الأضاحي بين الواقع والشبهات المعاصرة

مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي على العالم الإنساني
مايو 24, 2026
ميكافيلية الغرب وإسرائيل في الميزان
أغسطس 26, 2026
مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي على العالم الإنساني
مايو 24, 2026
ميكافيلية الغرب وإسرائيل في الميزان
أغسطس 26, 2026

صور وأوضاع :

الأضاحي بين الواقع والشبهات المعاصرة

محمد فرمان الندوي

مازال الإسلام مستهدفاً منذ قديم الزمان من أعداء الإسلام ، فإنهم يوجهون سهامهم المسمومة إلى المسلمين ، ويتهمونهم بتهم زائفة ، ومصطلحات كاذبة ، وقد اخترعوا لها أساليب ماكرةً ، وطرقاً خادعةً للهجوم على الإسلام وتشويه صورته ، وقد خابت مساعيهم ، وفشلت محاولاتهم نحو إحباط جهود المسلمين ، ومسخ تاريخهم المشرق الذي استناروا منه في القرون الوسطى ، وبلغوا في ضوئه إلى ما بلغوا من الرقي الحضاري والتطور المادي الذي ما لم يكن في الحسبان .

إلى استراتيجية جديدة :

شهد التاريخ الإنساني أن المحاولات الصليبية لحقت بالفشل الذريع ، ولاذ الأعداء بالفرار ، واعتقدوا أنهم لا يمكنهم أن يهزموا المسلمين بالقوات الحربية ، والعساكر القتالية ، لأن المسلمين كانوا يملكون من العدة والعتاد ، والسلاح والسيف البتار الذي لا يقاومونه بأدواتهم الحربية ، وأسلحتهم القوية ، فغيروا استراتيجيتهم ، وتبنوا منهج الغزو الفكري للإضرار بالإسلام والمسلمين ، وبدأوا يكثفون وسائل وإمكانيات لصرف المسلمين عن تاريخهم المجيد ، وماضيهم التليد ، فقامت جماعة من المستشرقين الذين درسوا الإسلام وتعاليمه لا للعمل بها ، بل لإخراج هيبة الإسلام من قلوب المسلمين ، وزحزحة عقيدتهم ، وإضعاف ثقتهم بالقرآن والسنة والتاريخ الإسلامي ، وقد أرسلوا لتحقيق هذا الهدف جماعات من المنصرين والمنصرات إلى دول العالم الإسلامي ، فانبثوا في كل بقعة من بقاعها ، واختاروا مجالي التعليم والصحة للتأثير على الشعب ، ثم وسعوا هذا النطاق حتى دخلوا في المجالات الأخرى من الإعلام والأدب والفن حتى الفن المعماري لم يخل من هذا العنصر .

ويقول بول هاريسون ( Harrison ) في كتابه : الطبيب في بلاد العرب : ” إن الطبيب يصل إلى جميع طبقات الناس ، بواسطة المرضى الذين يعالجهم ، فإذا أخفق في التنصير فإنه يستطيع أن يترك أثراً طيباً يوجد في النفوس إقبالاً عليه ، وحباً له ” ( إلى نظام عالمي جديد : 208 ) ، وقد نشأت بجهود المنصرين في العالم العربي بوجه عام ، والعالم كله بوجه خاص أجيال حملت لواء التنصير والاستشراق على أوسع نطاق ، فاجتمع لها مؤيدوها وحماتها وأنصارها ينطقون بلسان اليهود والنصارى ، ويكتبون حسب ما تملي عليهم إرادتهم ، وينشرون أقاويل كاذبةً ، ودعاوي فارغةً عن الإسلام والمسلمين ، وقد انتقلت هذه العدوى إلى بلدان الأقليات المسلمة ، فاستغلتها الطبقة الحاكمة ، واستخدمتها لتضليل الأقليات المسلمة ، وملء نفوسها بمركب النقص ، حتى تتنازل عن خصائصها البارزة وسماتها الإيمانية .

