من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026اللهم أغثنا
مايو 24, 2026التوجيه الإسلامي :
عالمية الإسلام في إنسانيته العالية
دكتور/ غريب جمعة *
إذا تأملت حال البشرية قبل الإسلام وجدتها جائرة السبيل ، حائرة الدليل ، واهية العزيمة ، خائرة القوى ، تصارع عوامل الفناء في داخلها من جاهلية توثق العقل ، ووثنية تزهق الروح ، ومادية ترهق الجسد ، وعنصرية وعصبية واستعلاء وتفاخر وكلها موبقات توغر الصدور وتحيلها إلى مراجل تغلي بالحقد والظلم والبغي والعدوان .
وهل كانت عقدة النفسية اليهودية إلا هذه العنصرية ، وذلك الاستعلاء على جميع الأجناس لأنهم من وجهة نظرهم شعب الله المختار ، الشعب الأزلي ، الشعب الأبدي إيماناً بما جاء في توراتهم المحرفة مثل مقولة ” لأنك شعب مقدس للرب إلهك ، قد اختارك الرب لتكون شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب التي على وجه الأرض ” ( التثنية : 14 : 2 ) ومعنى شعب الله بالعبرية عام ألوهيم ، وهي تسمية وردت في كتابهم ، وما داموا شعب الله فجميع الشعوب في نظرهم ” جوييم ” أي سفلة أشرار ، بل قد توسع أحبار اليهود في استعمال هذه الكلمة فأضافوا إليها معنى القذارة الروحية والمادية والكفر ” [1] .
وهل جاءت مصائب البشرية وبلاياها من حروب ومجاعات ودمار وتشريد إلا ثمرة منتنة لهذه الموبقات التي تسيطر على عقول الحمقى من قادة الأمم الذين يكرعون من خمر السلطة حتى الثمالة ، ثم تدق طبول الخراب من حولهم فيرقصون منتشين على أنغامها ، وعندئذ يحلو لأحدهم الانتحار العسكري ، ولسان حاله يقول : أنا الغريق فما خوفي من البلل !!
وجاء رحمة الله للعالمين :
في هذا الجو الرعيب أرسل الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتعرف البشرية سبيلها القاصد وأمرها الراشد ولتذوق النفوس حلاوة العدل والإحسان بعدما تجرعت مرارة الظلم والعدوان .
فكانت أول مهمة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد إقرار التوحيد في النفوس أن يخلع عن أتباعه عصبياتهم وعنصرياتهم وينزع عنهم لباسها بأي شكل من الأشكال ، حتى يكون المسلم إنساناً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى . ومتى تحرر المسلم من العصبية والعنصرية تأبى على الخضوع والخنوع للطاغوت في أقواله وأفعاله . ولكن طواغيت الكفر في مكة ورمت أنوفهم ، ودفعتهم عزتهم وشقاقهم إلى وصفه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسحر والكذب ، بل إلى رفض عقيدة التوحيد والعجب منها . يقول الله تبارك وتعالى : ( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) [ ص : 4 – 5 ] .
وغاظهم كل الغيظ أن يتساوى معهم أو يشركهم عبيدهم وضعفاؤهم وفقراؤهم في مجلسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فنزل القرآن واضحاً كل الوضوح حاسماً كل الحسم لهذا الأمر في قوله تبارك وتعالى : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) [ الكهف : 28 ] .
على رسلكم . . أيها الطواغيت . . فقد طلع فجر جديد ، ولدت فيه الإنسانية من جديد وولدت معها كرامتها وعزتها كما أعلن ذلك خالقها ورازقها في وحي يتلى إلى يوم القيامة . يقول تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) [ الإسراء : 70 ] .
إنه إعلان لكرامة النوع الإنساني كله منذ أكثر من أربعة عشر قرناً ، فمتى وصلت البشرية اللاهثة المكدودة إلى هذا الإعلان في العصر الحديث ؟ وهل التزمت بما أعلنته أم أنها أخفقت إخفاقاً لا نظير له ؟
وبعد أن قرر تبارك وتعالى كرامة النوع الإنساني كافةً توجه في خطاب عالمي إلى الناس كافةً أيضاً يذكرهم بوحدة أصلهم ويخرجهم من عنصرياتهم وعصبياتهم الضيقة إلى أفق الإنسانية الرحب غير المحدود فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ الحجرات : 13 ] .
