مناوشات دموية في السودان : من هو المجرم وراء هذه الكواليس ؟

إعلان إسطنبول : حلف الفضول الإنساني الجديد
مايو 24, 2026
نوع جديد من الشعوبية
مايو 24, 2026
إعلان إسطنبول : حلف الفضول الإنساني الجديد
مايو 24, 2026
نوع جديد من الشعوبية
مايو 24, 2026

صور وأوضاع :

مناوشات دموية في السودان :

من هو المجرم وراء هذه الكواليس ؟

محمد فرمان الندوي

تشهد السودان منذ 2023م حرباً أهليةً دمويةً ، وهذه الحرب تشتعل بين القوات المسلحة السودانية ، وقوات الدعم السريع ، فليست الحرب فيها مثل غزة وإسرائيل ، ولا بين الكفر والإيمان ، ولا بين الحق والباطل ، بل تجري بين فئتين عربيتين ، ويذهب ضحية هذه الحرب آلاف مؤلفة من السكان والمواطنين الأصلاء ، كما شُرد عدد كبير منهم من أوطانهم ، والتجاؤا إلى مخيمات وملاجئ ومدخلات ، حيث يصعب عليهم الحياة الإنسانية ، ويتفرج العالم الإنساني على هذه المشاهد المروعة ، فلا تحرِّك سواكنه ، ولا تقض مضاجعه ، ويعتبر الإعلام العالمي هذه الحرب حرب الآلات الحربية ، والأدوات القتالية ، ولا شك أن هذه الحرب أزمة إنسانية خطيرة .

السودان بين الأمس واليوم :

إن للسودان تاريخاً قديماً نحو خمسة آلاف سنة ، وظلت تحمل أقدم الحضارات في العالم ، لكن الفراعنة قد استولوا عليها قبل 2500/ عام ، فأصبحت السودان تابعةً لمصر ، وكان هناك انتشار واسع ، وذيوع كبير للنصرانية ، لكن حينما أشرقت شمس الإسلام على أرضها ، أزهرت السودان وتلألأت بنور الإسلام ، وظل الملوك والفاتحون عبر التاريخ يحكمون عليها ، وأخيراً كانت السودان مع مصر جزءاً لا يتجزأ من الخلافة العثمانية ، ثم أغارت بريطانيا عليها ، فسلبتها منها بالإضافة إلى مصر ، وقد قدَّر الله تعالى للسودان الاستقلال من بريطانيا عام 1956م ، ثم توالت ثورات وانقلابات حكومية في السودان ، وأخيراً سيطر عليها الجنرال عمر حسن البشير ، وظل حاكماً على السودان نحو ثلاثين سنةً ، وانفصل منها جنوب السودان خلال هذه الفترة عام 2011م ، وأصبح دولةً مستقلةً ، كما اضطر عمر حسن البشير إلى التنازل عن الحكومة عام 2019م ، وبعد عمر البشير أصبح الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيساً انتقالياً للدولة ، فالرئيس الانتقالي عبد الفتاح البرهان من مواليد 11/ يوليو 1960م في شمال السودان ، وتعلم في مدراس بلاده ، ثم نال من الكلية الحربية السودانية شهادات علميةً ، ودُعي للدورات التدريبية في مصر والأردن ، وشغل مناصب عاليةً في السودان ، حتى اختير رئيساً انتقالياً للسودان بعد أحمد عوض بن عوف ، فهو الآن القائد العام للقوات العسكرية السودانية أيضاً ، أما محمد حمدان الملقب بحميدتي ، فهو من مواليد 1975م ، وهو قائد قوات الدعم السريع التي تتمثل في مليشيات الجنجويد ، وتولى هذا المنصب منذ عام 2010م ، وقد شكل قوات الدعم السريع الرئيس المخلوع عمر البشير ، للقضاء على المناوشات الأهلية القائمة من أمد بعيد في دار فور ، لكن هذه المليشيات قد اتهمت بالضلوع في قتل ثلاث مائة سوداني في دار فور ، وشُرد مليونان ونصف مليون من دار فور ، فإن هذه الحرب وإن انتهت ، لكن هذه المليشيات ظلت باقيةً في السودان ، وبعد إطاحة عمر البشير من الحكومة اختلف حميدتي مع   عبد الفتاح البرهان في ضم قوات الدعم السريع إلى القوات المسلحة السودانية ، وأعلن حرباً شعواء مع القوات المسلحة ، وقد وصف حميدتي عبد الفتاح البرهان حليفاً للإسلاميين المتطرفين على حد قوله ، رغم أن البرهان يدير الأمور على أحسن ما يرام ، ويتوخى الأمن والسلامة للبلاد ، حتى يعيش مواطنوها بهدؤء وطمأنينة ، لكن حميدتي لا يزال يخل بأمن البلاد ، وقد سيطرت قواته على جزء مهم من البلاد ، ولا تزال تُهلك الحرث والنسل ، وتُسفك دماء الأبرياء بدون جريمة ، وقد نالت قوات الدعم السريع تحالفاً من بعض الدول العربية ، بحيث إنها تمولها بالأسلحة الفتاكة ، والآلات الحربية بدل تمكينها من الانتفاع بمعادن الذهب الأصيل ، إن حميدتي لا يزال يثني على مواقف إسرائيل ، ويعتبرها حاجة المنطقة ، وصدق صلى الله عليه وسلم : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ( رواه البخاري عن أبي مسعود رضي الله عنه ) .