الإنسان وأكل لحوم الحيوانات :

يوجِّه أعداء الإسلام إلى المسلمين أنهم أشداء ومتطرفون ، وإرهابيون ، لا يبالون بسفك الدماء ، وقد فطروا على القتل والتشريد وإرهاب الناس ، وإذا لم يقتلوا أحداً فلا تطمئن قلوبهم ، ولا تنشرح صدروهم ، وإنهم يحملون دائماً داخل أبدانهم سكاكين وأشياء حادةً ، وإذا بنوا مسجداً فعجنوا ملاطه بدماء البقرات ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذا ما يُثار في بلاد توجد فيها أغلبية الهندوس ، لتثور في قلوبهم العداوة والبغضاء ضد المسلمين ، ويكونوا حريصين على الثأر منهم ، كلما سنحت لهم الفرصة ، أو تيسر لهم الوقت ، ويستشهدون في ذلك بأن المسلمين يأكلون اللحوم فتنشأ فيهم هذه العواطف ، الواقع أننا نسلِّم أن غذاء الإنسان يؤثر في جسده ، وقد نهى الإسلام عن أكل لحوم الحيوانات الوحشية مثل الأسد والفهد والذئب وغير ذلك ، فإن لحومها تحمل تأثير ما يخشى منه ، لكن الإسلام أباح لحوم بهيمة الأنعام ، وهي حيوانات أهلية آمنة تعيش مع الإنسان ، فلا يكون تأثير سلبي لمثل هذه الحيوانات على الإنسان .

أما أكل اللحوم فهو طبيعة الإنسان الأصيلة ، وقد خلق الله تعالى الإنسان ، وهو يأكل الخضار واللحوم ، فإن الله أنبت له البقل والثوم والعدس والبصل والقثاء ، ليتمتع ويستفيد منها ، وسخر له الأنعام التي تدفئ من أشعارها وتوفر له المنافع المادية واللحوم كذلك ، وقد أثبت علم الطبيعة أن لحوم الحيوانات مملوءة بالبروتين والغذاء الأوفى ، وتوجد في اللحوم الفولاذ وفيتامن بي (1) والنياسن وغير ذلك من المواد الحياتية ، وقد جعل الله للإنسان أسناناً ذات طرفين : عريضةً وحادةً ، فلو كان الإنسان آكلاً للخضروات لما كانت هيئة الأسنان مثل الحيوانات ذات المخالب ، هذا دليل على أن الله خلقها لأكل اللحوم ليس غير ، وإن نظام الهضم الذي يحمله الإنسان يسع الخضار واللحوم ، فالطيور التي خلقها الله تعالى لا تهضم إلا الحبوب والخضار ، لكن الإنسان يمكنه أن يهضم اللحوم والشحوم ، فإذا كانت قدرة الله تعالى أن نأكل الخضار فلماذا خلق المعدة التي تهضم اللحوم ، وقد كشفت كتب الديانات الأخرى أن أكل اللحوم ما زال عملاً متبعاً منذ قديم الزمان ، وكان كبار النساك يأكلون اللحوم ، فقد ورد في كتاب منو سمرتي في الباب الخامس أن الإنسان إذا أكل لحوم الحيوانات التي أمر بها فلا يرتكب عملاً سيئاً ، وإن أكل لحوم الأضاحي صحيح ، لأنه طريق سلك عليه الآلهة القدماء .