وإذا تدبرت السورة التي ذكرت فيها هذه الآية وجدت النداء قد توجه قبلها خمس مرات إلى الذين آمنوا في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ) ليسمو بهم إلى أرفع الرتب والفضائل النفسية والاجتماعية . ولكنه في هذه المرة نداء للناس جميعاً ليعلن لهم أن ربهم واحد – كما أنهم من أصل واحد – فليس رب شعب من الشعوب ولا طائفة من الطوائف ولا شريك له ولا نظير .
يا أيها الناس المختلفون في ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم ، فصاروا شعوباً وقبائل مختلفةً ! إنكم من أصل واحد ، والذي يناديكم هو ربكم الذي خلقكم ليبين لكم أن الحكمة من هذا الاختلاف هي التعارف والوئام ، وليس التناكر والخصام . وكأن جملة ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) كالتوطئة لما بعدها لأنهم لما تساووا في أصل الخلقة من أب واحد وأم واحدة ، كان الشأن ألا يفضل بعضهم بعضاً إلا بالكمال النفساني وهو الكمال الذي يرضاه الله لهم ووسيلته هي تقواه تبارك وتعالى ، ولذلك جعل التفاضل في الكرم ” عند الله ” لا عند أحد سواه إذ لا قيمة ولا اعتداد بكرم لا يعبأ به الله .
والمراد بالأكرم : الأنفس والأشرف وبالأتقى : الأفضل في التقوى وعلى قدر حظ كل منكم من التقوى يكون حظه من الكرم عند الله لأنه يعاملكم عن علم وخبرة ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .
وهكذا تطيش موازين الكرامة عند الناس من بطش وفتك وعنصرية وعصبية ، ويرجح ميزان واحد هو الميزان الإلهي الذي يجب أن يتحاكم الناس إليه جميعاً ” ألا وهو التقوى ” .
وبهذا وضع الإسلام عن البشرية أوزار العنصرية والعصبية للتراب والطين ، والعصبية للجنس ، والعصبية للون ، والعصبية للسان ، والعصبية للقبيلة ، ورفع لهم صرح نظام إنساني عالمي ، لا تزال البشرية تلهث لتصل إلى ما يقرب منه بلة ما يماثله .
الإسلام يقدم النماذج العملية :
إن الذي يتأمل سيرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجد أن دعوته إلى ذلك الكمال النفساني والرقي الإنساني والاستعلاء على العنصرية والعصبية بدأت من أول يوم نزل عليه الوحي حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى . وَقِفْ وقفة تفكر فيما قاله في خطبة الوداع يوم الحج الأكبر والتي تعتبر أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان التي يتغنى بها آكلوها المستبيحون ، المتنكرون لها والعابثون المتاجرون بها . لقد قال قولته الخالدة التي تلقم الخراصين أحجاراً في أفواههم : ” أيها الناس – تأملوا – إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، أكرمكم عند الله أتقاكم . ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى . ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : فليبلغ الشاهد منكم الغائب ” [2] .
ولم تقف دعوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند حدود الكلمة كما يفعل أصحاب الفلسفات النظرية ، بل جعلها سلوكيات عملية ومُثلاً عليا يعيشها أصحابه والتابعون لهم بإحسان .
فها هو ذا يهاجر إلى المدينة المنورة فيطلق على أهلها اسم : الأنصار ليكونوا أنصار الله ورسوله وأنصار السلام والإسلام وأنصار الإنسانية في أعلى مراتبها ، لا أنصار بلد أو دار أو لون أو جنس أو قبيلة .
ولما وجد بعض الأوس والخزرج يتفاخرون بآبائهم وأيامهم الماضية وما كان فيها من غَلبة فريق لآخر ، قال قوله الفصل فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : ” لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا ، إنما هم فحم جهنم . أو ليكونن أهون على الله من الجعلان الذي يدهده الخراء بأنفه . إن الله تعالى قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ ( الفخر والكبر ) الجاهلية وفخرها بالآباء ، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ” . ( أخرجه أبو داود والترمذي وروى البزار في سنده من حديث حذيفة قريباً منه ) .
