معلِّم عاش للعلم ومات في محرابه
مايو 24, 2026عاش معلِّماً ، ومات معلِّماً
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
رحيل الدكتور نذير أحمد الندوي
ذكرى لا يطويها الغياب
د . محمد أعظم الندوي *
في يوم الثلاثاء ، 7/ أكتوبر 2025م ، انتقل إلى رحمة الله تعالى الدكتور نذير أحمد الندوي ، الأستاذ الكبير في دار العلوم ندوة العلماء ، إثر إصابته بنوبة قلبية مفاجئة ، وقد أُصيبت أسرة ندوة العلماء وطلابها وزملاؤه بالأحزان ، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي برسائل التعزية ، حيث عبّر كل من عرفه أو تعامل معه عن تقديره ومحبته لفضيلته وذكرياته معه .
وُلد الدكتور نذير أحمد ندوي عام 1965م ، أنهى تعليمه الابتدائي ، ثم التحق بدار العلوم ندوة العلماء ، وتخرج فيها عام 1986م لنيل درجة العالمية ، ثم نال شهادة التخصص في الحديث عام 1988م من نفس الدار ، كما حصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لكناؤ .
رحل عن دنيانا العالم الأديب ، والمعلّم المربي ، الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي – رحمه الله – بعد حياة ملؤها العلم والذوق ، والبيان والصفاء ، والعطاء المستمرّ في محراب اللغة العربية وآدابها ، لم يكن رحيله مجرد خبرٍ عابر ، بل كان سقوطَ نجمٍ من سماء العلم ، وانطفاءَ مصباحٍ من مصابيح الأدب في ندوة العلماء وغيرها من محافل الفكر والأدب ، كان محبباً لدى الطلبة ، إذا ذُكر اسمه ارتسمت على الوجوه مسحةُ إجلالٍ وحنين ، وإذا تحدّث عنه تلاميذه فاضت ألسنتهم بعبير الذكرى وعطر الأيام الماضية ، وتشهد بذلك اليوم صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ، فكأنّ القلوب جميعاً تُغنّي بقول الشاعر :
أعد ذكر نُعمانٍ لنا إنّ ذكره كما المسك ما كرّرته يتضوّع
كان الدكتور نذير أحمد الندوي من العلماء والأدباء الذين جمعوا بين رسوخ العلم وجمال البيان ، وبين التفوق والتذوق ، حتى صارت دروسُه أشبه بمجلس أدبٍ تُقرأ فيه النصوص كما تنشد الأبيات ، وتُفكّ العبارات كما تُفسَّر اللوحات الفنية ، لم يكن يكتفي بشرح النص ، بل يبعث فيه الحياة ، ويكشف عن أسرار الجمال فيه ، فيجعل الطالب شريكاً في التجربة لا مجرد متلقٍّ ساذج .
لقد جمع الله له بين السكينة والعلم ، والرقة والعمق ، والوقار والهدوء ، وكان في شخصه توازنٌ نادر بين جدّ العالم ومرح الأديب ، وبين هيبة الأستاذ وحنان الأب ، لم يكن يعلو صوته في مجلس ، ولا يتكلف في قولٍ أو نقد ، وكان يُشعر من حوله أن العلم أدب قبل أن يكون معرفة ، وأن الكلمة أمانة قبل أن تكون حُجة ، كانت اللغة العربية في محاضراته كائناً حياً نابضاً بالحياء والحياة ، تتحرك كلماتها ببيانه ، وتبتسم تراكيبها في لسانه ، حتى يشعر السامع أن العربية لم تزل على عهدها الأول : جزلةً في لفظها ، عذبةً في نغمتها ، عميقةً في معناها .
امتلك الشيخ الندوي ذوقاً لغوياً نادراً ، وكان مترجماً بالفطرة ، يهب النصّ العربي روحاً جديدةً حين يعبّر عنه باللغة الأردية ، وإذا قرأ بيتاً من الشعر أو قطعةً من النثر ، أعاد صياغتها ببيانٍ أرقّ من النسيم ، وأجمل من النسق الأول ، فيشعر المستمع كأنه أمام لوحة أعاد الفنان رسمها بمزيد من التناغم والانسجام ، ببساطة دون تفريط ، وعمق دون تعقيد .
