَدِ اَلإِنْسَانِيِّ وَالْحَضَارِيِّ اَلْعَالَمِيِّ .

وعن محاولات استهداف للغة العربية كحامل حضاري للقومية العربية نرى أن بعض القوى الغربية تحاول منذ زمن بعيد التأثير على المجتمعات العربية باستهداف اللغة الأم عبر إحلال لغات أخرى محلها إلا أن مخططاتها فشلت لأن لغة الضاد ليست لغة للنطق فحسب بل هوية حضارية وتاريخية متوارثة للأجيال العربية .

وأن المحاولات الغربية لاستهداف العربية سبقتها سياسة التتريك التي فرضها الأتراك طوال 400 عام في الوطن العربي والتي لم تستطع التأثير على اللغة العربية ، بل حصل العكس فتأثرت اللغة التركية بالعربية عبر دخول مئات المفردات العربية إليها لأن لغتنا مرجعية في الحضارة العالمية إضافةً إلى كونها لغة القرآن الكريم ، فضلاً عن أنها لغة رسمية وهي متجذرة بوجدانيات شعوب بأكملها .

فنحن إلى الآن نحفظ الآلاف من قصائد الشعر الجاهلي والعباسي والأموي وكلمات لخطباء العرب ولغيرهم ، ناهيك عن وجود وثائق هائلة بالعربية توجد في العالم حيث تتباهى متاحف أوروبا بأنها تقتني هذه المخطوطات وبحروف من ذهب .

الأمر الذي يؤكد مجدداً أن العربية لغة حية ولن تموت . ولذا لا يمكن فصل اللغة عن المعرفة والثقافة .

أما عن تعزيز اللغة العربية للعروبة :

والعروبة تتجلى في صورتين متكاملتين : صورة العروبة الإسلامية وصورة العروبة القومية :

قد يظن البعض أن المسألتين المشار إليهما مختلفتان ، وكل منهما مستقلة عن الأخرى ، وهذا صحيح من جانب أو آخر ، لكن الارتباط الوثيق بينهما لا يتأتى من التعليم الديني حسب ظن البعض الذي يصدُّ المعرفة العلمية ، التي يتشاركها البشر كافةً ، فتتماهى المعرفة والهوية ، نعني المعرفة التي قوامها اللغة ، والهوية التي قوامها الدين أو العرق .

لا ريبَ أنَّ ” اَلْعُرُوبَةَ ” في مَفْهُومٌها تقومُ عَلَى أُسُسٍ تَارِيخِيَّةٍ وَجُغْرَافِيَّةٍ وَقَوْمِيَّةٍ . . . إِضَافَةَ إِلَى اَلأَسَاسِ اَللُّغَوِيِّ . ولقد واجهت لغتُنا العربيةُ وما زالتْ تُواجهُ العديدَ من المحن التي تهددُ مَاهِيَّتَهَا وَقُوَّةَ اِرْتِبَاطِ أَبْنَائِهَا بِهَا ، وَهِيَ بِذَلِكَ لا تُوَاجِهُ تِلْكَ اَلْمَخَاطِرَ مُنْفَرِدَةً ، بَلْ إِنَّ ذَلِكَ يُهَدِّدُ مَفْهُومَ اَلْعُرُوبَةِ أَيْضاً وَيعمل على اَلنَّيْلِ مِنْهُ ، وَهَذَا إِنْ دَلَّ عَلَى شَيْئ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اَلتَّرَابُطِ اَلْوَثِيقِ بَيْنَ اَلْمَفْهُومَيْنِ ” اَلْعُرُوبَةِ وَاللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّة ” إِلَى دَرَجَةِ اَلتَّوَحُّدِ ، وَمَا اِنْتِمَاءُ اَلإِنْسَانِ اَلْعَرَبِيِّ إِلَى عُرُوبَتِهِ إِلا اِنْتِمَاءٌ لِلُغَتِهِ ، وَالْعَكْسُ صَحِيح .

