درس من الحوادث

من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

درس من الحوادث

العلامة الإمام الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبين محمد وآله وأصحابه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد :

فإن موضع الساعة هو الموضوع الملتهب كما يقال بالإنجليزية            ( Burning Topic ) ، وكالسيف المصلت على الرؤوس ، إن هذه الحياة التي يعيشها كثير من الناس في بلادنا الإسلامية والعربية ، حياة ما أنزل الله بها من سلطان ، وما تكفل الله لها بتأييد ونصر ، هذه الحياة لا تصلح للبقاء طبيعياً وعقلياً ، ودينياً وخلقياً ، هذه الحياة اللاهية الساهية ، هذه الحياة الباذخة المترفة ، هذه الحياة التي مثلها الأعلى المادة والمعدة ، هذه الحياة التي تدور حول فرد واحد ، أو حول أسرة واحدة ، أو حول طبقة واحدة ، هذه الحياة لا تصلح للبقاء إذا تركت وشأنها ، ولم تنزل صاعقة من السماء ، ففي هذه الحياة من عناصر التدمير ، ومن عناصر الشقاء ما يكفي للقضاء عليها ، لا تحتاج في ذلك إلى عامل خارجي ، الشرارة إذا كانت كامنةً في حطب ، فلا تحتاج إلى إشعال نار ، لا تحتاج إلى مروحة تحرِّك ، أو يد قوية تشعل ، الشرارة وحدها تكفي ، إن طبيعة الشرارة أن تلتهب وتحرق .

هذه الحياة لا تستحق التأييد والنصر من الله تبارك وتعالى ، لأن الله سبحانه وتعالى هو العدل البر الرحيم ، وهو العزيز الحكيم ، وهو رب العالمين ، ليس رب أمة ، وليس رب شعب ، وليس رب بلد ، وليس رب مجتمع ، إنها ليست حاجات يجوز أن تكمل ويجب أن تحترم ، إنما هي نهامة بالمال ، إنها معدة خيالية لا وجود لها إلا في التصورات ، لا وجود لها إلا في الأرقام ، وفي حسابات البنوك ، إذا تولدت هذه المعدة الخيالية في مجتمع ، وكانت هي الحاكمة ، كانت هي الآمرة والناهية ، اكتسحت المجتمع موجة عارمة من التنافس المادي والجشع المالي ، والفوضى الخلقية ، والقسوة والوحشية ، هنالك يأذن الله بزوال هذا المجتمع وينطبق عليه قوله تعالى : ( وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) . إن أخوف ما أخاف على هذه المناطق التي أكرمها الله بالثروات والخيرات وأدر عليها الرزق الوفير والخير الكثير ، هو ” البطر ” ، إنني إذا قرأت قوله تعالى : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ ) أخذتني رعدة ، وملكني الإشفاق والحذر على هذه المجتمعات السعيدة التي تعيش في عصر ” ألف ليلة وليلة ” وفي عصر الأساطير والأخيلة ، إن أخوف ما أخاف عليها ليس هو العدو الخارجي ، لكن هو العدو الكامن في النفوس ، الجاثم على المجتمع ، هو الذي أنذر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في خطبته على جبل الصفا حيث قال :         ” إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ” .

إن أحد نوابغ هذا العصر وكان إسرائيلي السلالة ، يهودي الديانة ، غربي النشأة ، وهو محمد أسد النمساوي الذي كان يسمى سابقاً بليوبولد ويس Leopold Veiss يحكي قصة إسلامه فيقول : إني كنت مسافراً في سنة 1926م في قطار برلين تحت الأرض ، وكانت معي زوجتي ، وهي رسامة وفنانة ، كانت  ذكيةً جداً ، وقد لاحظت أن كل زملائي في هذه الدرجة مكتئبون تعلو وجوههم كآبةً ، ويغشاها قتام ، وكان ما يحملونه من متاع ويلبسونه من ملابس ، ويتحلون به من خواتم ، يدل على أنهم من الطبقة المثرية في البلد ، وكان الزمن زمن الرخاء الذي عقب سنوات ” التضخم ” في أوربا ، فأنا تحيرت ، وفكرت ، وقلت : لماذا هذه الكآبة ، وما سبب هذا الحزن العميق الذي هم غارقون فيه ؟ ولفت نظر زوجتي ، وقلت : يا عزيزتي ! انظري في وجوه هؤلاء القوم ، ألا تشعرين بأنهم تعلوهم الكآبة ؟ قالت : نعم ، إنهم جميعاً يبدون وكأنهم يعانون آلام الجحيم ، أردت أن أفسر هذه الظاهرة ، فلم أنجح ، ورجعت إلى مكتبي ، فإذا بالمصحف على منضدتي ، فأخذته من غير قصد وفتحت من غير اختيار ، فإذا بسورة التكاثر تطالعني ، ويقول الله تبارك وتعالى :      ( أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ . حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ . كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ . كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ . ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ) .

وكنت متردداً هل أدخل في الإسلام ، أو لا أزال أشرحه ، وأعرضه في الأسلوب العلمي العصري كما كان شأني ، ولم أكن قررت بعد أن أعتنق الإسلام ، ولما قرأت هذه السورة ، قلت : والله إن هذا الكلام لا يأتي بها إلا من ينزل عليه الوحي ، هذا الكلام لا يقوله بشر قبل ثلاثة عشر قرناً ، إنه يصور المجتمع الغربي المعاصر الراقي بقسماته ومخايله ، ويتنبأ بالعذاب النفسي الذي يتميز به هذا القرن العشرون رغم رقيه الصناعي والحضاري ، ويعين مصدر هذا العذاب والشقاء الذي كان يعانيه ركاب القطار الذين رافقتهم ، ويعانيه المجتمع الأوربي بشكل عام وهو ” داء التكاثر ” لا غير ، فمن ساعتي خرجت إلى صديق لي مسلم هندي ، وقلت : يا أخي ! ماذا يفعل من يريد أن يدخل في الإسلام ؟ قال : يقول ” أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ” فنطقت بالشهادتين وأصبحت مسلماً [ اقرأ القصة بطولها ونصها في ” الطريق إلى مكة ” لمحمد أسد ، ص 327 – 329 ، ولقد لخصتها في المحاضرة اعتماداً على ذاكرتي ] .

إخواني ! أنا أوصي أولاً نفسي وإياكم بعد ذلك ، أن نعتبر بالحوادث التي تقع حولنا ، وأن نغير نفوسنا قبل أن تغيرنا العوامل القاهرة ، المفروضة علينا في الداخل ، أو الواردة إلينا من الخارج التي تجوس خلال الديار ولا ترحم أحداً ، ولنجعل المثل الكامل هو الحياة الإسلامية العادلة المؤسسة على إيثار الآخرة على الدنيا ، المؤسسة على الحقائق الغيبية الدينية ، والمثل الخلقية ، والمبادئ الفاضلة ، ونحترز من الذنوب والكباير ، وقد كتب سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى قائد جيشه فقال : ” آمره ألا يكون من شيئ من عدوه أشد احتراساً منه لنفسه ومن معه ، من معاصي الله ، فإن الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوهم ، إنما نعادي عدونا وننصر عليهم بمعصيتهم ، ولولا ذلك لم يكن لنا قوة بهم ، لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فلو استوينا نحن وهم في المعصية كانوا أفضل منا في القوة والعدد ، فإلا ننتصر عليهم بحقنا لا نغلبهم بقوتنا ، ولا تكونوا لعداوة أحد من الناس أحذر منكم لذنوبكم ” [ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ] .