ندوة العلماء تعقد دورتها السنوية في رحابها
مايو 24, 2026بأقلام الشباب والباحثين :
العلوم الطبيعية والتقنية الحديثة في ميزان الدعوة الإسلامية
الأخ عبد العلي الحسني الندوي *
إن العلوم الطبيعية والتقنيات الحديثة لا تزال – منذ زمن – تمضي قُدُماً نحو الرقيّ والازدهار ، وتظهر النظريات التكنولوجية الحديثة على الساحة بين حينٍ وآخر ، وتستمر المعطيات العلمية الحديثة والمخترعات العصرية المبتكرة في الظهور إلى حيّز الوجود ؛ وكأن الاكتشاف الجديد يخرج إلى منصة العالم حيناً لآخر . وتمضي سلسلة الأبحاث والتجارب دون توقفٍ أو هدوء ، وتتكشف الطبقات الخفية المتراكمة في مجالات البحث التقنية والدراسات الكيميائية والفيزيائية المختلفة رويداً رويداً ؛ وكأن الإنسان يستجمع قواه ليبذل قصارى جهده وطاقاته العقلية في تنمية الوسائل المادية وتطويرها ، ويستخدم جميع قدراته الاستنتاجية في إنجاز مشاريعه التنموية وخططه المادية .
وبالتالي فإن هذا الإنسان ، بإذن ربه جلّ وعلا ، يبتكر إمكانات ووسائل مذهلةً تستعصي على الأجيال السابقة حتى مجرد تصورها ؛ حتى لو افترضنا أن شخصاً عاش قبل ثلاث مائة عام ، أو في العصور القديمة ، ظهر فجأةً في عالمنا المعاصر ، وشاهد الطائرات التي تطير فوق السحاب ، والصواريخ التي تتسلق إلى القمر ، وتحكم قبضتها عليه ، والغواصات التي تشق أعماق البحار السحيقة وتستقر فيها ، والسيارات التي تلمع على الشوارع ، والمباني الشاهقة التي تلامس السحاب وتناجي السماء ، والشبكات الاتصالية المنظّمة الفريدة التي تنقل الأخبار وتبلغ الرسائل عبر آلاف الأميال في ثوانٍ معدودة ؛ لأصابه الذهول والدهشة ، وربما ظن أنه انتقل إلى عالم ألف ليلة وليلة ، أو إلى عالمٍ أسطوري خيالي واهم .
وجملة القول : إنها حقيقة لا سبيل إلى إنكارها ؛ أن المتخصصين في العلوم الطبيعية المادية قد حققوا إنجازات بارزةً ، مشهودة الأثر ، في جميع أقسام التكنولوجيا الحديثة ؛ وخاصةً منذ ثورة أوروبا ونهضة الغرب بعد ضغوط الكنيسة وهيمنتها عليها لقرون طويلة متتالية ، حيث نهض العالم الغربي وانجرف بقوة نحو التقدم المادي ، متخلياً عن ثوب الدين وقيمه في كثير من الجوانب .
مسيرة العلوم الطبيعية والتقنية الحديثة :
ولا شك أن هذا التطور المادي الهائل هو نتيجة جهود الإنسان الدؤوب وانبثاق كفاءاته الكامنة ، إلا أن الحلقة الأهم والأكثر جوهرية في هذه السلسلة هي القرون الوسطى من العهود الإسلامية الزاهرة المشرقة ، التي لعبت دوراً أساسياً نموذجياً في تطوير العلوم الطبيعية وانتشارها ، وأرست أسساً ومبادئ راسخة ما زال العالم المادي الجديد يقوم عليها ويستند إليها .
فقد كان علماءُ الطبيعة المسلمين في تلك الحقبة هم الذين سدّوا الفراغَ العلميَّ في ميدان العلوم الطبيعية ، وكشفوا النقابَ عن هذا العلم الذي ظلّ وراء الستار بعد أفول الحضارة اليونانية لأكثر من ألف عام . ثم استأنفوا مسيرته ، وجدّدوه ، وبعثوا فيه القوّة والحياة من جديد .
ولم يجعلوا العلمَ حِرفةً للتكسّب ، ومجرّد وسيلةٍ للربح ؛ بل مارسوه بروحٍ مفعمةٍ بالشغف والحماس ، خدمةً لعامة الناس ، محتسبين الأجرَ عند الله تعالى . وقد شجّعهم القرآن الكريم على التفكّر والنظر في الكون في مواضع عديدة ، ومن ذلك قوله جلّ وعلا : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) .