وَحَرِيٌّ بِنَا إِذَا مَا أَرَدْنَا اَلْخَوْضَ فِي فضاء اَلْعَلَاقَةِ بَيْنَ ” اَلْعُرُوبَةِ وَاللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ” أَنْ نَتَوَجَّهَ إِلَى مُقَارَبَاتِ ثَلاثٍ حَوْلَهُمَا الأولى وَهِيَ : أن اَلْعُرُوبَة لُغَة . . وَأن اللُّغَة هُوِيَّة ، وأن اَلْعُرُوبَة إِطَار وَفَضَاء جَامِع ، وَالتَّمَاهِي بَيْنَ اَلْعُرُوبَةِ وَاللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ .

وَلا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ أَنَّ اَلْمَقْصُودَ بِالْعَرَبِيَّةِ هُنَا اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةَ فحسب ولكن ، الْمَقْصُودَ هُوَ ” اَلْعُرُوبَةِ ” ، وَهَذَا يَدُلُّ دَلالَةً لا تَقْبَلُ اَلتَّأْوِيلَ عَلَى أَنَّ اَلْعَرَبِيَّةَ هِيَ اَلْعُرُوبَةَ ، وَإِنَّهَا بِمَعْنَى اَلانْتِمَاءِ إِلَى لُغَةِ اَلْعَرَبِ ، غير أن هَذَا اَلانْتِمَاءَ إِلَيْهِمْ لا يكونُ عن طَرِيقِ اَلدَّمِ أَوْ اَلنِّسَبِ فحسب ، وَإِنَّمَا مِنْ طَرِيقِ اَللُّغَةِ وَاللِّسَانِ ، وَأَنَّ اَلْعَرَبِيَّ مَنْ كَانَ أَوْ صَارَ لِسَانُهُ عَرَبِيّاً بِصَرْفِ اَلنَّظَرِ عَنْ اَلْعِرْقِ .

ويذهب البعض الآخر في مقاربة ثانية – التي رأى العروبة فيها تشكل إطاراً وفضاء جامعاً – إلى ضرورة التفريق بين مفهوم العروبة ومفهوم القومية العربية حيث يقول : ” العروبة مفهوم عمومي جامع في حين مفهوم القومية العربية مخصص ومحدد . إذ القومية معتقد سياسي فكري يتمحور حول الوحدة العربية أولاً . ونحن إذ نتحدث في هذا المقام عن مفهوم العروبة تعميماً لا القومية العربية تخصيصاً نريد أن تكون فكرة العروبة بما هي إطار لغوي وفضاء ثقافي بمنأى عن التجاذبات الحزبية السياسية . إن هذه العروبة قابلة لأن تملأ بالمحتوى الحضاري والمضمون الثقافي الذي نريد ما دام معبراً عنه باللغة العربية .

وَاَلَّذِي نَرَاهُ أَنَّ مُعْظَمَنَا يُرِيدُ لِعُرُوبَةِ اَلْيَوْمِ أَنْ تَكُونَ عُرُوبَةً أَصِيلَةً لا هَجِينَةً ، وَمُعَاصِرَةَ لا تَارِيخِيَّةً ، وَشَعْبِيَّةً لا نَخْبَوِيَّةً ، وَدِيمُوقْرَاطِيَّةً لا تَسَلُّطِيَّةً ، وَمُسْتَقْبَلِيَّةً لا مجرد مَاضَوِيَّةٍ . إِذْن : لَيْسَتْ اَلْعُرُوبَةُ قَوْمِيَّةَ مُتَعَصِّبَةَ ضَيِّقَةَ ، وَإِنَّمَا هِيَ قَوْمِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ ، وذلك أنَّ لُغَةَ هَذِهِ اَلأُمَّةِ تَحْمِلُ رِسَالَةً إِنْسَانِيَّةً .

ولقد ازدادت لغتُنا العربية ُاتساعاً فِي مَيَادِينِ اَلْمَعْرِفَةِ وَانْتِشَاراً فِي أَرْجَاءِ اَلْعَالَمِ ، حيث َاحْتَرَمَت اَلثَّقَافَاُت اَلأُخْرَى تأثيراً وتأثراً ، وَسَرْعَانَ مَا صَارَتْ لُغَةُ اَلإِدَارَةِ وَالْعِلْمِ وَالثَّقَافَةِ لأَهْلِهَا وَللْعَالَمِ .

