من هم أهل السنة والجماعة

درس من الحوادث
مايو 24, 2026
الجهاد في الإسلام : حكمته ووسائله ¨
مايو 24, 2026
درس من الحوادث
مايو 24, 2026
الجهاد في الإسلام : حكمته ووسائله ¨
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

من هم أهل السنة والجماعة

بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *

تعريب : محمد فرمان الندوي

( الحلقة الرابعة )

الصحابة الكرام الذين لم يشاركوا هذه الحروب ، كانوا يبدون انطباعاتهم الأليمة على قتل المسلمين ، ويذكرون أحاديث الفتن ومواعظ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المناسبة بكل أسف وحسرة ، فإذا قرأها دارس انهمرت دموعه بمجرد قراءتها ، وكان فاتح فارس سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قد انقطع إلى بيته ، وكان يقول : لو سل علي أحد السيف ما حملت عليه ، ولما سئل سهل بن حنيف عن عدم مشاركته في الحروب فقال : حينما سللت السيف من الغمد فانحلت المشكلة دفعةً واحدةً ، ولكن لا أقضي في الأوضاع الحاضرة ما هو الموقف الذي أختاره ، وقد دعا سيدنا علي رضي الله عنه شيخاً للمشاركة في الحرب ، فقال ، قال لي خليلي وابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حدث مثل هذا الأمر فاصنع سيفاً خشبياً ، فيمكن أن أمشي معك بالسيف الخشبي ، وقد أخبر أبو موسى الأشعري وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنهما بأنه هو الزمن الذي يكون فيه القاعد خيراً من القائم ، والقائم خيراً من الماشي [1] .

وكان هناك عدد من الصحابة رضي الله عنهم ، لجأوا إلى القرى والمغارات ، وكان بعضهم في كلا الفريقين حسب آرائهم ووجهات نظرهم ، لكنهم لم يحملوا السلاح ، وإذا طالعتم أبواب الفتن في كتب الحديث وجدتم كثيراً من أمثال هذه القصص في كل صفحة ، يقول الشاعر الفارسي :

در راه عشق پير وپيشينياں نه ايم        ايں شيوه را بطرز دگر مي كنيم ما

معنى هذا البيت:

ليس في سبيل الحب شرط للعمر ولا لمراحل الحياة ، سنختار في هذا السبيل منهجاً آخر ، ونظاماً آخر .

إن مصطلح ” أهل السنة والجماعة ” الذي استعمل في السطور المذكور أعلاه ، كان ضد الفرق السياسية ، لكن نظراً إلى الأوضاع المنقلبة يحمل هذا المصطلح معنى آخر ، نسميه فترةً ثانيةً لهذا المصطلح ، وقبل أن نشرح هذة الفترة الثانية نذكر هنا تمهيداً موجزاً :

كما أن للأفراد مزايا فطريةً وأخلاقاً طبيعيةً ، كذلك للأقوام خصائص فطريةً ومثلاً طبيعيةً ، وكان العرب مفطورين على العمل ، كما كان أهل فارس قد جبلوا على الفكرة والخيال ، فالذين لهم دراية في تاريخ علم الكلام يعرفون أن العرب كانوا على فطرتهم السليمة ما لم يكن هناك اختلاط بالفرس ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كل تشبه وتقليد للأمم الأخرى [2] ، ولم يكن وراء ذلك إلا أن تكون أخلاق المسلمين نموذجاً صالحاً للإسلام والعرب ، وقد أرسل سيدنا عمر رضي الله عنه الجيوش الإسلامية إلى فارس ، فأوصاها بألا تتعلم من الفرس التنعم والترف ، ونهاها عن التشبه بالأمم الأخرى ، لئلا تتأثر روح الإسلام بهذا التشابه والاختلاط [3] .

وقد مست الحاجة إلى إنشاء مستمعرات عسكرية على حدود العرب والعجم بعد فتح فارس ، فعمرت مدينتا البصرة والكوفة ، وبعد سنوات أصبحت هاتان المدينتان مظهرين للخصائص والأخلاق الملموسة للعرب والعجم ، وكانت تسكن في هذه المناطق فرق المجوس التي ظلت قبل الإسلام ، ولم تكن ديانتهم توافق الدين الرسمي للبلاد ، وتعتبر فرقاً باطلةً للمجوسية ، وبما أن هذه الحكومة كانت على نهاية حدود فارس ، فلم يكن لدى المجرمين المتدينين ملجأ أحسن منها ، وقد اعتبر العرب هذه الأمكنة ثكنات عسكرية نظراً إلى استراتيجية حربية .

ولم يكن في صحراء العرب لنشوء الطبائع الجميلة مكان أحسن من مراتع العراق وربوع دجلة والفرات ، فكانت هاتان المدينتان مرتعاً خصباً ، ومجالاً فسيحاً لازدهار العلم والمدنية ، وانتشار الدين والشريعة ، ونظراً إلى ما يوجد من اختلاف الطبائع الفطرية في العرب والعجم كانت هذه المنطقة أحسن وأروع ، فأصبحت هذه الأراضي العسكرية للحروب والنشاطات الأخرى مصدر الأوهام والظنون .

يقول الناس : المرض يزداد شدةً وخطورةً في الليل ، لكن الواقع أن المرض لا يزداد ، بل تزداد شدة الشعور بالمرض ، ويتخفف في النهار الشعور بالمرض من شغل الحواس ، وضوضاء الأعمال ، لكن هدوء الليل وسكونه يجس كل عرق من عروق البدن ، فيصاب بالمرض وشدة الألم .