قضية الفاشر وما لها من انتهاكات :

الفاشر مدينة في السودان ، معناها مجلس السلطان ، وهي عاصمة لولاية شمال دار فور ، ويقدر عدد سكانها حوالي مليون نسمة ، وهي نقطة انطلاق للقوافل التجارية ، وكانت منذ قديم الزمان ذات أهمية كبيرة ، وقد وقعت هناك مجزرة من الانتهاكات البشعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ، بعد ما سيطرت على هذه المدينة ، في شهر أكتوبر المنصرم لعام 2025م ، وقد أسفرت المجزرة عن قتل ألفي مواطن جماعياً ، وقد حاصرت قوات الدعم هذه المدينة منذ عام 2024م ، فطالت المحاصرة ، مما أدى إلى انسحاب الجيش السوداني ، وسيطرة الدعم السريع على هذه المدينة ، وقد أفاد شهود عيان وطواقم طبية أن طائرات بدون طيار ، ومدفعيات ، وبنادق استخدمت في قتل المدنيين الأبرياء ، كما أعدم بعض المدنيين بالغازات النارية دفعةً واحدةً ، وقد رأى العالم الإنساني هذا المشهد الفظيع ، فكاد ينخلع منه قلبه وضميره ، لكن هؤلاء الوحوش من قوات الدعم السريع لم يوجد لديهم أدنى حياء ، وبلغوا في الوقاحة والدعارة والخروج عن الحشمة إلى آخر حد ، وقد أخبرت مصادر إعلامية أن جثث هؤلاء المدنيين قد جُمعت في مقابر جماعية ، ودُفنت ، وأُحرقت أخرى ، ويُعتبر فتح الفاشر لقوات الدعم فتحاً كبيراً .

المسلمون وقضية السودان :

لا شك أن عملاء الغرب في السودان هم الذين يُحدثون القلاقل والبلابل في السودان ، وهم يتمنون أن تبقى هذه الأوضاع الحرجة من الصراعات والخصومات بين سكان السودان ، فإنهم يريدون استغلال ممتلكاتها ، ومواردها حسب أهوائهم وغرائزهم ، ولولم تكن التدخلات وإثارة الثورات ودعم طائفة منها لبلغ الأمر إلى أحسن حال ، وساد الأمن والأمان في السودان ، الواقع أن المسلمين ظلوا متحدين ، متراصين ، متناصرين طوال تاريخهم المجيد ، وماضيهم التليد ، وكانت لهم دار الإسلام في العهد النبوي ، وكانت لهم الخلافة الراشدة ، التي تتمثل في الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، وكانت الخلافة الأموية والخلافة العباسية ، والخلافة العثمانية ، وكانت هذه الخلافات تمثل وحدة الأمة ، وقد راسل ملك غسان كعب ابن مالك رضي الله عنه أثناء ابتلائه ، فلم تزعزع هذه الرسالة إيمانه وثباته على الحق ، وقد تيمم بها التنور ، فسجره بها ، وكذلك حينما راسل هرقل سيدنا معاوية رضي الله عنه زمن مشاجرته مع علي رضي الله عنه قال بكل جراءة ! يا كلب الروم ! أنا وعلي أخوان ، فاكفف عنا خبثك وشرك ، وإلا أتيتك بجيش جرار ، علي قائده ( البداية والنهاية لابن كثير ) .

ومما يبكينا دماءً ودموعاً ما يجري على أرض السودان ، أن المسلمين يشكلون في السودان أغلبية ساحقة حوالي سبعة وتسعين في المائة ، وقد دخل الإسلام في السودان زمن سيدنا عثمان في عفان رضي الله عنه ، لكن استعرت حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من سنتين ، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، وقد استغل الأعداء بعض هذه القوات فصارت عميلةً لهم ، وهي تُوسِّع الفجوة بين المسلمين ، وتحدث الشقاق والخلاف الحاد في السودان ، فالحاجة إلى أن يتحد المسلمون صفاً واحداً ، ويتضامنوا كالبنيان المرصوص ، وينصروا قبل كل شيئ إخوانهم المظلومين المضطهدين ، ويدركوا سياسة الغرب : فرِّق تسد ، ولا يكونوا عملاء وسماسرة لأعداء الإسلام ، لأن نصر الله لن يأتي إلا بنصر إخوانهم ، قال صلى الله عليه وسلم : والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ( أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ) .