عالم أضاء بعلمه مسالك في البحث الأدبي
مايو 24, 2026رحيل الدكتور نذير أحمد الندوي ذكرى لا يطويها الغياب
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
معلِّم عاش للعلم ومات في محرابه
د . يوسف محمد الندوي *
لقد كان الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله أستاذاً من أساتذة دار العلوم ندوة العلماء بلكناؤ الذين نذروا حياتهم للعلم والدراية ، وللتربية والدعوة ، جمع بين الفكر النيّر ، والعلم النافع ، والخلق الرفيع ، والروح الإيمانية البيضاء . عاش للعلم ، وبه عاش ، وفي ميدانه لقي الله عز وجل . لقد كانت حياته كلّها درساً متواصلاً في الإخلاص والوفاء ، لا يعرف الملل ولا الكلل ، وإن كان يعاني بعض الأسقام والأمراض ، فكان نموذجاً فريداً للمعلم المخلص الذي وهب نفسه لتربية الجيل الإسلامي وتنوير العقول والقلوب معاً . وكان في ملامحه سكونُ العارفين ، وفي صوته وقارُ العلماء ، وفي وجهه صفاءُ من المخلصين ، سرّاً وعلانيةً . لم يكن العلم عنده مهنةً يتكسب بها ، بل عبادةً يتقرب بها إلى الله ، ووسيلةً للتهذيب ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [ المجادلة : 11 ] .
كان الأستاذ الفقيد عالِماً ماهراً ، واسع الاطلاع ، قويّ الملكة ، متضلّعاً من العلوم العربية والإسلامية ، متشرباً بروح القرآن الكريم وهدي السنة النبوية . لم يكن العلم عنده حفظاً للمتون أو جمعاً للمعلومات ، بل كان نوراً يفيض على قلبه فيتوهج به فكرُه وبيانُه . كان يربّي طلابه على حبّ المعرفة ، ويغرس فيهم شغف الإنشاء والكتابة ، فيحفّزهم على الإنتاج العلمي والتأليف الأدبي ، حتى كوّن من تلاميذه طائفة من الباحثين والدعاة والكتّاب في ربوع الهند ، الذين يذكُرون فضله بالعرفان والتقدير .
وكان رحمه الله عابداً تقيّاً ، مخلصاً في عبادته ، رقيق القلب ، خاشع الصوت ، متواضعاً مع طلابه وزملائه ، يحمل في ملامحه نور الإيمان وسكينة العلم . تراه دائم الذكر والفكر ، موصول القلب بالله تعالى ، لم يكن من أولئك الذين يفصلون بين العلم والعبادة ، بل كان علمه عبادةً ، وعبادته علماً . وهكذا عاش في رحاب القرآن والسنة والعلوم الشرعية والعربية ، لا يفتر عن الدعوة إلى الخير ، والتعليم ، والتربية ، حتى آخر لحظة من حياته ؛ إذ أسلم روحه الطاهرة وهو في ساحة العلم ، بعد أن ألقى دروسه بكل نشاط وصفاء لطلابه في حرم دار العلوم ندوة العلماء .
وكان يحب أن يختلي بنفسه بعد الفجر ، يقرأ القرآن بخشوعٍ وتدبّرٍ حتى تشرق الشمس ، فيبدأ يومه بأنوار الذكر والعلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خيركم من تعلم القرآن وعلّمه ” ( رواه البخاري ) .
وكان الشيخ – رحمه الله – أحد أولئك الذين تعلموا القرآن وعلموه ، لا بالحروف فقط ، بل بالروح والمعنى ، وبالخلق والقدوة ، فكان تلاميذه يرون فيه صورة العالم الرباني الذي وصفه الله تعالى بقوله : ( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) [ آل عمران : 79 ] .
