من هم أهل السنة والجماعة

الجهاد في الإسلام : حكمته ووسائله ¨
مايو 24, 2026
عالمية الإسلام في إنسانيته العالية
مايو 24, 2026
الجهاد في الإسلام : حكمته ووسائله ¨
مايو 24, 2026
عالمية الإسلام في إنسانيته العالية
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

من هم أهل السنة والجماعة

بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *

تعريب : محمد فرمان الندوي

( الحلقة الخامسة )

كتبنا في السطور المذكور أعلاه أن هذه الفرق قد قسمت البلدان والأقطار غير تقسيمها القومي ، فكان في الشام العثمانيون والنواصب وغيرهم من حماة بني أمية ، وفي العراق العلويون وأهل العجم ، فإن بني أمية ما فعلوا في ساحة كربلاء بفلذة كبد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حسين رضي الله عنه ، وما تعرض له سبط سيدنا أبي بكر الصديق عبد الله بن الزبير من قتله وسفك دمه بكل وحشية ، وما قطع عنق سيدنا علي زيد الشهيد ثمرة فؤاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين ، وما أريقت دماء أنصار المدينة المنورة الذين كانوا أتراساً للرسول صلى الله عليه وسلم ، بكل وقاحة ، وما سفكت دماء محدثي البصرة وعلمائها من دون خوف ولا وجل ، تندهش وتتحير من رؤيتها وسماع أحوالها المجتمعات الإسلامية .

إن قوة السيوف تخرس الألسن ، لكن لا تخرج شوك القلوب ، ولا تزيل الشكوك والشبهات ، فكانت الحاجة في ذلك إلى تدبير ديني ، وقد وجد بنو أمية هذا التدبير الديني ، وهو قضية الجبر ، أي أن الإنسان مقهور محض ، فكل ما يفعله الإنسان كان وراءه الله تعالى ، فليس الإنسان مسئولاً عن أعماله ، بل تعود مسئوليتها على الله تعالى ، فنظراً إلى هذا لم يكن الإنسان مجرماً عند الله بهذه الانتهاكات الوحشية ، بل الله هو المجرم الحقيقي ( العياذ بالله ) [1] .

وفي مقابل ذلك تستطيعون أن تحكموا أن هؤلاء الساحرين المتدينين في العراق كيف أمكنهم أن يرفضوا تدبير أهل الشام ، وذلك بفكرة القدر ، معناها أن الإنسان مسئول عن جميع أعماله ، والقدر ليس بشيئ [2] ، وقد جعل الله الإنسان قادراً على عمله ، فهو يعمل كما يشاء ، قد ارتفع هذا النداء من العراق أول مرة ، ونادى به السنسويه أو رجل عجمي يعرف بسوسن [3] ، فضمه معبد الجهني إلى العقائد الأساسية ، مرةً زار رجال من البصرة سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقالوا : إن أناساً من أهل العراق يكذبون بالقدر ، ويزعمون أن الله لا يقدر على الشر ، وأن الأمر أنف ، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أو قد قالوها : إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريئ منهم ، وأنهم براء مني أي لست منهم وليسوا مني [4] فإن معبد الجهني هو الذي ذهب بقضية القدر إلى الأوساط العلمية في البصرة ، فتوسع نطاقها شيئاً فشيئاً .

حضر معبد بن خالد الجهني وعطاء بن يسار إلى الحسن البصري ، وقالا : هؤلاء ( بنو أمية ) يسفكون دماء الناس ، ويقولون : كل ما نفعل هو بأمر الله وقدره ، فقال الحسن البصري رحمه الله : كذب أعداء الله ، فأخيراً ثار معبد على بني أمية ، فقتل بأمر من الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان ، وقد حمل هذا اللواء بعد معبد الجهني عمرو بن عبيد ، ومعبد بن درهم وغيلان الدمشقي ، فقتلوا واحداً بعد واحد بأيدي بني أمية ، فأثار هذا القتل والسفك في نفوس هذه الفرقة حماساً أكثر من ذي قبل ، واستخرجوا قاعدةً من هذا العمل أن زجر الظالمين والجزارين ، ودعوتهم إلى العدل والإنصاف فرض عين ، عرفت هذه الفرقة في البداية بالقدرية ، وفي النهاية ظهرت في صورة المعتزلة [5] .

