من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثالثة )

من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
درس من الحوادث
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
درس من الحوادث
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

من هم أهل السنة والجماعة

( الحلقة الثالثة )

بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *

تعريب : محمد فرمان الندوي

قد سبق أن هذه الاختلافات السياسية قد أنتجت الخلافات الدينية ، فأول سؤال نشأ هو أن الذين شاركوا حرب الجمل وحرب صفين من كان فيهما على الحق ؟ ومن هو أجدر بهذه الآية : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) [ النساء : 93 ] .

هذا الخلاف وقع أول مرة في الكوفة ، وارتج منها صداه ، وكان الصحابة الكرام رضى الله عنهم أحياء ، فجاؤوا إلى سيدنا سعيد ابن جبير ، وسيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، وسألوهما عن هذه الآية : هل هي منسوخة ؟ قالا : لا ، هي آخر ما نزلت على رسول     الله [1] ، وكان الخوارج يقولون : كلتا الطائفتين قد حملت السلاح على الأخرى عمداً ، فهما أهل النار ، فنظراً إلى هذه القاعدة كانوا يعتبرون الطائفتين من أهل النار ، وبما أن قتل العمد ذنب كبير ، وتوعد الله تعالى لمرتكبه بالخلود في النار ، الذي هو عقاب الكافرين ، وكانوا يستدلون بذلك على أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ، وكانت هذه الآية صريحةً في إثبات دعوى الخوارج أن صدورهم تنشرح في نشر أفكارهم في ضوء هذه الآية . وورد في صحيح مسلم أن بعض التابعين قد أصبحوا خوارج متأثرين بدلاًئلهم ، فجاء موسم الحج ، وقد مروا بالمدينة ، وكان في المسجد النبوى يدرس سيدنا جابر بن عبد الله رضى الله عنه ، فقدم هؤلاء شبهاتهم أمام جابر رضي الله عنه ، فأجابهم جواباً شافياً ، حتى تابوا من ذنوبهم [2] .

وكانت أمام الفرق الأخرى آية من القرآن الكريم : ( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ) [ الحجرات : 9 ] ، يقدم العلويون والعثمانيون هذه الآية ، وكلتاهما تعتبر أنفسهما أصحاب حق ، كما تعتبر الثانية أولاها قائمةً على الباطل ، فكان يحملون السلاح والسيوف على مخالفيهم .

وبعد ما انكمش اللثام المتراكم حان الآن الوقت أن ندرك حقيقة أهل السنة والجماعة :

ظلت ثلاث فرق باقيةً منذ شهادة سيدنا عثمان ذي النورين رضى الله عنه إلى يومنا هذا : العلوية ، والعثمانية والحرورية أو الخوارج ، وكان عددهم قليلاً في كل دولة ، فإن الأساس الأصيل ، والصراط المستقيم ، والطريق القديم الذي تنكبت عنه هؤلاء الفرق الثلاث كان يعرف بالسنة والجماعة ، والجمهور الذين كانوا على هذا المنهج سموا بأهل السنة والجماعة ، فكان هؤلاء الجمهور لا يحيدون قيد شعرة دينياً عن الأصول التي قررها الله تعالى في جانب ، و في جانب آخر كانوا ملتزمين سياسياً بآراء عامة الصحابة الكرام رضى الله عنهم . وفي هذه المشاجرات الداخلية كان بعض الناس مع سيدنا معاوية رضى الله عنه ، فكانوا عثمانيين ، كما كان بعض الناس مع سيدنا على رضي الله عنه فكان علويين ، وهناك أناس يعتبرون كلتيهما على الخطأ ، فكانوا حروريين أو خوارج ، أما أهل السنة فهم لا ينتقدون كلا منهما ، ولا يسيئون الظن بهما ، وكانوا في هذه المشاجرات كالجماعة غير المنحازة إلى فئة ، لأن أهل السنة ليسوا جماعةً محايدةً ، بل هم قائمون على الحق والصواب ، ولا يصبغون هذه المشاجرات صبغةً دينيةً ، بل يعتبرونها حرباً سياسيةً ، ويطلقون عليها اسم الفتنة ، ويؤثرون عدم الخوض فيها أفضل عمل لهم .