أرأيت منزلة من يفتخرون بآبائهم زوراً وبهتاناً ؟ إنها دون منزلة الجِعْلان ( نوع من الخنافس ) ، ومن الذي يرضى لنفسه أن يهوي إلى هذه المنزلة من الحقارة والمهانة ؟
وحينما حاولت فتنة العصبية وحمية الجاهلية أن تطل برأسها ذات يوم وقف منها موقفه الغاضب الذي وأدها في مهدها فلم تقم لها قائمة بعد ذلك طيلة حياته المباركة . وإليك هذه القصة :
جاء عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا في غزاة ( هي غزوة بني المصطلق ) فكسع ( أي ضربه على دبره ) رجل من المهاجرين اسمه جهجاه ( وهو أجير لعمر بن الخطاب ) رجلاً جُهينياً اسمه سنان حليفاً للأنصار . فقال الجهني : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين . فسمع ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ” ما بال دعوى الجاهلية ؟ ” قالوا كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار . فقال : ” دَعُوها فإنها منتنة ” أي اتركوا دعوى الجاهلية [3] .
وأي نفس تتعصب لهذه الدعوى المنتنة إلا أن يكون بها أثر من أخلاق الجاهلية المنتنة ، ومن الذي يرضى أن يتحلى بخلق منتن يفر الناس من صاحبه فرارهم من المجذوم ؟
ثم كان العجب الذي لا ينقضي منه العجب يوم فتح مكة وهو يوم النصر الأكبر للإسلام وللمسلمين ، فقد رُوي أن بلالاً رضي الله عنه رقى فأذن على ظهر الكعبة وهو العبد الحبشي وليس بالسيد القرشي مما أثار حفيظة عتاب بن أسيد والحارث بن هشام ، أما الأول فقال : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم ، وأما الثاني فقال : ما وجد غير هذا الغراب مؤذناً ؟ ولكن الإسلام يضع هذا الاستعلاء وتلك العصبية الكفور تحت أقدامه ولو غضب عتاب والحارث وملء الأرض من أمثالهما .
فأين أنتم يا دعاة التمييز العنصري والطبقي من هذا السمو الإنساني الذي جعل عبداً حبشياً يقف على ظهر قبلة المسلمين جميعاً في مشهد لم يتحمل رؤيته بعض صناديد قريش ؟ هل وجدتم ذلك في غير الإسلام ؟
وضرب الصحابة أروع الأمثلة :
واستجاب الصحابة لدعوة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنافسوا في المكرمات وتسابقوا إلى الخيرات يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً ، فجعلهم الله نجوم هداية وأعلام رشد وأساتذة للدنيا حيث ضربوا أروع الأمثلة في الكمال النفساني والسمو الإنساني ، ولا علينا إن كره الكارهون أو جحد الجاحدون ، فإن وقائع التاريخ تصفعهم بين الحين والآخر حتى يفيقوا من سكرتهم ويتحرروا من عنصريتهم ويثوبوا إلى رشدهم . ولو ذهبنا نضرب الأمثلة على ذلك لطال بنا المقال وأدركنا الملال . وحسبنا هذان المثلان للدلالة على ما نقول ، ومن رغب في المزيد فليرجع إلى ذلك في مظانه ليجد مزيداً فوق المزيد .
أولاً : عن المعرور بن سويد قال : رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه سابَّ رجلا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعيره بأمه ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إنك امرؤ فيك جاهلية ، هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبِس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه ” [4] متفق عليه . [ حلة : ثوب مركب من ظهارة وبطانة من جنس واحد . فيك جاهلية : أي فيك خلق من أخلاق الجاهلية . الخول : الخدم والحشم ] .
ثانياً : عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال : كنت أضرب غلاماً بالسوط فسمعت صوتاً من خلفي : اعلم أبا مسعود ، فلم أفهم الصوت من شدة الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا هو يقول : ” اعلم أبا مسعود ، اعلم أبا مسعود ” . قال : فألقيت السوط من يدي فقال : ” اعلم أبا مسعود ، أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ” .