يقول بعض الناس : إننا لا نأكل اللحوم ، لأن أكلها يجبر الإنسان على قتل حيوان ، ونحن نكتفي بالخضروات ، وهذا لا يوافق عليه العقل الإنساني ، الواقع أن هؤلاء الذين يأكلون الخضروات لا يدركون أن روح الحياة توجد في كل شيئ ، فإذا لم يأكلوا اللحوم ، وأكلوا الخضروات فإنها أيضاً ذات أرواح ، تحمل حياةً نباتيةً ، وتشعر بالألم كما أثبت علم الطبيعة ، لكن لا نستطيع أن نسمع صراخها وعويلها ، وقد اكتشف أمريكي آلةً يستطيع الإنسان أن يسمع بها أصوات النباتات ، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن النباتات تشعر بالأفراح والأتراح ، ويمكنها أن تصرخ صراخاً فلا قيمة لقولهم أنهم لا يهلكون ذات أرواح ، فالحقيقة أن الله خلق الحيوانات لأن يأكل الإنسان لحومها ، قال الله تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً )         [ البقرة : 168 ] .

شبهات حول الأضاحي : كيف نرد عليها :

من الدعايات المكثفة التي تُثار ضد الإسلام أنه دين القسوة والشدة ، وأنه يأمر بذبح الحيوانات استلذاذاً للنفس ، واسترواحاً للقلب ، وإن ما يراق من دماء الأضاحي في عيد الأضحى هو إهدار وإضاعة للأموال ، هذا ما روّجه خصوم الإسلام ، لكن الواقع بالعكس ، الإسلام دين الفطرة ودين الرحمة ، إنه لا يحب القسوة والشدة والغلظة في أي شيئ ، بل إنه يوفر للكائنات كلها تعاليم الرحمة والعدل والنصفة ، وكلما درس الإنسان تعاليم الإسلام بدراية وإمعان تجلى أمامه موافقة الإسلام للطبيعة الإنسانية ، إذا وضعنا الأمر على محك النقد وميزان العدل عرفنا أن الطريقة الأقوم للذبح في الإسلام هي ما جرى في الشريعة الإسلامية ، لا أن يخنق عنقه ، أو يُلوى بلا رحمة ولا هوادة ، فالطريقة الشرعية هي أن يكون السكين حاداً ، لئلا يشعر الحيوان بالألم ، وأن يقطع الحلقوم وعرق النفس ، وشرايين الدم في العنق ، وأن يسيل الدم كاملاً ، وإلا تنتشر الجراثيم في الدم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب الإحسان على كل شيئ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ( عن أبي يعلى شداد بن أوس في صحيح مسلم ) .

ويقول بعض الناس : إن أموال الأضاحي تُضاع في شراء الحيوانات ، فالأفضل أن تعطى الفقراء نقداً ، فالواقع أن الأضاحي شعيرة تعبدية ، فلا تجزئ عنها الصدقة النافلة ، وقد وضع الله تعالى للصدقات النافلة باباً مستقلاً في الإسلام ، ومعلوم أن الأضاحي تساهم في تحريك العجلة الاقتصادية مثل تربية المواشي ، وزيادة النسل ، وأجرة العمال والأجراء ، وإنها تتضمن توصيل اللحوم إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين ، الذين لا يتمكنون من شراء اللحوم رغم إعطائهم النقود ، فكانت الحاجة ماسةً إلى تقديم الأضاحي في سبيل الله تعالى ، وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توزع لحوم الأضاحي أثلاثاً : ثلث لنفسه ، وثلث للأقارب ، وثلث للفقراء والمساكين ( سنن الترمذي : 2380 ) .

فأمثال هذه التساؤلات الركيكة والشبهات الواهية تثار من خلال أجهزة الإعلام كل حين وآن ، وتتأثر بها أذهان الشباب المسلم الذي لا يملك رصيداً من الدراسات الإسلامية ، فبدأ يشك في المبادئ الإسلامية ، ويصاب بمرض الريب والمرية نحو التعاليم الإسلامية ، فالحاجة إلى أن تكون هناك كوادر دينية لمقاومة هذه الفتنة المستشرية في الشباب المسلم ، وأن ينشط لها أعضاء المجتمعات المسلمة ، وتقام حلقات للدروس الدينية لشرح معاني الإسلام وتعاليمه . قال تعالى : ( قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ) [ يوسف : 108 ] .