كان آلاف من الصحابة رضى الله عنهم أحياءً في هذه الفترة الحرجة ، لكن الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين تذكر أسماؤهم كانوا معدودين ، أما أكثرهم فكانوا بعيدين كل البعد عن هذه الخلافات ، والذين أيدوا كلا الفريقين لا يعتبرون الآخرين فاسقين أو كافرين ، وكان سيدنا عمار بن ياسر رضى الله عنه من أشد الناس حباً لعلي بن أبي طالب ، وكان يحث أهل الكوفة على الحرب ضد السيدة عائشة رضى الله عنها ، فكان يقول : إني لأعلم أنها لزوجته في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها ( صحيح البخاري : 3772 ) ، إن قاتل الزبير بن العوام رضي الله عنه لما أقبل برأسه إلى سيدنا على بن أبي طالب ، قال له علي رضي الله عنه : أبشر بالنار ، نحن الذين قال الله عنهم : ( وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) [ الحجر : 47 ] [3] ، ولا يخفى على أحد ما كان بين علي وسيدنا معاوية رضي الله عنه من خلاف سياسي ، لكن كلما مسته حاجة علمية ودينية راجع إلى علي رضي الله عنه ( سنن سعيد بن منصور ) ، وقد خرجت السيدة عائشة رضى الله عنها على علي بن أبي طالب رضى الله عنه ، لكنها لم تكن قاصرةً عن الاعتراف بمكانة سيدنا علي بن أبي طالب رضى الله عنها ( صحيح مسلم ، المسح على الخفين ) [4] .

يثبت من هذه الروايات أن الاختلاف الذي كان يوجد بين بعض الصحابة رضى الله عنهم لم تكن انحيازيةً أو طائفيةً ، بل كان بمثابة اختلاف تضارب وتنوع ، فسماه جمهور الناس هذه المشاجرات خطأً اجتهادياً ، وإن الآيات القرآنية التي استدل بها العلوية والعثمانية نذكر بكاملها هنا من جديد مستدلين على دعوانا ، قال الله تعالى : ( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [ الحجرات : 9 – 10 ] .

( للبحث صلة )

* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .

[1] عن سعيد بن جبير قال : اختلف أهل الكوفة في هذه الآية : ومن يقتل مؤمناً متعمداً                        فجزاؤه جهنم ، فرحلت إلى ابن عباس ، فسألته عنها ، فقال : لقد أنزلت آخر ما أنزل ، ثم ما نسخها شيئ ، صحيح مسلم : كتاب التفسير .

[2] حدث يزيد الفقير ، قال : كنت قد شغفني رأي من رأى الخوارج ، فخرجنا في عصابة ذوي عدد ، نريد أن نحج ، ثم نخرج على الناس ، قال : فمررنا على المدينة ، فإذا جابر بن       عبد الله يحدث القوم ، جالس إلى سارية ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإذا هو قد ذكر الجهنميين ، قال : فقلت له : يا صاحب رسول الله له ما هذا الذي تحدثون ؟ والله يقول :     ( إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) [ آل عمران : 192 ] ، ( كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا ) [ السجدة : 20 ] ، فما هذا الذي تقولون ؟ قال : فقال : أتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام ، يعنى الذي يبعثه الله فيه ؟ قلت : نعم ، قال : فإنه مقام محمد المحمود ، الذي يخرج الله به من يخرج ، قال : ثم نعت وضع الصراط ، ومر الناس عليه ، قال : وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك ، قال : غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار ، بعد أن يكونوا فيها ، قال : يعنى فيخرجون كأنهم عيدان السماسم ، قال : فيدخلون نهراً من أنهار الجنة ، فيغتسلون فيه ، فيخرجون كأنهم القراطيس ، فرجعنا ، قلنا : ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ؟ فرجعنا ، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد ، ( مسلم : 191، والبخاري 6558 ، واللفظ لمسلم ) .

[3] عن زر بن حبيش قال : كنت جالساً عند علي ، فأتي برأس الزبير ، ومعه قاتله ، فقال علي : بشر قاتل ابن صفية بالنار ، سمعت رسول الله يقول : لكل نبي حواري ، وإن حواري الزبير             ( الراوي : علي بن أبي طالب ، الحاكم ، المستدرك على الصحيحين (5685) ، صحيح .

[4] عن شريح بن هانئ قال : سألت عائشة رضى الله عنها عن المسح ، فقالت : سل عليا فإنه أعلم بهذا منى كان يسافر مع رسول الله ، قال : فسألت عليا ، فقال : قال رسول الله : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ( الراوي : على بن أبي طالب ، شعيب الأرنؤوط ، تخريج المسند لشعيب (907) ، صحيح ، أخرجه مسلم (276) ، والنسائي (129) ، وابن ماجه (552)، وأحمد (748) واللفظ له .