أحاديث الفتن والملاحم : دراسة أدبية ¨

أستاذي نذير أحمد الندوي كما عرفته
مايو 24, 2026
النشاطات الثقافية ودورها في تنمية المهارات اللغوية
مايو 24, 2026
أستاذي نذير أحمد الندوي كما عرفته
مايو 24, 2026
النشاطات الثقافية ودورها في تنمية المهارات اللغوية
مايو 24, 2026

نموذج من كتاباته :

أحاديث الفتن والملاحم : دراسة أدبية ¨

بقلم : الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله *

يُعد الحديث النبوى مصدراً غنياً من مصادر الأدب العربي ، ويعتبر نصّاً أدبياً يرتفع إلى أعلى مستوى يمكن أن يبلغه بيان البشر ، ويتسم بالروعة والإشراق والوضوح بصفة عامة ، ولكن أحاديث الفتن والملاحم تحظى – بصفة خاصة – بالمنزلة السامية والمكانة الرفيعة في البلاغة ، وتحتل من الأدب المتألف الممتاز أعلى المراتب ؛ لأنها تتضمن قطعاً قويةً وطرائف ممتعةً من بدائع الكلام لم تنل عناية الباحثين ، وتضم نصوصاً أدبيةً عاليةً جميلةً جداً من روائع البيان لم تمتد إليها أيدي الدارسين ، فأحببتُ أن أتناول طائفةً من أحاديث الفتن والملاحم بالبحث والدراسة ، وأشير إلى ما فيها من جوانب الجمال الأدبي ونواحي الروعة البيانية ومواضع التصوير الفني ، وقبل أن أعرض نماذج من هذه الأحاديث أرى أن أقف قليلاً عند كلمتى ” الفتن ”  ، و ” الملاحم ” .

الفتن : جمع الفتنة ، قال الراغب : أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ، ويستعمل في إدخال الإنسان النار ، ويطلق على العذاب كقوله : ” ذوقوا فتنتكم ” ، وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى : ألا في الفتنة سقطوا ، وعلى الاختبار كقوله : ” وفتناك فتوناً ، وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء ، وفي الشدة أظهر معنىً وأكثر استعمالاً . قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، ومنه قوله تعالى : ” وإن كادوا ليفتنونك أى يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك . وقال أيضاً : الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة ، والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات : فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة ، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة ، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله : والفتنة أشد من القتل ، وقوله : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ، وقوله : ” ما أنتم عليه بفاتنين ” وقوله : ” بأيكم المفتون ” وكقوله :           ” واحذرهم أن يفتنوك ” وقال غيره : أصل الفتنة الاختبار ، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور ، وغير ذلك [1] .

الملاحم : جمع ملحمة ، وهو موضع القتال ، إمَّا من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها ، أو من لحمة الثوب لاشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بسداه ، والأول أقرب وأنسب ، وفي مشارق الأنوار : ملاحم القتال معاركها ، وهي مواضع القتال ، ولكن جاء في القاموس : الملحمة : الوقعة العظيمة ، وفي الصراح : ملحمة : فتنة وحرب بزرك [2] ، وفي النهاية : هي الحرب وموضع القتال ، وفي لسان العرب : الملحمة : القتال في الفتنة ، قال ابن الأعرابي : الملحمة حيث يقاطعون لحومهم بالسيوف . قال ابن بري : شاهد الملحمة قول الشاعر :

بملحمة لا يستقل غرابها : دفيفا     ويمشى الذئب فيها مع النسر

أحاديث الفتن والملاحم وقيمتها الأدبية والبلاغية :

عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل عن المسيح الدجال يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم قال : ” . . . . . . ويمر بالخربة فيقول لها : أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شاباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ، ثم يدعوه فيقبل ويتملل وجهه يضحك ، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عيسى بن مريم إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفع تحدر منه جمان كاللؤلؤ ” [3] .

يمر المسيح الدجال بالخربة الزاخرة بالكنوز ، فيقول لها : أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، يفعل هذا ليفتتن الناس به .

وفي هذا النص صورة تعتمد على الوصف الذي يحكى لنا أمراً سيحدث ، وفي هذا الوصف تشبيه الكنوز التي تتبع الدجال بيعاسيب النحل في سرعتها ولحوقها من تريد قرصه ، وفي اختيار هذا التشبيه روعة تتصل بالمعنى أوثق اتصال وتحقق التناسق الفتي ، فظلال لحوق يعاسيب النحل تبعث في النفس المخاوف والحذر ، وتوقع الشر .