وقد أقرّ بذلك الفيلسوف الغربي Joseph Hell إذ قال : ” إنَّ المسلمين ، بعد عنايتهم بالروحانيات ، أولَوا أكبرَ اهتمامٍ بالرياضيات وعلم الأفلاك ” .
ومع ذلك ، لا يمكن إنكار أن الغرب في المخترعات الحديثة قد سبق في كثير من المجالات ، وتقدم علينا في العقود الأخيرة ؛ غير أن من الحقائق المؤلمة أيضاً أن التاريخ لم يشهد صراعاً أشد وأقسى من الصراع بين الإيمان الضارب في أعماق تعاليم الأنبياء ، والمادية الرعناء المتجردة من الروح ومقتضياتها ، وما نتج عنه من اختلال في التوازن بين الوسيلة والمقصد . ولم يعش هذان العنصران – الإيمان والمادية – تخاصماً أشد من غابر الزمان ؛ حتى وصلت المحاولات إلى تفكيك أواصر العلاقة بينهما ، بل إلى محاولة إقصاء حقيقة الحياة الأهم والأسمى ، وهي الإيمان ، ونبذها وراء الأذهان ، بل وحصرها داخل جدران الكنيسة ، وإبعادها عن مجال الواقع والحياة .
وعلى كلٍّ ، وبغضّ النظر عن تلك الملاحظات والشكاوي ، فإن شبكة المواصلات الحديثة ، وهي الإنترنت ( Internet ) ، وما يتبعها من مواقع التواصل الاجتماعي ( Social Media ) والذكاء الاصطناعي ( Artificial Intelligence ) ، تحتلّ مكانةً أساسيةً بارزةً في المخترعات المعاصرة ، وإن أهمية تلك المخترعات مُسلَّمٌ بها ؛ غير أن الشطط في استخدامها تارةً ، والإساءة في استعمالها تارةً أخرى ، قد يُفكّك نسيج المجتمع وعلاقاته القائمة على الأساليب الرقيقة والمهذّبة في تبادل المشاعر وإدارة المعاملات والحوار الثنائي ، ومن ثمّ تصبح هذه المنصّات أحياناً مسرحاً للأقاويل الفارغة والأحاديث التافهة التي لا تجدي نفعاً ، بل قد تلحق بمستخدميها أضراراً روحيةً وأخلاقيةً جسيمةً .
وإنه يتواجد فيها عددٌ يُعتدّ به من أهل العلم والأدب وأصحاب الذوق السليم ؛ غير أنها ، من جهة أخرى ، قد ازدحمت بأتباع الباطل وأعوانه ازدحاماً شديداً . ومع وضع إيجابياتها وسلبياتها في إطارها الصحيح ، فإن الواقع هو أن هذه المنصّات شديدةُ القوة ، عميقةُ الأثر ، واسعة الانتشار ؛ إذ إن كلّ من هبّ ودبّ قد يخلّف آثاراً إيجابيةً أو سلبيةً من خلالها ، على حلو الزمان ومرّه ، ولا تكاد تخلو شعبةٌ من شعب الحياة – من الدين والعلم والسياسة والتجارة وغيرها – إلا وقد تؤثر فيها هذه المنصّات .
دعوة الدين ووسائل الإعلام الحديثة :
إن الله سبحانه وتعالى فتح للأمة الإسلامية مجالات واسعةً وآفاقاً بعيدةً من الأزمنة والأمكنة لأداء الواجب الديني من الدعوة إلى الله تعالى ، وجعل أساليب الدعوة مرنةً لتغير الزمان والمكان والظروف والطبائع المحيطة بهما . وقد أقرَّ سبحانه وتعالى هذه المهمة الجليلة في إطار حصارٍ واسعِ النطاق ، بعد إطلاق سراحها من قيودِ القوانينِ الجامدة ؛ لتبقى متصلةً مباشرةً بأسلوبِ التحدّث وخلوصِ النيّة والحكمة البالغة ، حيث تتجلّى غايتُه في قولِه تعالى : ( ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ) .