آن الآن أوان طلوع شمس الدولة العباسية بعد بني أمية من أرض فارس تحت ظلال الأعلام السود ، فقد كشفت فلسفة اليونان والعجم تعقيدات الألسنة ، فكل من نطق بلسانه شيئاً أصبح ديانة ، وصارت العراق وخراسان والري وأكبر مدن فارس مراكز لصياغة الديانات وتكوين اللجان والجماعات ، ولد في خراسان جهم بن صفوان الترمذي ، الذي رفض جميع الصفات الإلهية ، واعتبر الله مقهوراً محضاً ، وقد نزه المعتزلة الله تعالى عن الصفات حتى صار شبهاً للمعدوم ، وقد أبدى ابن كرام السيستاني في الري عقيدة لتجسيم الله تعالى بحيث أجلسه على العرش كصورة إنسان جميل يوثق به ، ولم يوافق الذين يعتقدون التجسيم أيضاً على هذا المعتقد ، وقد أبدى في خراسان سليمان المفسر أن الله مركب من اللحم والدم ، وقال هشام بن الحكم : إن الله نوراني الجسم بدلاً من اللحم والدم ، وقال هشام بن سالم الجولقي : الله نور ، وليس لحماً ودماً ، أعلى جسمه مجوف وأسفله محكم ، وله شعور سوداء ، يملك الحواس الخمس ، له يدان ورجلان ، وفم وأنف ، وليست له لحية ، وقال بيان بن سمعان : إن لله جسماً ، لكنه يفنى يوم القيامة ، ولا يبقى إلا وجهه ، وقد رفض المعتزلة رؤية الباري جل جلاله ، وقال الآخرون : الرؤية لا تحصل بهذه الحواس الخمس ، بل يخلق الله لها حاسةً أخرى يوم القيامة .

هذا الجدل كان بالنسبة إلى ذات الله ، أما الجدل حول صفات الله تعالى فهو يبدأ بعد ذلك ، وقد رفضت الجهمية صفات الله عزوجل ، وقالت : إذا كانت الصفات الإلهية فلا بد أن تبقي أبد الآباد ، والبقاء الدائم لذات الله فقط ، فإذا كانت الصفات منفصلةً عن الذات ، فيكون وجود الله مركباً بالذات والصفات ، والله منزه عن التركيب ، وقالت المعتزلة : إن أصل الذات الإلهية بمنزلة الصفات ، وقال أهل الظواهر : الصفات لها وجود مستقل عن الذات ، وقال الأشاعرة : الصفات ليست ذاتاً ولا خارجةً عن الذات ، وقال الكعبي البلخي : في ذات الله عز وجل صفة ، وهي العلم ، والإرادة هي بمنزلة الذات .

وكذلك هناك قضايا أخرى في باب العقيدة : هل الإيمان والعمل شيئ واحد أو العمل خارج عن الإيمان ؟ وهل الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان أو التصديق بالقلب ، أو هو مجموعة الإقرار باللسان والتصديق بالقلب ، وهل يزيد الإيمان أو ينقص ؟ وهل يجب الإيمان بالله عقلاً أو سمعاً ، هل تثبت النبوة بالعقل أو بالكتاب والسنة ، وهل للمعجزة إمكان ؟ وهل المعجزة دليل النبوة أم لا ؟ وهل المعجزة لها صلة بالأسباب الخفية ، وهل توجد في أحكام الله مصالح وأسرار ، وهل يجري نظام الله بالأسباب ، وهل القرآن معجزة أم لا ؟ وهل أمكن تحدي القرآن أم لا ؟ وهل سلب الله من الإنسان قوة تحدي القرآن ؟ فإذا كان القرآن معجزةً ، فما نوعها ؟ نوع التنبؤ أو نوع العبادة ؟ كيف كان القرآن كلاماً إلهياً ، هل هو قديم أو حادث ؟ هل ألفاظه قديمة أو معانيه ؟ وهل للجنة والنار حقيقة أو أن لهما معنىً مجازياً ، فإذا كانت لهما حقيقة فهل هما موجودان الآن أم لا ؟ وهما يدومان إلى يوم القيامة أم يفنيان ، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان هل يدخل الجنة أم النار ؟ هل يعذب الإنسان في القبر أم لا ؟ هل يحرق الكفار في النار مرةً أو مراراً ؟ وهل يقدر الله على المحال والاستبعاد ؟ هل يستطيع أن يظلم أم لا ؟ وأخيراً هل يمكنه أن يكذب أم لا ؟ وما ذكرنا هنا قضية الإمامة ، وإلا خضنا في موضوع آخر .

