إعلان إسطنبول : حلف الفضول الإنساني الجديد

إعلاميون لا يُنسون أبد الدهر
يناير 4, 2026
مناوشات دموية في السودان : من هو المجرم وراء هذه الكواليس ؟
مايو 24, 2026
إعلاميون لا يُنسون أبد الدهر
يناير 4, 2026
مناوشات دموية في السودان : من هو المجرم وراء هذه الكواليس ؟
مايو 24, 2026

صور وأوضاع :

إعلان إسطنبول : حلف الفضول الإنساني الجديد

محمد فرمان الندوي

نظم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على أرض تركيا بتعاون من وقف علماء الإسلام بتركيا مؤتمراً عالمياً ، اجتمع فيه مائة وخمسون عالماً من خمسين دولة ، في الفترة ما بين ٢٢/ أغسطس ٢0٢٥م –               ٢٩/ أغسطس ٢٠٢٥م ، وكان من أهداف المؤتمر : (1) تحشيد الأمة الإسلامية والإنسانية لإيقاف العدوان . وفتح الممرات ، وإيصال جميع ما يحتاج إليه أهل غزة العزة (2) تحقيق التحالف الإسلامي لمنع الإبادة الجماعية والنازية والعنصرية تحت أي غطاء (3) تحقيق حلف الفضول الإنساني لمنع الانتهاكات الخطيرة للمبادئ الأخلاقية والإنسانية ، وملاحقة المجرمين ومعاقبتهم العقوبات العادلة (4) إعلان إسطنبول لحلف مؤسسي للمؤسسات الحقوقية والبرلمانية والإنسانية على الصعيد العالمي لمنع العدوان في غزة وعدم تكرارها (5) تشكيل وفد لزيارة رؤساء الدول للتعاضد لأجل تحقيق أهداف المؤتمر (6) تشكيل مؤسسة أو لجنة قوية دائمة للمتابعة وتنفيذ قرارات المؤتمر .

وصل الضيوف المكرمون من شتى بقاع العالم الإسلامي إلى تركيا في ٢١/ من شهر أغسطس يوم الخميس ، وكانت نقطة التجمع في منطقة الفاتح . وتم توصيلهم إلى مكان إقامتهم بجزيرة الديموقراطية والحرية الواقعة في بحر مرمرة ، بإسطنبول ، وكان اليوم التالي يوم الجمعة ، فانطلقوا فيه إلى جامع الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضى الله عنه لأداء صلاة الجمعة ، وكانت بعد صلاة الجمعة كلمة من فضيلة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المؤتمر الشيخ أ . د . علي محيي الدين القرة داغي حفظه الله ورعاه ، لبيان الغرض من هذا المؤتمر والتظاهرة العلمائية ، وتلتها كلمات أخرى وبيانات صحفية لنصرة غزة ، وكيفية هذه النصرة ، ثم منذ يوم السبت كانت ورشات عمل حوالي 18/ ، وقد جرت مؤتمرات إعلامية عديدة ، قدم فيها بياناتها المسئولون عن الاتحاد ، ثم صدر الإعلان الصحفي الختامي في اليوم الأخير من المؤتمر ، وأعلن عن ساحة جامع أيا صوفيا ، وسمي بإعلان إسطنبول ، ونشر على شتى المستويات والأصعدة . وقد نشرناه بتمامه على صفحات مجلة البعث الإسلامي ، وهو وثيقة تاريخية لا بد أن يقرؤه كل من في قلبه غيرة وحمية ، ويسعى لتنفيذه إلى آخر ما يمكنه .

إعلان إسطنبول وثيقة تاريخية :

إن إعلان إسطنبول ليس كعامة الإعلانات والبيانات التي تصدر في ختام المؤتمرات والندوات الوطنية والعالمية ، بل إنه إعلان حاسم بالغ في الأهمية ، إعلان تتجذر أصوله في الكتاب والسنة ، وتتعالى فروعه في جميع الدول والبلدان ، يبدأ الإعلان بهذا التصريح أن المحن والكوارث التي تشهدها اليوم هو بسبب بُعدنا عن الله تعالى وعن المنهاج الصحيح ، إذا راجعنا أوضاعنا وظروفنا في ضوء هذه النقطة المهمة عرفنا أن حياة الغفلة والانتكاس . وعيشة الدون والصغار التي طرأت على الأمة الإسلامية بكاملها يرجع سببها إلى قطع الصلة من الله تعالى ، والاعتماد على الوسائل والأسباب المادية ، فقد وجه الاتحاد العالمي نداءً صارخاً إلى العالم الإسلامي أن يوطد صلته بالله ، ويقويها تقويةً مثاليةً ، ثم أشار الإعلان إلى كيفية رفع البلاء ، وهو الإعداد الشامل للأمة بالعلم والقوة العسكرية ، وتقوى الله والجهاد في سبيل الله ، واستشهد في ذلك بثلاث آيات من القرآن الكريم : ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوة ) [ الأنفال : ٦٠ ] ،       ( يَا أَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل أَدُلُّكُم عَلَى تِجَارَة ) [ الصف : ١٠ ] ، ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا ) [ الحج : ٣٩ ] . فإن هذا الإعلان قد كشف عن المرض أو علاجه في ضوء الواقع والتاريخ .