إذن كيف نجعل من لغتنا صورةً معبرةً عن عروبة اليوم كما كانت معبرةً عن عروبة الأمس ؟

أقول : عندما واجه العرب توسع الدولة الإسلامية وانتشار العرب في بقاع الأرض لم يكن لهم بها عهد من أجناس ولغات وأديان وحضارات متعددة ، وكان ذلك حرياً أن يلتهم هذه اللغة التي خرجت من نطاق ضيق وإطار محصور في الجزيرة العربية ، ولكن اللغة العربية ازدادت اتساعاً في ميادين المعرفة وانتشاراً في أرجاء العالم ، فاحترمت الثقافات الأخرى واقتبست منها .

إن أهم أسباب صمود هذه اللغة بعد سلسلة غير منقطعة من المحاولات لإضعافها وهجران بعض أبناء هذه اللغة ، إلى جانب الأصالة والمناعة التي جعلتها قادرةً على البقاء لتحدي كل وسائل النيل منها ، والتي يسرت للعربية أن تطوع الثقافات القديمة لها من فارسية وهندية ويونانية من غير أن تتخلى عن أصولها وقواعدها وسماتها ، فإن السبب في صمود اللغة العربية أيضاً يعود إلى القرآن الكريم الذي يعد سياجاً للعربية يحافظ عليها من الضياع ومن الاضمحلال والزوال .

وَأَقُولُ : إِنَّ اَلْعُرُوبَةَ لَيْسَتْ رِدَاءً نَرْتَدِيهُ سَاعَةً وَنَخْلَعُهُ سَاعَةَ حَسَبَ مَا نُرِيدُ ، إِنَّهَا قَدَرُنَا وَدَمُنَا وَكِيَانُنَا ، وَهِيَ مَنْظُومَةٌ مِنْ اَلْقِيَمِ ، وَهِيَ اَلرَّابِطَةُ وَالانْتِمَاءُ وَالْهُوِيَّةُ اَلَّتِي تُعَبِّرُ عَنْهَا اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ، وَإِنَّنَا فِي أَمَسِ اَلْحَاجَةِ فِي ظِلِّ هَذِهِ اَلْعَوْلَمَةِ اَلْمُتَوَحِّشَةِ إِلَى تَعْزِيزِ اَلانْتِمَاءِ إِلَى عُرُوبَتِنَا وَلُغَتِنَا .

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُرُوبَةِ وَالإِسْلامِ ، فَلَيْسَ كُلٌّ مُسْلِمِ عَرَبِيّاً وَلَيْسَ كُلٌّ عَرَبِيِّ مُسْلِماً ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِسَاحَةَ اَلتَّدَاخُلِ بَيْنَ اَلْعُرُوبَةِ وَالإِسْلامِ كَبِيرَةٌ لِلْمُشْتَرَكِ اَلثَّقَافِيِّ بَيْنَهُمَا مُنْذُ فَجْرِ اَلإِسْلامِ وَحَتَّى اَلْيَوْمَ ، فَهُنَاكَ أُمَمٌ قَبِلَتْ اَلدِّينَ وَالثَّقَافَةَ مَعاً ، فَأَصْبَحَتْ عَرَبِيَّةً اَللِّسَانِ مُسْلِمَة بالدِّيَانَة ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ . عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ )           [ اَلشُّعَرَاءِ : 193 – 195 ] وَغَيْرِهَا مِنْ الآيَاتِ اَلَّتِي تُؤَكِّدُ عَلَى عَرَبِيَّةٍ اَللِّسَانِ وَعَرَبِيَّةً القرآن وَمِنْ ثَمَّ عَرَبِيَّةِ اَلأَدَبِ ، وهنا اسكت قليلاً ، وَهُنَاكَ أمم أُخْرَى قَبِلَتْ اَلْجَانِبَ اَلرُّوحِيَّ مِنْ اَلدِّينِ اَلإِسْلامِيِّ وَلَكِنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى ثَقَافَتِهَا اَلتَّارِيخِيَّةِ وَرَأَتْ أَلا تجعل العربيةَ لغةَ لها ، عَلَى اَلرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا لُغَةُ اَلْقُرْآنِ وَأَدَاةُ اَلإِسْلامِ اَلْحَنِيفِ لِلْوُصُولِ إِلَى قُلُوبِ اَلْمُسْلِمِينَ .