المعلم المُلهم والعابد الزاهد :
أما في ميدان التعليم ، فقد كان معلّماً بارعاً . امتاز بأسلوبه الرقيق الجاذب ، وبيانه الواضح المؤثر ، وصوته الهادئ المطمئن ، يجمع بين دقة الفهم وسهولة العرض . كان درسه واحةً من الحب والحنان ، والفكر والإيمان ، تأنس فيها العاطفة والعقول ، وتطمئنّ بها النفوس . وهو يفسّر المعاني بدقة ، ويستخرج اللطائف ، ويعالج النصوص معالجة فكرية وأدبية و روحية ، حتى أصبح قدوةً في المنهج وأستاذاً في التربية والتعليم . لقد أحبّ طلابه حبّاً صادقاً ، فبادلوه بالمحبة والوفاء ، وخلّدوا سيرته في قلوبهم قبل أن تُخلّد في الكتب . ولقد صدق من قال :
يعيشُ العالِمُ ما عاشَ علمُهُ فإذا مضى بقيتْ آثارُهُ تُتلى
كان الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله معلماً ألهم العقول وأيقظ الأرواح ، يفيض من قلبه نور الإيمان ، ومن لسانه حكمة العلم ، ومن سلوكه أدب النبوة . لم يكن التدريس عنده وظيفةً تكسب الدنيا ، بل رسالةٌ تُؤدَّى بخشوعٍ وإخلاصٍ وصدقٍ ، فهو من أولئك الذين علّموا بلسان الحال قبل المقال ، وغرسوا في تلاميذهم حبّاً للعلم لا يذبل ، وشوقاً إلى المعرفة لا ينطفئ . كان يدخل قاعة الدرس مبتسماً ، فتنشرح الصدور وتأنس الأرواح ، وكان كلامه موزوناً بميزان الحكمة ، ينساب إلى القلوب كما ينساب النسيم في الأسحار ، لا يعلو صوته إلا بالحق ، ولا يشتدّ إلا في موضع غيرةٍ على العلم أو نصحٍ لطالب .
قال الله تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) [ الزمر : 9 ] ، وكان الشيخ رحمه الله من أولئك الذين تجلّت فيهم هذه الآية في معناها الأتمّ ؛ علمٌ يورث خشية ، وخشيةٌ تثمر ورعاً ، وورعٌ يفيض أدباً وجمالاً .
وقد شهد له طلابه وزملاؤه بأن درسه لم يكن مجرد نقل للمعرفة ، بل كان مجلسَ تربيةٍ إيمانية ، يخرج منه الطالب بنورٍ في عقله ، وسكينةٍ في قلبه . كان يعلّمهم كيف يتأملون النصوص ، ويغرس فيهم حبَّ اللغة العربية ، ويذكّرهم بأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان . وكان كثيراً ما يردد على مسامع طلابه قول الإمام الشافعي رحمه الله : ” العلم ما نفع ، ليس العلم ما حُفظ ” . فكان يعلّمهم أن العلم لا يزكو إلا بالعمل ، ولا يثمر إلا بالإخلاص .
وكان رحمه الله أيضاً أديباً ماهراً ، يجمع بين جزالة البيان وعذوبة التعبير . يخاطب بلغةٍ رصينةٍ تحمل روح الأدب الإسلامي ، وتفيض بالعاطفة الصادقة والفكر الرفيع . وكان يربّي طلابه على حبّ العربية ، ويغرس فيهم الإحساس بجمال الكلمة ، وروعة البيان ، وسحر المعنى . وفي محاضراته ومقالاته ، لقد جسّد الأدب في أسمى صوره ؛ أدب الكلمة وأدب الخلق وأدب الروح .
كان يحب الشعر ، ويستشهد بأبياتٍ تفيض رقةً ومعنى ، كقول المتنبي :
وإذا كانتِ النفوسُ كباراً تعِبتْ في مرادِها الأجسامُ
وكان يرى في الكلمة الطيبة صدقةً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : والكلمة الطيبة صدقة ( رواه مسلم ) .
فجعل من الأدب عبادةً ، ومن البيان دعوةً ، ومن التعليم رسالةً ، لا تبتغي إلا وجه الله . وفي محاضراته كان يأسر الحضور بعذوبة منطقه وهدوء صوته وجمال تصويره ، فتغدو القاعة كأنها روضةٌ من رياض الذكر والعلم . يشرح النصوص بأناة ، يربط بين المعنى والوجدان ، ويستخرج من أعماق اللغة لآلئ الحكمة والإشراق ، فتجد في بيانه روحاً تنفذ إلى القلب قبل أن تمسّ الأذن .
ومن أروع ما تميز به الشيخ الراحل أنه كان صديقاً وفيّاً ، صادق العهد ، رقيق المشاعر ، يحمل في قلبه محبة خالصة لأصدقائه وتلاميذه . كان يتواصل معهم رغم مشاغله العلمية الكثيرة ، يسأل عن أحوالهم ، يواسيهم ، ويشجعهم على المضيّ في طريق العلم والدعوة . كانت صداقته قائمةً على الأخوّة في الله ، والإخلاص في المحبة ، والنصح الصادق . لا يزال كثير من أصدقائه يذكرون مكالماته الهاتفية التي كان يبعث فيها الدفء الروحي والودّ الإنساني ، وكم كان يفرح بلقاء إخوانه وأحبائه في كل زيارة له إلى ولاية كيرلا ، فيفيض وجهه بالبِشر والأنس والحنان . لقد كان للكاتب معه صلةٌ وثيقة ، لا تُمحى من الذاكرة . كان رحمه الله يتصل به من حينٍ إلى آخر ، بصوتٍ مملوءٍ حناناً ورحمةً ، يبدأ المكالمة بالحمد لله ، ويختمها بدعاءٍ صادقٍ كأنه نفحةٌ من الجنة .
