جاهلية القرن الحادي والعشرين كما تصوِّرها تسريبات إبستين

احتكار غزة باسم استعمارها
مايو 24, 2026
مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي على العالم الإنساني
مايو 24, 2026
احتكار غزة باسم استعمارها
مايو 24, 2026
مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي على العالم الإنساني
مايو 24, 2026

صور وأوضاع :

جاهلية القرن الحادي والعشرين

كما تصوِّرها تسريبات إبستين

محمد فرمان الندوي

شهد العالم بأسره مقاطع تسريبات إبستين بأم عينيه ، فهزته هزةً شديدةً ، وذهبت به إلى حالة مدهشة من الغفوة والذهول ، وأحدثت زلزالاً شديداً في السياسة العالمية ، فكل من كان يحمل في قلبه ذرةً من الشعور بُهت وتحير ، فلا يقر له قرار ، ولا يهدأ له بال ، وبدأ يحاول في معرفة هذا المجرم الوقح ، فانكشف أمامه أن جيفري هو إدوارد إبستين               ( 1953م – 2019م ) رجل يهودي أمريكي الجنسية ، وكان يُعد في رجال أعمال وعلاقات واسعة ، لكنه كان مرتكب جرائم جنسية ، استقطب حوالي ألف من الفتيات القاصرات والمراهقات والشابات في جزيرته ، كن يتعرضن لعمليات جنسية وعنف شديد على يده وعملائه ، وبدأت المحاكمة مع جيفري في فلوريدا منذ 2005م ، عندما شكت إحدى الأمهات أن ابنتها التي تبلغ من عمرها 14 عاماً ، قد تعرضت لاعتداء جنسي من جيفري ، وجرت الإجراءات حتى تم القبض عليه ، واعتقاله في السجن نحو 13/ عاماً ، ثم أفرج عنه ، وبدأ يعمل حتى اعتقل مرةً ثانيةً ، ومكث في السجن إلى انتحاره عام 2019م .

شكل جيفري شبكة علاقات واسعة ، ضمت شخصيات سياسيةً ورموزاً عالميةً ، ونجوماً ساطعةً في دنيا الاقتصاد ، وقد أرسل إليها رسائل إلكترونيةً ، ومقاطع صوتيةً ، وهي دليل على ارتكاب جرائم بشعة ، وانتهاكات جائرة ، وقد تضمنت الوثائق نحو ثلاثة ملايين صفحة ، وألفي مقطع و أكثر من 180 ألف صورة ، وفقاً لوزارة العدل الأمريكية ، وقد صدرت ردود عمل على هذه الملفات ، فقال بلانش نائب المدعي العام الأمريكي : إن مقاطع الفيديو بعضها مواد إباحية تجارية ، وبعضها التقطها إبستين وأشخاص آخرون من دائرته .

طبيعة الغرب وفكرته الرعناء :

هذا هو الوجه الكالح للغرب الذي ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ، لكن أصبح الظاهر الآن مخوفاً ومرعباً ، وقد اختمرت طبيعة الغرب بالمادية البحتة ، وهي سليلة الحضارة اليونانية ، ووليدة الحضارات الوثنية ، وظلت تحتفظ بهذه الخصائص وفطرتها ، وترث علومها وآدابها وأفكارها ، حتى برزت كما يقول الإمام الندوي : في ثوب برَّاق يوهمك بطلاوته وزهو ألوانه أنه جديد النسج ، ولكن لحمته وسداته من نسج اليونان والرومان ، وقد تلخصت هذه الفكرة في أربع نقاط : (1) الإيمان بالمحسوس وقلة التقدير لما لا يقع تحت الحس (2) شدة الاعتداد بالحياة الدنيا والاهتمام الزايد بمنافعها ولذائذها (3) قلة الدين والخشوع (4) النزعة الوطنية ، فالفكرة التي تقوم عليها حضارة غربية هي المادية ، والمادية تركز الإنسان على التمتع بلذائذ الدنيا ، والانتفاع بزخارفها ، وقد مثل هذه الفكرة القرآن الكريم قائلاً : ( إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) [ المؤمنون : 37 ] ، وقال شاعر عربي :