وقد أكد الإعلان أن قضية غزة لم تعد شأناً محلياً ، بل مسئوليةً شرعيةً وإنسانيةً على مستوى الأمة ، والعالم ، داعياً إلى تعبئة شاملة لوقف العدوان وفتح الممرات الإنسانية ، وشدد على ضرورة تشكيل تحالف إسلامي عالمي إنساني لمواجهة جرائم الإبادة ومنع التوسع الصهيوني من خلال إحياء روح : حلف الفضول الإنساني ، لوقف العدوان وملاحقة المجرمين ، ورفع المؤتمر رسائل عبر جامع آيا صوفيا : الأولى إلى غزة ” كلنا معك ” ، والثانية إلى المقاومة الحرة ” تحية اعتزاز بجهادكم ورباطكم ونضالكم المشروع ، فنصركم نصر للحق والعدالة والحرية الإنسانية ، ورسالة أخرى إلى المشروع الصهيوني في تحقيق إسرائيل كبرى على حساب ثمان دول عربية وإسلامية : أن العالم بعد هذا الإعلان هو غير العالم قبله ، وأن هذا الإعلان هو بداية النهاية للمشروع الصهيوني الاحتلالي بإذن الله تعالى .

ولم يكتف الاتحاد العالمي بالموافقة على القرارات والتوصيات فقط ، بل شكلت لجاناً ومنظمات لمتابعة هذه القرارات ، وإرسال وفود العلماء إلى قادة الدول ، والمؤسسات الدولية ، للضغط على إيقاف المجازر الوحشية ، وعمارة هذه الأراضي المباركة من جديد ، وجاء في هذا البيان تصريح بأن البيع والشراء للمنتجات والحاجيات الإنسانية لا يجوز مع الصهاينة المحتلين ، ويحرم أيضاً السماح لسفنهم بالعبور عبر الممرات المائية للدول الإسلامية ، وهذا الحكم عام للأفراد والشركات والحكومات ، وقد عملت تركيا بهذا القرار بحيث قاطعت التجارات الواسعة ، والصفقات التجارية حتى تتوقف الحرب في إسرائيل . كأن أول تفاعل وتأثير لهذا الإعلام ظهر في هذا الشأن من تركيا ، ولعل الدول الأخرى أيضاً تتسابق إلى هذه المرحلة الابتدائية .

غزة تحترق . والأمة على المحك :

شارك في هذا المؤتمر نخبة ممتازة من علماء العالم الإسلامي ، الذين يُشار إليهم في بلدانهم ، ويوجد لهم وزن وقيمة في مصاف العالم ، وفي مقدمتهم قائد الاتحاد ورئيسه الدكتور علي محيي الدين القرة داغي والنائبون في رئاسة الاتحاد وغيرهم من العلماء ، فإنهم رموز الأمة ، وأيقوناتها وأعلامها ، وقد أصدروا كلماتهم وبياناتهم من منبر هذا المؤتمر ، وسمعت هذه البيانات بكل شوق ولهفة ، وقد شارك المؤتمر فضيلة الشيخ خليل الرحمن سجاد النعماني الندوي رئيس تحرير مجلة الفرقان لكناؤ ، والأستاذ مجيب الرحمن عتيق الندوي من الهند ، وكان اسم كاتب هذا العمود مرشحاً للمؤتمر نيابةً عن رئيس ندوة العلماء الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي ، لكن لم يمكنه السفر إلى تركيا لأسباب قاصرة .

وقد ألقى خطبة الجمعة في اليوم الأخير إمام وخطيب جامع آيا صوفيا ، ووجه إلى العالم أربع رسائل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد : الأولى للاحتلال : أيها المجرمون القتلة ! أيها المحتلون الغصبة ! ابحثوا : أين فرعون ونمرود ، وأين عاد وثمود ؟ لم يبق لهم عين ولا أثر ، والثانية لعامة المسلمين الجيران لغزة وغيرهم : إلى متى النكوص والانتكاس ؟ ألم يأت الوقت لمشاطرة أحزان إخوانكم في غزة ؟ الثالثة للإنسانية : لماذا تتفرجون على ما يحدث في غزه من إبادة جماعية ؟ ولا تحرك هذه الحوادث سواكن قلوبهم . والرابعة لأهل غزة : صبراً يا أهل غزة ، فإن مصيركم الجنة ، لا تعلقوا آمالكم بالحكومات ، بل علقوا آمالكم بالله تعالى ، ولا شك أن غزة تحترق ، والأقصى يُستباح ، والأمة على المحك . وقد أكد المؤتمر أن القدس لا تحرر إلا بالدموع قبل الدماء ، وبالتوبة قبل السيوف ، وأن طريق التحرير محفوف بالتضحيات ، وهو يبدأ من تزكية النفوس وتوحيد الصفوف ، وبناء القوة .

مؤتمر غزة فرض كفاية من الأمة :

فنحن نهنئ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رئيساً وعضواً ومندوباً على عقد هذا المؤتمر التاريخي المثالي تهنئةً قلبيةً ، أصالةً عن نفسي ، ونيابةً عن الأفراد الغيارى ، الذين يتمنون تحرير القدس من الأيدي الآثمة ، ولا شك أن الاتحاد العالمي منظمة دينية إسلامية عالمية ، أنشئت على أرض دولة قطر قبل عقدين من الزمن عام 2004م ، لكن رسالتها قد عمت العالم كله ، فلا توجد على وجه الأرض دولة من الدول إلا وهي مدينة بالاتحاد في هذا المجال ، لأن الاتحاد قد أدى فرض كفاية من قبل الأمة ، وكما صرح الاتحاد في إعلانه بأن مؤتمره هذا لا يكون حبراً على ورق ، أو خطاً على ماء ، بل إنه لا يزال يواصل ويتابع الجهود الداعمة لكسر الحصار عن غزة العزة والصمود ، وإيقاف العدوان الغاشم من جهات رسمية وغير رسمية حتى تحرير البلاد ، وندعو الله للثبات على هذه الجادة ، والتوفيق والسداد في مواصلة النشاطات والفعاليات المستقبلية .