وصورة وصفية أخرى وهي : يدعو الدجال رجلاً ممتلئاً شباباً ، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض . . . ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك ، هذا أمر غيبي سيحصل من المسيح الدجال ليفتن الناس يوهمهم أنه يميت ويحيى  . . . إنها لفتنة .

وفي قوله : ” ممتلئاً شاباً صورة تعرض الشباب كأنه شيئ مادي يلمس ، ويملأ الرجل ، وفي قوله : ” رمية الغرض ” تشبيه للرجل بأنه كالغرض المقصود بالرمي ، وفي الحديث : ” فبينما هو كذلك إذ بعث الله عيسى بن مريم ، إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ” وفي هذا الكلام صورة مركبة . فالماء الذي يتحدر منه جمان يشبه اللؤلؤ ، فالصورة الأولى ( تحدر منه جمان ) وهي استعارة كما يقول علماء البلاغة ، والصورة الثانية ( جمان كاللؤلؤ ) وهى تشبيه بين .

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال : ” إن الله تعالى ليس بأعور ، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأنَّ عينه عنبة طافية [4] .

وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم : ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته نوح والنبيون من بعده ، وإنه إن يخرج فيكم فما خفى عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم : إن ربكم ليس بأعور ، وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية [5] ، إن هذا النص صورة تعتمد على التشبيه في حديث النواس بن سمعان الطويل ، يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتن أجساد يأجوج ومأجوج ملأ الأرض ، فيقول : ” . . . . فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم ، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتطرحهم فطرحهم حيث شاء الله ، ثم يرسل الله مطراً لا يكنّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ، ثم يقال للأرض : أنبتي ثمرتك وردّي بركتك ، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك الله في الرسل ، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس ، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس ، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس ، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبةً فتأخذهم تحت آباطهم ، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر ، فعليهم تقوم الساعة ” [6] .

هذه الصورة الواقعية المبنية على تفصيل دقيق لأحوال الناس قبل قيام الساعة . أيام سيدنا عيسى عليه السلام انطوت على صور فنية نود أن نشير إليها إشارات سريعة :

فإذا أراد التعبير عن المكان الصغير قال : ” موضع شبر ، فإذا لم ينج من الأرض المعمورة كلها موضع شبر من روائحهم النتنة دل ذلك على تأذي الأرضِ كلها من روائحهم ، وليذهب الخيال في تصوّر المساحة التي تغطيها جثت هؤلاء القتلى ما شاء أن يذهب . . . . . إنَّ زهمها ونتنها ملأ القارات المعمورة !!!

وصورة الطيور الغريبة التي بعثها الله عزّ وجل لتخلص الناس من هاتيك الروائح ، صورة مدهشة تشد انتباه الناس السامعين . . . إنها طيور طويلة كأعناق البخت ، وإذا كان من الطبيعى أن لا نعرف طبيعة هذه الطيور التى سيخلقها الله لأنها من الغيب ، لكننا نعرف البخت التي هي نوع من الإبل معروفة ، وقد ورد ذكرها في الحديث النبوى في أكثر من موضع ، ويصوّر الحديث غزارة المطر المدرار الذي ينظف الأرض من زهمهم ونتنهم بأنه لا يقي منه بيت وبر ولا مدد ، وهي كناية عظيمة الدلالة عن شدة الغزارة والانهار .

وصورة رائعة أخرى هي هذه الريح التي تقبض أرواح المؤمنين وتأخذهم تحت آباطهم ، وقد ورد وصف هذه الريح في حديث أخرجه مسلم أيضاً عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة ، وهم على ذلك .

فقال عبد الله بن عمرو : أجَلْ ، ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك ، مسها مس الحرير ، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته ، ثم يبقى شرار الناس ، عليهم تقوم الساعة [7] .

صورة تعتمد على حاسة الشم وحاسة اللمس ، فرائحة هذه الريح رائحة المسك ، ومسها مس الحرير ، والظلال التي تلقيها هذه الريح المميتة في نفوس السامعين ظلال رحمة ورأفة ، وأعجب لريح مميتة تلقى مثل هذه الظلال : ريح تأتي فتأخذ أرواح الناس من تحت آباطهم ، ريح طيبة الرائحة ، لينة الملبس .