فقلت : لا أضرب مملوكاً بعده أبداً .
وفي رواية : فسقط السوط من يدي .
وفي رواية : فقلت يا رسول الله ! هو حر لوجه الله تعالى ، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أما لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار أو لمستك النار ” ( رواه مسلم ) [5] .
أين هذا مما يفعله دعاة المدنية من تعذيب تخجل منه الوحوش في الغابات وقد تناقلته وسائل الإعلام ، وكل يحاول أن يدرأ التهمة عن نفسه ذراً للرماد في العيون ، ولكن البغضاء قد بدت من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر . فهل نعرف نعمة الله علينا وعلى الناس ؟
ويبقى سؤال :
ولنصدق مع الله ثم مع أنفسنا في الإجابة عن هذا السؤال وهو :
هل قمنا بتنفيذ المادة الأخيرة من الإعلان النبوي العالمي لحقوق الإنسان وهي : ” فليبلغ الشاهد منكم الغائب ” .
هل قمنا بواجب التبليغ فيما بيننا ، ثم بواجب تبليغ هذا الدين العالمي الإنساني إلى أمم الأرض كافةً على اختلاف لغاتهم وأجناسهم ؟ وقد شرفنا الله بأن جعلنا أمةً وسطاً أي عُدولاً خياراً لنشهد على الأمم بأن أنبياءهم قد بلغوهم رسالة ربهم ، وما بنا – علم الله – من عصبية ولا عنصرية ولا استعلاء ، ولكنه فضل الله علينا في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [ البقرة : 143 ] ثم أضاف إلى شرف الشهادة على الأمم شرف الاختيار من بينها لنصرة دينه وتأييد شريعته ، وذلك في قوله تعالى : ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) [ الحج : 78 ] .
فهل حظيت أمة من الأمم بمثل هذا الشرف ؟ وهل قمنا بالحفاظ عليه ؟
وهذا التساؤل ليس من قبيل جَلْدِ الذات ولا كيل الاتهامات ، ولكنه كما ذكرت الصدق مع الله ثم مع النفس . إن الله تبارك وتعالى قد حذر المسلمين من مخالفة أمر نبيهم في قوله تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ النور : 63 ] .
ولما سار المسلمون خلف القرآن سَارَت الأمم خلفهم سير محبة ومهابة وإجلال لأنهم رأوا فيهم المثل العليا للإنسانية السامية ، وهي ضالتهم المنشودة ، فلما بدلوا بدَّل الله بهم والله لا يظلم مثقال ذرة فهانوا عليه ونزع مهابتهم من قلوب أعدائهم فصغروا في أعينهم وتطاولوا عليهم حتى في شخص نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقعدوا لهم كل مرصد غير مبالين بهم ، والواقع خير شاهد على ما نقول .
فهل يعود المسلمون لأداء دورهم المفقود ويحتلون مكانهم ومكانتهم في صدر الوجود ، جاعلين من كتاب ربهم دستوراً ومن سنة نبيهم نوراً ومن سلفهم الصالح أئمةً يقتدى بهم ؛ فليُصلِحُ الله بهم الأرض ، ويهذب بهم الناس ويمدِّن بهم العالم المدنية الحقيقية التي تجمع بين مطالب الروح والجسد في تآلف عجيب . وعندئذ تتحرر البشرية من عبادة الطاغوت ، وسلطان القوة ، وتحكم الجهالة وأسر الأوهام وبطش الحكام . . ويكون الدين كله لله .
* أمين رابطة الأدب الإسلامي العالمية بمصر .
[1] الشخصية اليهودية ، د . حسن ظاظا ، دار القلم ، بيروت ، ط 2 ، 1990م .
[2] محمد المثل الكامل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . محمد أحمد جاد المولى بك ، المطبعة التجارية ، القاهرة ، ط 3 ، 1937م .
[3] تفسير ” التحرير والتنوير ” للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، الدار التونسية للطبع والنشر ، الطبعة الأولى ، عام 1984م ، الجزء 27 ، ص 232 .
[4] البخاري 1/80 – 81 ومسلم ( 1661 ) وأخرجه أبو داود ( 5158 ) .
[5] مسلم ( 1657 ) .

