ندوة علمية حول شخصية العلامة الكشميري وإسهاماته العلمية
مايو 24, 2026ندوة وطنية حول : ” مساهمة المسلمين في بناء وتطوّر الهند ” في المعهد العالي الإسلامي ، حيدرآباد
مايو 24, 2026الإسلام في باريس :
من عَبَق التّاريخ الحديث
أربعون عاماً خَلَتْ على تأسيس إذاعة الشرق في باريس
بقلم : الدكتور صالح العَوْد *
فقد تأسست في البداية ” جمعية إعلامية ” باسم : ” إذاعة الشرق صوت الجالية العربية والإسلامية في باريس وضواحيها ” عام ( 1982 – 1403م ) ، ثم ظهر الإعلان عنها في نشرة الرائد الرسمي الفرنسية .
أما السبب الدافع إلى إنشائها، فهو أنّ في العام ( 1402هـ – 1981م ) طرح فرانسوا ميتران في حملته الانتخابية – إن هو فاز برئاسة الجمهورية – السماح للجاليات الأجنبية بإنشاء ” إذاعات حرّة ” على موجة ال ( F. M. ) ، وفعلاً نجح ميتران ، وبعد جلوسه على كرسي الرئاسة في ( 10 مايو 1981م ) وفَّى بما وعد به .
كان الهدف من إنشاء ” إذاعة الشرق ” في باريس ، هو تلبية حاجة الجالية العربية والإسلامية إلى المعرفة الدّينيّة ، والتزود من الثّقافة العربية ، ومعالجة مشاكلها الاجتماعيّة ؛ إذ كانت الأمّيّة يومها مطبقةً عن الدين ، والأحكام الشرعية ، بالإضافة إلى الفراغ الروحي الذي هي فيه ، والخمول الفكري ، فضلاً عن التمزق النفسي بين الحنين الى الوطن الحبيب ، والشعور بالغربة في أرض المهجر .
انطلقت ” إذاعة الشرق ” بباريس في فترة لم تعرف الجالية العربية والإسلامية فيها ، – وهي فترة الثمانينيات وما قبلها – هذه الفضائيات المنتشرة اليوم بكثافة في بلاد الغرْب . ( سواء العربية منها أو الإسلامية ) ، فنهضت لتحقيق تلك الغاية السامية ، وقامت على قدم وساق بإنتاج مئات البرامج ( الدينية ، والعلمية ، والثقافية ، والاجتماعية ، والفنية ) ، زائد ما وفرت من عدة إذاعات عربية في المشرق والمغرب .
كان مؤسس ” إذاعة الشرق ” شاباً شرقياً نشيطاً وطموحاً ، ينتقي الكفاءات في شتى المجالات ، للعمل في الإذاعة من أجل تقديم الأفضل ، تطوعاً كان أو بأجرة ؛ وحتى يرتقي بمستواها ( إعلامياً ) ، ويصل عبر برامجها الغنية بالمعارف ، والخدمات إلى إسعاد الجالية ، والترفيه عنها .
وظل هذا الهاجس ديدن جميع الذين تعاقبوا الإشراف على الإذاعة ، بدءاً من المدير العام ، إلى رئيس قسم البرامج فيها .
كانت ” إذاعة الشرق ” بباريس في بداية مسيرتها ، تبثّ من غرفة صغيرة بهوائيّ واحد ، في شارع فوش الراقي بالدائرة السادسة عشرة ، انتقلت تبثّ من استوديو ضخم بـ ” كليشي ” : إحدى الضواحي الباريسية ، بإمكانات عالية التقنيات ، بل وبأحدث الأجهزة التي وصلت إليها من التكنولوجيا العصرية ، حتى أصبح سماع ” إذاعة الشرق ” ليس ( محلياً ) فقط ؛ أي : في فرنسا وحدها وما جاورها من البلدان الأوربية / بل ارتقى ( بثها ) إلى العالَمية ، بواسطة القمر الصناعي ( هوت بيرد ) ، وكانت تبثّ على مدار الساعة ( 24/24 ) متواصلةً بدون انقطاع منذ تأسيسها ؛ وكان عدد العاملين فيها يوم انطلقت لا يزيدون عن واحد وعشرين عاملاً ، ثم أصبح ( طاقمها ) – كما تقول صحيفة الحرية الباريسية ( لبرال ) : ( ثمانون شخصاً : بينهم ثلاثون صَحَفياً ، زيادة على خمسة وعشرين راسلاً في أنحاء العالم ) ؛ وأخرون إداريون وفنَيّون ، وغيرهم في مجالات اختصاصية أخرى مثل : ( دين ، طب ، رياضة ، اجتماعيات ، خدمات ، حوارات ) .