كان يقول لتلاميذه : الترجمة ليست نقل الكلمات ، بل نقل الروح ، ولذا ، كانت تراجمُه الأدبية صورةً من إحساسه العميق بالمعنى ، لا نسخةً باردةً عن النص ، ولا تزال لطائفه ونفائسه الأدبية حاضرةً في ذاكرة طلابه ، يتذوقونها ويحاكونها ، وكان الدرس عنده ليس حلَّ عباراتٍ ولا تفسيرَ تراكيب ، بل تربيةً للذوق وإحياءً للوجدان ، حين يتحدّث عن اللغة ، تشعر أن العربية بين يديه كائنٌ حيّ يتنفّس ، وإذا ترجمَ جملةً ، سالت المعاني في أنغامٍ من البيان .
كان الشيخ الندوي يرى أن الأدب الحقيقي لا يُقاس بجمال اللفظ وحده ، بل بصفاء النفس وحسن الخلق ورهافة الحس ، فكان أدبه في تعامله لا يقلّ عن أدبه في كتابته ، وكان تواضعه زينةَ علمه ، وصمته ناطقاً بالحكمة ، لم يكن يعرف التكلّف ، ولا يأنف من البساطة ، ولكنه كان يأنق في كل شيئ : في ملبسه ، في جلسته ، في نبرته ، حتى في طريقته في تناول الماء ، ترى في كل حركةٍ منه ذوقَ العالم ، وسمتَ الأديب ، وسكينةَ العارف ، فقد كان وافر العقل غزير الأدب ، متوسط القامة ، مشرق اللون ، أفصح نظرائه وأرقهم لساناً ، صادق اللهجة ، نقيّ السريرة ، سهل الخليقة ، لين العريكة ، رقيق القلب ، صافي الضمير ، يُديمُ النظرَ في الكتب ، ويجدُ في مطالعتها راحةَ قلبه وغذاءَ روحه .
كان يعتقد أن اللغة العربية ليست وسيلةً للتعبير والإظهار فحسب ، بل هي طريقة إلى الله ؛ لأن فيها روح القرآن ، وعطر الحديث ، وعبير البلاغة النبوية ، وكان يحثّ طلابه على مطالعة كتب الحديث والفقه ، ليذوقوا أدب الأئمة في التعبير ، كما يذوق الأديب شعر المتنبي والجاحظ . وكان يقول : من أراد العربية حقاً ، فليجمع بين أدب القرآن وأدب الفقهاء .
في الأيام الأخيرة ، اشتدت عليه وطأة المرض ، لكن المرض لم يُسكِت لسان العلم فيه ، فقد ظلّ يدرّس حتى صباح يومه الأخير ، كأنه يريد أن يلقى الله وفي يده كتاب ، وعلى لسانه درس ، وفي قلبه شغفٌ بالعلم لا يخبو ، وهذا مما يحصى ولا ينسى ، وصدق القائل :
وإنما المرأ حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى
رحل أستاذنا وأستاذ الجيل الدكتور نذير ، لكن صوته لم يرحل ؛ بقيت عباراته حيّةً في أذهان طلابه ، وبقي أدبه عبيراً في أروقة العلم ، لقد كان مدرسةً في الذوق ، وجمالاً في البيان ، وصدقاً في التعليم ، ووجهاً من وجوه العربية المشرقة في ندوة العلماء ، لم يكن أستاذنا من أولئك الذين يلمعون بالضوضاء ، بل من الذين يضيئون بالصمت . وكان أدبه الداخلي أبهى من أي بيان ، وتواضعه أجلّ من أي شهرة ، يجلس بين العلماء فلا يعلو عليهم ، ويجلس بين طلابه كأنه واحدٌ منهم ، فإذا تكلّم علمتَ أن الحياء لا يمنع البصيرة ، وأن الوقار لا يُطفئ الوميض .
الأدباء الكبار لا يموتون ، بل يتحوّلون من حضورٍ ماديّ إلى أثرٍ خالد ، يرحل الجسد ، لكن الكلمة تبقى ، تضيئ دروب الباحثين ، وتغرس في القلوب حبّ الجمال والبيان ، وهكذا ، يبقى الندوي واحداً من أولئك القلائل الذين علّمونا أن العلم إذا لم يُزهر ذوقاً ، والأدب إذا لم يُثمر خُلُقاً ، فهما مجرد حروفٍ بلا روح ، فقد ترك في طلابه بصمةً من الذوق ، ونفحةً من الأدب ، ولمسةً من التهذيب الروحي .
رحمه الله رحمةً واسعةً ، وجعل علمه صدقةً جاريةً ، وأبقى أثره في قلوب من أحبّوه ، كما تبقى أنوار القمر بعد أفوله :
إن قيل مات فلم يمت من ذكره حيّ على مرّ الليالي باقي
* أستاذ المعهد العالي الإسلامي ، حيدرآباد .