هذا وأمثاله من مئآت الشطحات والخزعبلات نشأت في صورة القضايا الداخلية ، فمن كانت عنده نظرية وفكرة تكونت له جماعة ، فهذه القضايا تسربت إلى الفرق المختلفة نفياً أو إثباتاً ، ولم تكن هذه الاختلافات مقصورةً على اللغة والدلائل فقط ، بل سببت إلى الخصام والنزاع ، ونشأ الأشاعرة في القرن الثالث الهجري ، الذين نالوا قبولاً عاماً في المحدثين والفقهاء ، وكان مذهبهم بين العقل والنقل ، وبين آراء المعتزلة وأهل الظواهر ، وقد استفاد هذا المذهب من علوم الإمام الباقلاني وابن فورك والإمام الرازي في جانب ، وفي جانب آخر استمد من قوة الملك شاه السلجوقي ، والسلطان محمود الغزنوي ، والسلطان صلاح الدين الأيوبي ، ومحمد بن تومرت الموحدي ( إسبانيا ) ، فتضاءلت آثار جميع الفرق أمامها ، رغم ذلك كله لم تكن أرض بغداد ( مادامت خصبةً وعامرةً ) خاليةً من الفتن الداخلية من اختلافات الحنابلة والأشاعرة الذين يدعون انتماءهم إلى الكتاب والسنة .

( للبحث صلة )

* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .

[1] كتاب الخطط والآثار في مصر والقاهرة والنيل وما يتعلق بها من الأخبار للشيخ العلامة تقي اليدن أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي ج 2/ ص : 356 ، طبع مصر : هذه فكرة الجهمية ، والجهمية هم أتباع جهم بن صفوان الترمذي مولى راسب ، وقتل في آخر دولة بني أمية ، وهو ينفي الصفات الإلهية كلها ، ويقول : لا يجوز أن يوصف البارئ تعالى بصفة يوصف بها خلقه ، وأن الإنسان لا يقدر على شيئ ، ولا يوصف بالقدرة ، ولا بالاستطاعة ، وأن الجنة والنار يفنيان وتنقطع حركات علمهما ( كتاب الخطط           ج 2/349 ) .

[2] وفي صحيح مسلم عن أبي بريدة عن يحيى بن يعمر قال : كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين ، فقلنا : لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي : أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله ، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا أناس ، يقرؤون القرآن ، ويتقفرون العلم ، وذكر من شأنهم ، وأنهم يزعمون أن لا قدر ، وأن الأمر أنف ، قال : إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريئ منهم ، وأنا براء مني ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر ! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ، فأنفقه ، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ( كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ، رقم الحديث : 1 ) ، وفي سنن الترمذي : باب ما جاء في القدرية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب : المرجئة والقدرية ( أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

[3] كتاب الأسماء والصفات للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الأولى ، 1405هـ 1985م ، وكتاب خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل للإمام البخاري ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 1404هـ 1984م ) .

[4] صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، رقم الحديث : 1 .

[5] كتب المقريزي في كتاب الخطط : وكان أول من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني ، وكان يجالس الحسن بن الحسين البصري ، فتكلم في القدر بالبصرة ، وسلك أهل البصرة مسلكه ، لما رأوا عمر بن عبيد ينتحله ، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه ، ويعرف بالأسواري ، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج ، وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة 80هـ ، ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما مقالة معبد في القدر ، تبرأ من القدرية ، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة ، وأخذ السلف في ذم القدرية ، وحذروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث ، وكان عطار بن يسار يرى القدر ، وكان يأتي هو معبد الجهني إلى الحسن البصري ، فيقولان له : إن هؤلاء يسفكون الدماء ، ويقولون : إنما تجزئ أعمالنا على قدر الله ، فقال : كذب أعداء الله ، فطعن عليه بهذا ومثله ( كتاب الخطط : 356 ) .