ولم تكن ” إذاعة الشرق ” في سنوات نشأتها الأولى تبث نشرات إخبارية ، ثم ولجت هذا الباب فيما بعد ، فأصبحت ( تبث ستَّ نشرات إخبارية بالفرنسية ، وسبع نشرات بالعربية ) ، آخرها نشرة ( الثالثة والعشرون ) هكذا تسمّى ، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً .
ويتوزع العمل الإذاعي في ” إذاعة الشرق ” ما بين : ( برامج دينية ) قارة ، و ( نشرات إخبارية ) مستمرة ، وتقارير رياضية عن ( الألعاب والمبارات ) التي تجري في العالم ، و ( حوارات ) مع نخبة من العلماء ، والأدباء والشعراء ، وألمع الكتّاب والصَّحفيين ، وكبار الفنانين العرب ، وأطباء من جميع التخصّصات .
وتنفرد ” إذاعة الشرق ” دون بقية الإذاعات العربية الأخرى العاملة حديثاً في باريس – برفع الأذان عند ما يحين دخوله حسب التوقيت المحلّي للعاصمة باريس ( خمس مرات ) ، ويتعاقب على رفع الأذان ( أصوات مسجلة ) لمجموعة كبيرة من المؤذّنين ، تناهز الأربعين من مختلف الأوطان العربية ؛ كما تبث تلاوات قرآنية قبل أو بعد الأذان ، بأصوات العديد من مشاهير القرّاء ، مثل : ( عبد الباسط ، والحصري ، والغامدي ، ومحمد أيوب يوسف ، والبرّاق ) وغيرهم ؛ وكانت تتولى بث هذه ( الشعائر الدينية ) مع البرامج الإسلامية : ” إذاعة القران الكريم ” في باريس المتفرّقة من ” إذاعة الشرق ” .
كما تنفرد ” إذاعة الشرق ” بنقل الفترة الدينية من إذاعة نداء الإسلام في مكة المكرمة صباح كل يوم جمعة ، بما فيها شعائر صلاة الجمعة من المسجد الحرام حيّاً على الهواء ؛ وفي شهر رمضان تنقل أيضاً صلاة التراويح من المسجد الحرام في العشر الأواخر منه ؛ وفي موسم الحج من كل عام تنقل وقائع ( يوم عرفة ) بما فيها نفرة الحجيج إلى مزدلفة ثم منى ؛ كما تنقل أيضاً صلاة العيد وخطبتها من مكة المكرمة صبيحة يوم العيد المبارك .
ومن هنا – أعني باريس – تتولى أيضاً ” إذاعة الشرق ” نقل شعائر صلاة الجمعة كل أسبوع مباشرةً من مسجد باريس الكبير فيها .
وتختص ” إذاعة الشرق ” في باريس بإعلام السادة المستمعين القاطنين بمواقيت الصلاة في كبرى المدن الفرنسية صباح كل يوم ، ومَنْ فاته الاستماع فبإمكانه الاستعلام عنها عبر الإذاعة الهاتفية ، من خلال هاتف مخصَّص لذلك .
وعند مقدم شهر رمضان تحرص إذاعة الشرق على إفادة مستمعيها بحلول الشهر الكريم من عدمه ، فتنقل بلاغ مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية ، ثم ما ثبت لدى مجلس أئمة المسلمين وعلمائهم الذين يجتمعون بالمناسبة لاستطلاع هلال رمضان في مسجد باريس الكبير .