ما زلت أسمع دويّ صوته العذب في أذني ، كأنه ترنيمةُ محبةٍ ووفاءٍ تملأ القلب نوراً وطمأنينةً .
كانت كلماته أشبه بقطراتٍ من ندى الصبح ، تبعث السكون في القلب وتغسل الهموم عن الروح . لم يكن يتحدث كثيراً ، ولكن كل لفظٍ منه كان يحمل معنى ، وكل دعاءٍ يخرج من لسانه كان يحيي القلب المرهق . وهكذا كانت صداقته صدقةً جاريةً في الأرواح ، تركت أثرها في قلوب محبيه ، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أحبَّ أحدُكم أخاه فليُخبره أنه يحبُّه في الله ( رواه أبو داود ) . وكان الشيخ يفعل ذلك بصدقٍ لا يُجامل ، وبروحٍ لا تعرف الزيف .
يتذكر كاتب هذه السطور دويَّ مكالماته الهاتفية العذبة التي كانت تفيض دفئاً ومودةً ، وتُشعّ محبةً وصفاءً ، كان رحمه الله يخصّني بحبٍّ صادق واحترامٍ كريم ، يكلّمني بصوتٍ مفعمٍ بالحنان ، يختار . كانت عباراته الحلوة ترنّ في أذني كأنها نغمٌ روحانيٌّ يبعث الطمأنينة في القلب ، ويغرس في النفس السكينة والوفاء . لم تكن مكالماته مجرد أحاديث عابرة ، بل كانت لقاءاتٍ قلبيةً تتجلّى فيها أخلاق العلماء وصفاء الأرواح ، يذكّرني فيها بفضل العلم ، ويحثّني على مواصلة الطريق بثباتٍ وصبرٍ وإخلاص ، وكأن كلماته دعاءٌ صادقٌ من قلبٍ أبيضَ عامرٍ بالإيمان .
لقد عاش الشيخ نذير أحمد الندوي حياة العلماء الأتقياء ، والمصلحين الأوفياء ، الذين حملوا العلم رسالةً وأمانةً ، وبذلوا فيه النفس والنفيس . عاش في ظلال ندوة العلماء التي أحبّها وأخلص لها ، وتخرّج من معينها ، وتشرّب فكرها وروحها ، فكان ندوياً في علمه وسلوكه وفكره ، يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وبين العلم والخلق ، وبين الفكر والإيمان .
حسن الخاتمة :
ما أروعها من خاتمةٍ ! لقد اختار الله لعبده الصالح أن يُقبَض في ساحة العلم ، وبين طلابه ، بعد أن أنهى درسه كما اعتاد دائماً ، بابتسامةٍ هادئةٍ وصوتٍ مطمئنٍّ ونورٍ يملأ المكان . كأنما سمع نداء ربه تعالى : ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) [ الفجر : 27 – 28 ] .
فصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد أن أدت الأمانة ، وبلّغت الرسالة ، وعلّمت الناس الخير . وبقيت سيرته علماً وضياءً في أرجاء ندوة العلماء ، وفي قلوب طلابه ومحبيه في الهند وخارجها . رحل الشيخ ندير أحمد الندوي ، لكن أثره لم يرحل ، فما زال صدى صوته في قاعات الدرس ، وذكرُه في دعاء طلابه كل صباح .
قال الشاعر في أمثال هؤلاء الخالدين :
يموتُ الفتى من بعد علمٍ وحكمةٍ ويبقى له بين الورى ذِكرُ خالدُ
إذا مـــــــاتَ ذو عـــــلــــمٍ وتقوى فإنّهُ يـــعـــيــشُ إلى يـومِ القيامةِ حامدُ
وهكذا عاش الشيخ الندوي للعلم ، ومات في محرابه ، وترك للأجيال بعده مثالاً للعلماء الربانيين الذين يجمعون بين العلم والعمل ، بين الفكر والخلق ، بين الدعوة والأدب . نسأل الله أن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، وأن يرفع درجته في عليين ، في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .
* الأمين العام لرابطة الأدب الإسلامي ، ولاية كيرلا ، الأستاذ المساعد ، كلية دار الأيتام للمسلمين بويناد التابعة لجامعة كالكوت ، الهند .