تمتع من شميم عرار نجد  فما بعد المنية من عرار

انتهاكات حقوق الإنسان في التاريخ :

إن انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الحضارة ليست بدعاً من الأمر ، بل شاعت وعمت كل مستوى من المستويات ، كلما كان هناك خلاف أو شقاق ، أو حدث نزاع أو خصام بين فريقين كان جراء ذلك قتل وتشريد ، واعتقال وإعدام ، أما التعاملات مع العبيد والطبقات المتخلفة في هذه الحضارة فبمجرد ذكرها يطرق الإنسان رأسه حياءً وخجلاً ، ويتندى لها جبين الإنسانية ، وقد سجل التاريخ عمليات محاكم التفتيش في التاريخ المسيحي أنه قد أعدم آلاف مؤلفة من الناس بأقل خلافاتهم ونزاعاتهم ، وكانت هذه المحاكم مؤسسات نشطةً في البلدان الكاثوليكية في أوربا ، وهي تواصل نشاطاتها ضد الأفراد الذين يضادون فكرة الكنائس ، فكان أمثال هؤلاء الناس يعذبون في السجون تعذيباً ، وتملأ بطونهم بالماء حتى الاختناق ، ويوضع في أجسادهم الحديد المحمي ، وتسحق عظامهم بآلات ضاغطة ، وتمزق الأرجل والأيدي ، ويوضع الناس في توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة ، تنغرس في جسم المعذب تدريجياً ، أو في أحواض يوضع فيها الرجل ، ثم يسقط عليه الماء قطرةً قطرةً حتى يملأ الحوض ويموت ، وكان المجرمون يدفنون أحياء ويجلدون بسياط من حديد شائك ، وتقطع ألسنتهم بآلات خاصة ، هكذا كانت الوحشية والبربرية مع الإنسانية في محاكم التفتيش .

وقد فاقت اليهودية في انتهاك حقوق الإنسان من المسيحية الرقم القياسي ، فقد جبلت على العنصرية ، والاستعلاء على جميع الأعراق والأجناس ، ولا يزال اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار ، ومعنى شعب الله بالعبرية ألوهيم ، وأما ماعداهم فهم جوييم أي أراذل وأشرار ، ففي غزة العزة قد تلطخت الآن أيديها بدماء سبعين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال والصبيان والضعفاء والمعاقين ، كأنهم حيوانات الغابة تعيش على امتصاص الدماء ، وأكل لحومها ، ولا تطيب لها حياتها إلا بالقتل والتشريد ، وإقامة الحواجز والعوائق أمام الناس ، ولا شك أن شعورهم بالاستعلاء هو الذي يحفزهم على اقتراف هذه الأعمال المجرمة ، والانتهاكات الوحشية .

منشأ الجاهلية ومراحلها المختلفة :