وأرى أَنَّ اَلاعْتِزَازَ بِاللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ يُكَوِّنُ بِثَلاثَةِ هموم : اِعْتِزَازٌ قَوْلِي وَاعْتِزَازٌ فِعْلِيٌّ وَاعْتِزَازٌ قَلْبِي . أَمَّا اَلْقَوْلِيُّ : فَبِالْكَلامِ عَنْ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ وَتَعْرِيفِ اَلنَّاسِ بِمِميزَاتِهَا وَعَدَمِ اَلاسْتِخْفَافِ بِهَا .

وَالْفِعْلِيُّ بِتَطْبِيقِ اَللُّغَةِ فِي وَاقِعِ اَلإِنْسَانِ ، وَتَجَنُّبُ اَلْحَدِيثِ بِالدَّخِيلِ وَالأَجْنَبِيِّ ، وَكِتَابَةُ اَلْكُتُبِ عَنْهَا ، وَنَشْرُ اَلْبُحُوثِ فِيهَا .

وَالْقَلْبِيُّ فيَكُونُ بِالشُّعُورِ بِالْفَخْرِ وَالاعْتِزَازِ عِنْدَمَا تَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ . وَانْ هَذَا اَلْوُجُودَ هُوَ لُغَةٌ وَثَقَافَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سِيَاسَةً أَوْ أَيْدِيُولُوجْيَة سِيَاسِيَّة أَوْ شِعَارَاتٍ وَحْدَوِيَّة .

فمثلاً يقال : إن طه حُسَيْنْ كَانَ مِنْ مُعَارِضِي اَلْعُرُوبَةِ اَلسِّيَاسِيَّةِ ، لَكِنَّ دِفَاعَهُ عَنْ اَللُّغَةِ اَلْفُصْحَى وَتَمَسُّكَهُ بِهَا وَبِتُرَاثها مِنْ اَلْعَوَامِلِ اَلَّتِي مَهَّدَتْ لِلْعُرُوبَةِ اَلسِّيَاسِيَّةِ .

وَرَغْمُ أَنَّ اَلْمُفَكِّرَ اَلْمُتَمَيِّزَ زَكِي نَجِيبْ مَحْمُودْ وَعَمِيدِ اَلأَدَبِ اَلْعَرَبِيِّ طه حُسَيْنْ وَجِيلَهُمَا قَدْ عَاصَرُوا اَلْعُرُوبَةَ اَلسِّيَاسِيَّة إِلا أَنَّهما فِي نِهَايَةِ مَسِيرَتِهِمْا اَلْفِكْرِيَّةِ رَأَى كُلُّ مِنْهُمَا فِي خُلاصَةِ اَلتَّجْرِبَةِ اَلْقَوْمِيَّةِ اَلْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ” اَلْعُرُوبَةَ ثَقَافَةٌ لا سِيَاسَةٌ ” مُؤَكِّدًين : ” أَنَّ اَللُّغَةَ اَلْعَرَبِيَّةَ هِيَ أُولَى خَصَائِصِ اَلْعُرُوبَةِ ، وَنَقْصِدُ بِذَلِكَ مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ عَمَلِيَّةِ اَلتَّفَاهُمِ بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَهُوَ أَنَّ خَصَائِصَ اَللُّغَةِ تَكُونُ هِيَ نَفْس خَصَائِصَ أَصْحَابِهَا . اَلَّتِي تُعِيدُ تَأْكِيدَ اَلثَّوَابِتِ اَلَّتِي بَدَأَتْ بِهَا اَلْعُرُوبَةُ ” .

وَلَمْ تَعْجِزْ اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ قَدِيماً عَنْ اِسْتِيعَابِ عُلُومِ اَلْيُونَانَ وَالْفُرْسِ وَالرُّومَانِ بِمَا تَحْوِيهُ مِنْ مَنْطِقٍ وَفَلْسَفَةٍ . وَكَانَتْ اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ لُغَةَ اَلْحَضَارَةِ فِي اَلْعُصُورِ اَلْوُسْطَى وَإِحْدَى اَلرَّكَائِزِ اَلَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا نَهْضَةُ أُورُبَّا نَفْسِهَا فِيمَا بَعْدُ .