وصورة تعرض لنا مستوى شرار الخلق الذين يبقون بعد تلك الريح ، والذين تقوم عليهم الساعة ، إنه مستوى منحط . . . يصل إلى مستوى الحمير يفعلون ما تفعل دون مبالاة أو حياء ، إنهم يتهارجون تهارج الحمر ، قوم أشرار منحطون انسلخوا عن إنسانيتهم إلى طبائع الحمير !!

التصوير :

ومن خصائص أسلوب هذه الأحاديث القدرة الرائعة على التصوير الموحى والتشبيه الموضح ، مما يدل على موهبة فذة ، دانت لها الصور الجميلة ، ودنت منها فاقتطف ما رقَ وما راق ، فأنت – في هذه الأحاديث – أمام لوحات فنية رائعة ، ممتعة ساحرة ، تعجز مواهب الدنيا أن تأتى بأروع منها وأبدع ، يفيض هذه اللوحات والمشاهد خيال واقعي خصب .

وإن وفرة الصور الجميلة في هذه الأحاديث لتدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر التعبير عن المعنى المجرد بالصورة الحسية المستمدة من حياة المخاطبين ، لأن ذلك أدعى إلى أن يفهموا مراده ويتأثروا به ، ولأن الصورة البيانية تزيد في قيمة الأثر الأدبي وترفع من شأنه وتكسو المعاني أبهة وتضاعف قواها في تحريك النفوس لها .

وقد ذكر الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه ” أسرار البلاغة ” قيمة التشبيه وتأثيره في قوة المعنى ، فقرر أن المعنى يزداد به فخامةً وتأثيراً في النفس ، وأن قائله يستطيع أن يحقق غرضه كاملاً ، وإن في أحاديث الفتن والملاحم طرائق متعددة في التصوير الموفق : ومنها مشاهد تصويرية تعتمد القصة السريعة تارةً ، والمواقف تارةً أخرى . . . ومنها التشخيص الحي الذى يبث الحياة والحركة في الكائنات الجامدة . ومنها التشبيه الذى يقرب الأمر ويوضح الموضوع وهو كثير حداً . ومنها الكناية المهذبة اللطيفة . ومنها المجاز البليغ الرشيق إلخ .

وبواسطة هذه الطرائق وغيرها مما نجده في هذه الأحاديث عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تصوير المشاعر الداخلية وتحليل الدوافع النفسية المتعارضة ، وتجلية القضايا التجريدية بكل وضوح .

الوَصْفُ :

في أحاديث الفتن والملاحم لوحات وصفية نادرة في دقتها وإحاطتها وواقعيتها ، والملاحظ أن الأوصاف فيها جاءت مقتضبةً وفق الخاصة الأصيلة التي تصدر عنها الأحاديث في شتى الأغراض ، وهي خاصة الإيجاز . وهناك أحاديث كثيرة تبدو فيها دقة الوصف وروعته وجماله ، ولا ريب أن في أحاديث الفتن والملاحم الوصف الدقيق الرائع ، الذي يجلو الموصوف بأوضح صورة ، وأوجز عبارة وأرفع بيان ضمن الإطار الذي تقتضيه الرسالة السامية والنبوة الفاضلة [8] .

أما إذا نظرنا إلى عامة الأحاديث فإننا نجد خاصةً الوضوح مع الجزالة هي الطابع العام لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن مهمته الأولى هي تبليغ هذه الرسالة ، والنفاذ بها إلى قلوب الناس ، ولن يكون ذلك إلا بالكلام الواضح المفهوم الجزل المتين [9] .

¨ نبذة من أطروحة الدكتوراه ، التي قام بإعدادها عام 2001م ، ونال بها الشهادة ، غفر الله له ، ورفع شأنه .

* أستاذ كلية اللغة العربية وآدابها بدار العلوم لندوة العلماء سابقاً .

[1] انظر فتح الباري ، شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ،   ج 13 ، ص 3 .

[2] عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي ، ج 11 ، ص 204 ، دار الكتب العامية ، بيروت لبنان .

[3] صحيح مسلم : 67/18 – 68 .

[4] صحيح مسلم : 59/18 .

[5] صحيح البخاري : 82/8 .

[6] صحيح مسلم : 69/18 – 70 .

[7] صحيح مسلم : ٦٨/١٣ .

[8] مستفاد ومقتبس من ” الحديث النبوي ” للأستاذ محمد صباغ ، انظر ص ٧١ وما قبلها .

[9] المصدر السابق ، ص 53 .