وبعد هذا السرد التاريخي عن ” إذاعة الشرق ” في باريس . نصل إلى الحديث عن ( برامجها ) . وهي من الكثرة ، بحيث يتعذر إحصاؤها عاماً كاملاً ؛ لكني سوف أذكر ( عينات ) من برامجها على مختلف ألوانها ، حتّى يأخذ القارئ الكريم فكرة قريبة عمّا قدّمته ” إذاعة الشرق ” لمستمعيها ومستمعاتها :
البرامج الدينية :
دأبت ” إذاعة الشرق ” باريس في بعض السنوات الماضية على إرسال فريق من العاملين فيها : إلى كل من بلدان : مصر ، ولبنان ، وسوريا ، والسعودية ، لإجراء ( حوارات ) مع نخبة من العلماء في شؤون الدين، وأخرط ( مقابلات ) مع كبار الفنّانين ؛ فضلاً عمّا تقوم بإنتاجه هي محلياً ، لبثه في البرنامج العام .
فمن تلك البرامج : ( الأسرة في الإسلام/ يوميات داعية/ كيف تقرأ القرآن/ مع رسول اللّه/ في موكب الأنوار/ الصحة في الإسلام/ المسلسل الديني/ شرح معاني القرآن الكريم ( باللغة الفرنسية )/ بسمة رمضان/ أبو بكر الصدّيق/ أسباب النزول/ نبيّ الهدى/ الشيخان لطه حسين ) أو غيرها ، أمّا ( إذاعة القرآن الكريم ) في باريس ، ودورها الفاعل ( في هذا المجال ) فقد كانت تعد من البرامج ما يروق لمستمعيها بما من معارف دينية وأخرى ثقافة علميّة ، في شتى الموضوعات .
وبما أنّي كنت أحد العاملين فيها مدة ثلاثين عاماً ، كنت أقوم بتحضير ( المادة ) العلمية ، ثم تحريرها ، ثم تسجيلها لتقديمها في ( برامج ) حملت العناوين التالية :
( أنت تسأل والإسلام يجيب/ السيرة النبوية : نور وهداية/ آيات الأحكام : تفسير وبيان/ الأنوار المحمدية من حديث خير البرية/ من دروس الفقه الإسلامي/ في رحاب العلم/ من روائع حضارتنا/ المرأة والهداية/ أحداث سجّلها التاريخ/ من أخلاق الإسلام/ القصص الإسلامية للأطفال/ لقاء الموسوعات/ مع المجلات العلمية/ حديث رمضان/ الصحابة الكرام وحياتُهم/ أعلام الإسلام/ أعلام النساء/ تاريخ التشريع الإسلامي/ مجالس العلماء/ شمائل الرسول الكريم/ تدوين الحديث/ في ظلال الجنة ) إلخ .
ثم إنّ للشهر الكريم ( رمضان ) في الحقيقة عناية خاصة ، حيث إنّ ” الإذاعتين : الشرق ” تخصانه بشبكة عامرة من البرامج لا نظيرَ لها ، تحمل اسم : ” شبكة فانوس رمضان ” أو ” شبكة برامج رمضان : يا كريم ” .
البرامج الثقافية :
( نوادر العرب/ الإذاعة التعليمية/ المعلوماتية عِلْم المستقبل/ المسلسل الروائي/ المسلسل الفكاهي/ مسافرون في الزمان/ نجوم رمضان/ لكِ سيدتي/ القاهرة مع تحياتي/ جُحا في رمضان/ شراع الليل/ غوّار على الخطّ/ سينما الشرق ) إلخ .
البرامج الإخبارية :
( العرض الأول للأنباء/ صحافة وأحداث/ قالت الصُحُف/ المجلة الرياضية/ أَولمبياد/ الأحد الثقافي والرياضي/ محطات رياضية ) وغيرها .
البرامج الفنّية :
( جلسة طرب/ منوّعات غنائية/ محطة مع أم كلثوم/ تليفون الأغاني/ منوعات الصباح/ استوديو الفن/ أغنية من فيلم/ من كل قُطر أغنية/ بأغنيات مختارة ) .
وفي الختام ، إنّ ما تقدّمه الإذاعتان ” إذاعة الشرق والقرآن الكريم ” في باريس ، من برامج مفيدة ومسلّية لمستمعيها ، جعلها تحتل من عقولهم ونفوسهم مكاناً عليّاً ، لذلك غدتْ جُزءاً من حياتهم ، بحيث لا يمكن الاستغناء عنهما ، فهما الصديق والرفيق ، والأنيس والجليس ، على مدار اليوم والليل .
* باحث وكاتب فرنسا .