وَإِذَا كَانَتْ اَللُّغَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ قَدْ أَثَّرَتْ بِمُفْرَدَاتِهَا فِي اَللُّغَاتِ اَلأُورُبِّيَّةِ فَإِنَّ مَيْدَانَ اَلأَدَبِ أَوْسَعُ وَأَرْحَبُ . فَقَدْ كَانَ لِلشِّعْرِ اَلْعَرَبِيِّ سِحْرُهُ اَلْخَاصُّ فِي أُورُبَّا ، وَهَكَذَا شَأْنُ سَائِرِ اَلْفُنُونِ اَلأَدَبِيَّةِ اَلأُخْرَى كَالزَّجَلِ وَالْقِصَص وَالْمَقَامَاتِ وَغَيْرِهَا .

ولَقد استثمر الأديب العربي وخاصةً المصري المعاصر السلاح الذي يمتلكه وهو الكلمة التي تتجلى فيها لغتنا العربية فأسهم بها إيماناً منه بأن مصيره رهن بمصير لغته ، وليست الكلمة هنا مجرد إشارة إلى انتماء الكلمة إلى عالم موسيقي أو وجداني تبدو في صورة فنية أدبية فحسب ، وإنما هي إشارة بصفة أساسية إلى مجموعة المبادئ التي تشكل العقيدة العامة للفرد والمجتمع على السواء ، المنبثقة عن اللغة العربية .

مما يؤكد إحساس الناس بهذا التحول الثقافي الكبير الذي أحدث نقلةً كبيرةً في حياتنا في منتصف القرن العشرين وأصبحت الثقافة العربية حظاً ساد المجتمع كما نشطت الحياة الفنية وبلغت قمةً متطاولةً في عالم المجتمع العربي عامةً والمصري بخاصة .

وعندما انبعثت فكرة القومية العربية من مرقدها في قلب القاهرة ، وكان لهذه الأحداث صداها الاجتماعى من حيث فكرة المساواة الحقة ومن حيث فكرة الحرية التي ردت للمصري الرغبة في اللحاق بركب الحضارة .

وانعكس هذا الصراع الفكري والثقافي على الناس بصورة واضحة ، وتلون المجتمع بألوان ثرية تستدعي الكشف عن مدى التأثير بلغتنا العربية في البيئة والعصر .

والخروج من الحدود القومية طلباً لكل ما هو جديد مفيد استجابة لضرورة التعاون الاقتصادي والاجتماعي والفكري والفني وطرح ما لدينا من قدرات لغوية وأدبية على العالم .

أدب يحمل سمات وخصائص لغتي اللغة الأم اللغة الأساس أصل اللغات اللغة الباقية إلى يوم القيامة اللغة العربية لغة القرآن ووعائه .

وَقد اِسْتَطَاعَتْ مُؤَلِّفَاتُنَا اَلأَدَبِيَّةُ اَلْوُصُولَ إِلَى اَلْعَالَمِيَّةِ وَفَرْضَ اَلأَدَب اَلْعَرَبِيِّ ذَاتِيَّتَه دُونَ اَلتَّخَلِّي عَنْ عُرُوبَتِهِ وَلا عَنْ عَرَبِيَّتِهِ .

وَفِي وُجُودِ إِسْلامٍ حَقِيقِيٍّ يَتَغَلْغَلُ فِي كِيَانِنَا . حَيْثُ إن وُجُودَنَا فِي أَيّ مَكَانٍ إِعْلانٌ عَنْ خُصُوصِيَّةٍ دِينِيَّةٍ ذَاتِ مَبَادِئَ وَقِيَمٍ هِيَ أَسَاسُ اَلدِّينِ و ( الدِّينُ أَسَاسُ اَلْوُجُودِ ) . والإِيمَانُ بِعَقِيدَةِ هَذِهِ اَلأُمَّةِ ، وَالاعْتِزَازُ بِالانْتِمَاءِ إِلَيْهَا ، وَاحْتِرَامُ قِيَمِها اَلْحَضَارِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ ، وَالاعْتِزَازُ وَالتَّمَسُّكُ بِهَا ، وَالشُّعُورُ بِالتَّمَيُّزِ وَالاسْتِقْلَالِيَّةِ اَلْفَرْدِيَّةِ وَالْجَمَاعِيَّةِ ، وَهِيَ غَيْرُ قَاصِرَةٍ عَلَى اَلانْتِمَاءِ اَلْعَرَبِيِّ وَلا تَتَعَارَضُ مَعَ اَلانْتِمَاءِ اَلْوَطَنِيِّ .