ويُستنبط من هذه الآية الكريمة أن الداعية مكلف بأسلوب الخطاب الناصح ، ونمط الحديث الصالح ، ومراعاة الحكمة – وهي وضع الشيئ في موضعه الصحيح – وأما ما سواه فإنه مخيَّر فيه أن يتكيف مع مقتضى الحال لأداء مسؤولية الدعوة إلى الله ، بحسب ما أوتي من تبحر العلم وسداد الرأي وحسن الجواب .
ومنذ أن ظلت وسائل الإعلام الحديثة ومنصاته الفرعية وسيلةً مؤثرةً عالميةً في نشر الرسائل وتبادل الآراء والمعلومات ، ولم تعد الوسيلة محصورةً في فئة دون أخرى ، بل يمكن استخدامها لكل واحد بلا تمييز ؛ أصبحت المسؤولية تقع على عاتق الدعاة والعلماء أولاً : أن يقدموا ترياقاً يبطل السم الزعاف الذي يُصبّ فيها بكميات كبيرة ، وأن يقدموا ماء الإيمان الزلال وشرابه الطهور لمن يعمهون في كفرهم وضلالهم واستهتارهم على شفا جرفٍ هار . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم … ( متفق عليه ) .
الذكاء الاصطناعي ؛ فرصة أم تحدٍّ ؟
أما الذكاء الاصطناعي فهو إبداع يمهد طرق البحث والتحقيق والدعوة والإرشاد والإفادة والاستفادة ، ويسهل الوصول إلى مراجع العلم والمعرفة . فالعمل الذي كان يستغرق ساعاتٍ وأياماً قبل زمن ، ولا يُنجز إلا بعد الطلب الحثيث والتحري المتواصل والبحث الطويل ليبلغ تمامه ؛ أصبح الآن يتم في مدة قصيرة ، وبتعبير أصح : في لمحة البصر وغمضة العين ، دون بذل المساعي . فتظهر النصوص المنشودة على الشاشات في نقرٍ أو نقرين ، ويتحول عمل الساعات إلى دقائق معدودة .
فمن جهة ، هذا ما توفر المنصة من يسر في البحث عن أمور الدين ؛ ولكن ، من جهة أخرى ، تتراكم فيه مخاطر كبيرة ، إذ يختلط فيه الصحيح بالزائف ، والسليم بالقبيح ؛ ولأن المثقفين المصطنعين الذين يجهلون روح الإسلام يتوغلون فيها ، قاذفين كل الرطب واليابس دون تردد وتمييز ، مما قد يؤدي إلى اعتماد بعض المستخدمين عليه بعلمٍ سطحي ومعرفةٍ قشرية ، قد تجرهم إلى الزيغ والضلال . ولكن الداعية ذو علم رصين راسخ ، إذا تقدم فيها على مهل وتحفظ ، وتوخى الحيطة والحذر ؛ انتفع به في تحقيق أهدافه العلمية والدعوية المطلوبة .
ومن الواجب في هذا السياق أن تبذل الجهود الجادة لتوجيه استخدامه توجيهاً صحيحاً ؛ وهو توفير المواد المستندة فيه التي تتمكن من غسل أدمغة الأجيال الجديدة واستعادة الثقة فيها بالإسلام وقيمه ؛ لأن الأمر بيّن كالشمس في رابعة النهار : أن العدد الهائل من الشباب يصرون على تلقي الدين وأحكامه مباشرة من هواتفهم ، وجعلوا – عن قصدٍ أم غير قصد – الذكاء الاصطناعي أستاذاً لهم .
ففي جانب ينبغي بذل مساعٍ جادة للحد من الانبهار المفرط بالتقنية الحديثة ، وإبراز منافعها ومضارها ؛ وفي جانب آخر ، لا بد من إدراك أن الذكاء الاصطناعي ليس أداةً سحريةً أو قوةً غامضةً ، بل هو مجرد وسيلة تنقل مزيجاً من المعلومات المتوفرة فيها إلى سائلها ، ويكون هذا المزيج تارةً خليطاً من القشّ والحطام ، وتارةً أخرى تراكماً من الأفكارِ المبعثرة ، وأحياناً يكون كنزاً من المعلومات الموثوقة . فمن الجدير بنا أن نستخدمه كما نستخدم مواقع التواصل الأخرى ، ونتخذ هذه الأداة مفيدة لخدمة الدين والدعوة إليه .
* الباحث في مركز الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي براي بريلي الهند .