عندما صالح سيدنا حسن وسيدنا الأمير معاوية رضي الله عنهما ، ثم توافرت لكل فريق فرصة للخوض في أحواله وظروفه بطمأنينة ، فجعل كل فريق يشعر بألم بدنه الذي لم يلتفت إليه من قبل ، فقد هدأت الآن الأوضاع ، واطمأنت النفوس ، وانتهى ضجيج الحرب ، وبدأت الحواس تعمل في نهاية النهار ، وتقترب ساعات الليل ، فابتدأت مرحلة الخيال والظن بعد مرحلة العمل ، ونشأ قبل كل شيئ هذا السؤال ، وخاصةً في الكوفة : فإذا كنا على الحق فماذا نظن عن الفريق الآخر ، وإذا كان الأمر بالعكس ، فما هو رأي القرآن الكريم عنا ؟ والقرآن يقول : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) [ النساء : 93 ] ، فجعلت الفرقة العثمانية وحلفاء الأمير معاوية رضي الله عنه تعتبر نفسها على الحق ، وتعتبر الفرق الأخرى قائمةً على الباطل ، ومستحقةً للنار ، كما كانت العلوية تصدر هذه الفتوى نحو الفرقة الأخرى ، وقالت الخوارج : كلتا الفرقتين قد حملتا السيوف عمداً ضد الآخر ، فكلتاهما في النار ، وقال أهل السنة والجماعة : هذا القتل ما كان قتل عمد ، بل كان شبه القتل ، وكانت كل فرقة تعتبر نفسها على الحق ، وتعتبر الأخرى على الباطل ، فكانت تعتقد سفك دم أخيه جائزاً ومباحاً في ضوء الدليل ، فكان قضاؤه إلى الله الذي يعلم الجهر وما يخفى ، ويطلع على بواطن الأمور وسرائرها ، ( هذا القضاء بالنسبة إلى الاشتباكات والحروب الداخلية ، وإلا رجحت كفة سيدنا علي رضي الله عنه في الفضائل والمناقب ، وذلك ما لا يخفى على أحد ، ومقابل ذلك ذكر سيدنا معاوية رضي الله عنه يساوي الثرى من الثريا ، إن رأى جمهور أهل السنة ثابت الآن في فضيلة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه ، لكن قدماء أهل السنة اختلفوا في هذا الرأي ، وذكر ابن النديم في الفهرست كثيراً من المحدثين يفضلون علياً على عثمان رضي الله        عنهما ) .

ورد في صحيحي البخاري ومسلم أن رجالاً وفدوا من الكوفة إلى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وسألوه عن هذه الآية : ومن يقتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم ……. هل هذه الآية منسوخة ؟ قال         عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : هي آخر ما نزلت ، ولم تنسخها آية ، وفي صحيح مسلم أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : القرآن يقول : أن نستغفر للمسلمين في الزمن الأول ، لكن الناس يسبونهم ، ولعل السيدة عائشة رضي الله عنها تشير إلى هذه الآية : ( رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )       [ الحشر : 10 ] ، وردت هذه الأحاديث في كتاب التفسير من صحيحي البخاري ومسلم ، ذكر هذه المسألة السلف الصالح ، والمحدثون من أهل السنة كقضية أصولية ، ووردت كذلك في جميع كتب العقائد .

وبما أن هذا القتل عند الخوارج قتل العمد الذي يعد من الكبائر ، ويستحق الإنسان به الخلود في النار ، والخلود في النار من صفات الكفار ، فيكون مرتكب الكبيرة كافراً ، فكانت هذه القاعدة من أساسيات الخوارج ، وفي مقابل ذلك نشأت فرقة أخرى ، اشتهرت بالمرجئة ، فقد ادعت مستندة إلى بعض الأحاديث أنه لا تضر مع الإيمان معصية ، فلا يستحق مؤمن عذاباً بذنب ، فضلاً عن أن يكون كافراً ، والفرقة الثالثة هي المعتزلة ، وهي تعتقد منزلة بين منزلتين ، فإنها اعتقدت بعد ما سمعت دلائل الفرقتين السابقتين أن مرتكب الكبائر ليس بمؤمن ولا بكافر ، بل هو بين منزلتين .

ويتقدم الآن أهل السنة والجماعة ، فلا يأخذون حديثاً أو حديثين مثل الفرق الأخرى ، بل كان أمامهم آيات القرآن الكريم كلها ، وجميع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وآثار الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فقالوا : إن مرتكب الكبيرة لا يكون كافراً ، بل يستحق عذاباً من الله تعالى ، ويمكن أن يغفر الله تعالى بقدرته ورحمته ذنوب الخطائين ، وينقذهم من النار ، وورد في صحيح مسلم أن بعض الناس تأثروا بدلائل الخوارج ، لكن حينما مروا بالمدينة المنورة ، وزاروا جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وسألوه : هل يغفر المذنبون أيضاً ، فذكر سيدنا جابر رضي الله عنه أمامهم جميع أخبار القيامة ، وشفاعة المذنبين ، ومغفرتهم ، فتاب كلهم إلا واحداً .

( للحديث صلة )

* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .

[1] وقد أخرج الترمذي (2194) وأبو يعلى (750) والإمام أحمد بتخريج أحمد شاكر (98/3) أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنها ستكون فتنة : القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي ، فبسط يده إلي ليقتلني ؟ قال : كن كابن آدم .

[2] روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تشبه بقوم فهو منهم .

[3] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : اتزروا ، وارتدوا ، وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات وألقوا الركب ، وانزوا ، وعليكم بالمعدية ، وارموا الأغراض ، وذروا التنعم وزي العجم ، وإياكم والحرير ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه ، ( مسند الإمام أحمد : 301 ) .