رأت الدنيا في القرن السادس المسيحي العرب الجاهليين الذين كانوا أميين ، وكانوا محصورين في جزيرتهم ، منقطعين عن العالم كله ، وتوجد فيهم أمراض عقدية ، وأدواء خلقية ، وعاهات اجتماعية ، فإنهم كانوا يشركون بالله أصناماً وأوثاناً ، ويتخذونها زلفى إلى الله ، وكانوا يشربون الخمور ، ويرتكبون الفواحش والمنكرات ، فلا توجد معصية على وجه الأرض إلا وقد ارتكبوها ، وسرت فيهم آثارها ، ويظهر نتيجة ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله نظر إلى الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم ، إنهم كانوا يئدون البنات ، ويدفنونهن وهن على قيد الحياة ، فلم تبلغ فيهم الجاهلية إلى هذا الحد مثل ما بلغت اليوم ، فكانت هناك جاهلية القرن السادس المسيحي ، وعاش العالم قبل ذلك جاهلية أولى زمن قوم نوح وعاد وثمود وإبراهيم عليه السلام ، ثم كانت الجاهلية الثانية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، أما الجاهلية الثالثة فهي جاهلية القرن العشرين التي ظهرت فيها الحضارة الغربية بأقبح صورتها ، وأسوء شكلها ، فلم يبق بيت مدر ولا وبر إلا قد عاشت فيها وباضت وفرخت ، وسلبت من أهلها الإنسانية والحشمة والحياء ، وأخذت منها لباس التقوى ، فأصبح الإنسان في هذه الجاهلية ماكينةً صناعيةً تستخدم كيفما تشاء ، وكانت صورته كما قال الشاعر العربي :               ” وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير ” ، وقد ألف الأستاذ محمد قطب مؤلفاً قيماً حول الموضوع : جاهلية القرن العشرين ، وكشف الإمام السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي عن كثير من سوءات هذه الجاهلية في كتبه ومؤلفاته ومحاضراته .

سلبيات تسربيات إبستين :

لكن جاهلية القرن الحادي والعشرين ظهرت في تسريبات إبستين ، هذه التسريبات ليست مجرد جريمة نكراء أو فاحشة شنعاء ، بل إنها تحمل في محتواها كثيراً من الفضائح والانتهاكات ، وهي جرائم السلطة والمال والجنس ، مع الإفلات عن المحاسبة ، وهي علي ما يأتي :

(1) سقوط الساسة والإعلاميين والأكاديميين ورجال الأعمال المستثمرين في مجالات العلوم والتكنولوجيا في شبكات الرذائل ، وولوغهم في سفك دماء الأبرياء ، وقد كشفت هذه التسريبات عن عدد من رؤساء الوزراء وحكام البلدان أن لهم اتصالات قوية بهذا الرجل جيفري إبستين .

(2) اختطاف القاصرات من أمكنة شتى ، ثم استخدامهن في الفحشاء والمجون ، ثم قتلهن جماعياً بقلوب قاسية ، وتقطيع لحومهن وإحراقها ، بحيث لا تبقى لهن عين ولا أثر .

(3) إقامة منظومة نكدة باسم التحالف الأفقي للنخب ، وقد اجتمعت هذه المنظو مة على تبرير الشرور والخبائث ، فيحمي السياسي رجل المال ، ويذكر الإعلامي قدسية المستثمر ، وتعتبر هذه المنظومة نفسها خلاصة العروج البشري والرقي الحضاري .

(4) خور الحضارة الغربية وضعفها ، وزعزعة بنيانها ، وبقاء ثقافتها على أسس منهارة ، فالرجل الغربي يعتقد أن حضارته تنقذه من المخاطر والمهالك ، لكن ينقلب الأمر ظهراً لبطن ، فلا يتخلص الإنسان من المشاكل ، بل يقع فريسةً لها ، حتى لا يكاد ينفلت منها .

(5) يظن الإنسان أن كل ما يباشر من عمل أو يرتكب من عملية سرية لا يطلع عليها أحد ، ويكون مصوناً من عاقبتها ، فقد فندت تسريبات إبستين هذه الفكرة الخاطئة علناً وجهاراً ، بحيث انكشف الغبار عن وجوه كثير من الذين يعتبرون مثقفين لدى الجميع ، لكنهم غرقى في الانتهاكات الوحشية .

وليتذكر كل عنده بصيص من العقل أن تسجيل الأعمال بالملائكة لا يزال يجري بدقة وخفية ، وهذه التسجيلات تكشف يوم القيامة ، ويرى كل إنسان فيها صورته الحقيقية ، إن خيراً فخير ، إن شراً فشر ، قال الله تعالى : ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ) [ الفجر : 23 ] ، يقول : ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً ) [ النساء : 42 ] .