فَالْعَرَبِيَّةُ وِعَاءُ اَلدِّينِ ، وَالإِسْلامُ دِينُ اَلشُّمُولِ يَتَضَمَّنُ كُلَّ اَلدِّيَانَاتِ وَكُلَّ اَلرِّسَالاتِ اَلسَّمَاوِيَّةِ .

وَالْعَرَبِيَّةُ لُغَةُ اَلدِّينِ ، وَلُغَةُ اَلْعَقِيدَةِ وَهِيَ لُغَةُ اَلْكِتَابِ اَلَّذِي أَنْزَلَه اَللَّهُ عَلَى رَسُولِ الإِنْسَانِيَّةِ لُغَةَ اَلْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) .

الخلاصة :

– دَوْرُنَا تجَاهَ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ : وَإِنَّنَا جَمِيعاً مَسْؤُولُونَ أَمَامَ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ، وَعَلَيْنَا يَقَعُ وَاجِبَ اَلْحِفَاظِ عَلَيْهَا مِنْ اَلأَلْفَاظِ اَلدَّخِيلَةِ والمستعجمةِ ، كما يجبُ علينا أن نجدَّ في استخدامها وَرَعايَتهَا قَدْرَ اَلْمُسْتَطَاعِ فِي حَيَاتِنَا اَلْيَوْمِيَّةِ وَفِي كِتَابَاتِنَا وَأَفْعَالِنَا وتعاملاتنا فَهِيَ أُمٍّ رؤوم وَنَحْنُ أَبْنَاؤُهَا ، فهل نحن فاعلون هذا بأمنا يا عرب ؟

– علينا أن نَجْعَلَ مِنْ لُغَتِنَا صُورَةً مُعَبِّرَةً عَنْ عُرُوبَةِ اَلْيَوْمِ كَمَا كَانَتْ مُعَبِّرَةً عَنْ عُرُوبَةِ اَلأَمْسِ كما نُرِيدُ لِعُرُوبَةِ اَلْيَوْمِ أَنْ تَكُونَ عُرُوبَةً أَصِيلَةَ لا هَجِينَةً .

– وَلِلْحِفَاظ عَلَى اللغة العربية لابد من الحفاظ عل اَلْهُوِيَّةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ولابُد مِنْ تَعْزِيزِ اَلاعْتِزَازِ بِالذَّاتِ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ تَنْمِيَةِ اَلثِّقَةِ لَدَى أَفْرَادِ اَلْمُجْتَمَعِ اَلْمُسْلِمِ فِي أُمَّتِهِ وَحَضَارَتِهِ ؛ فَالأُمَّةُ اَلَّتِي لا تَثِقُ بِقُدُرَاتِهَا ، وَلا تُقَدِّرُ إِمْكَانَاتِها اَلذَّاتِيَّةِ حَقَّ قَدْرِهَا ؛ لا يُمْكِنُ إِلا أَنْ تَكُونَ عَلَى اَلدَّوَامِ ظِلاً لِلآخَرِينَ ، تَابِعَةً لَهُمْ ، لا تَعْتَمِدُ إِلا مَا يَقُولُونَ وَمَا يَفْعَلُونَ ، إِذْ إِنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُعْوزُهَا اَلْهُوِيَّةُ اَلْمُتَمَيِّزَةُ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ اَلْمَعِيشَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى وُجُودِهَا .

– تَعْمِيقِ الإِحْسَاسِ بِقِيمَةِ مُجْتَمَعِنَا العربي إِيمَاناً بَلَغَتْنَا اَلْعَرَبِيَّة وَحَتَّى تَتَجَلَّى لَنَا مُوَاكَبَةُ اَلْعَالَمِيَّةِ فِي شَتَّى نَوَاحِيهَا اَلْفَنِّيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ .

وبعد ، فهذه رؤية متواضعة توخيت فيها البساطة والوضوح والإيجاز .

* عميد كليات الدراسات الإسلامية والعربية ( جمهورية مصر العربية ) .