الدكتور نذير أحمد الندوي ( 1965 – 2025م )
مايو 24, 2026عالم أضاء بعلمه مسالك في البحث الأدبي
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
قراءة سريعة في أطروحة الدكتوراه للأستاذ د . نذير أحمد الندوي رحمه الله
بقلم : الأستاذ د . عبد الرحمن أدريشيري *
مقدمة :
فارقنا حبيبنا الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي رحمه الله عن عمر يناهز الستين إثر نوبة قلبية أثناء تدريسه في دار العلوم لندوة العلماء . وكانت بيننا علاقة وطيدة بفضل زياراته المتكررة سنوياً للعلاج في مستشفى الطب الطبيعي في ولاية كيرالا منذ نحو عشر سنوات ماضية ، حيث كان يتولى أموره تلميذه مبين الحق الندوي ، فبالتالي حدثت بيننا علاقة ودية حيث كان يزور بيتي ويبيت معنا ونبحث قضايا علميةً وأدبيةً كما نتناول قضايا الأمة الإسلامية في الهند وقضايا تعليميةً في مدارس الهند الإسلامية ومناهج دراستها وغيرها من الأمور ذات الاهتمام المشترك بيننا .
وفي المرة الأخيرة قبل أسبوعين من وفاته زار كيرالا للعلاج حيث قضى هناك أسبوعين وزرته مرتين في المستشفى . وقد رأيته في هذه المرة ضعيفاً مرهقاً وانهارت قواه ، وقد تحدث معي عن أحواله الصحية ، وعدم توافر التسهيلات الملائمة لمريض السكر مثله لأن الأستاذ كان يعيش وحيداً في مسكنه في دار العلوم . وكانت عائلته في القرية البعيدة من لكناؤ ، وكان لا يشكو على أحد في أي مشكل كان يعانيه ، بل يتوكل على الله ويصبر عليه ويرضى بالقليل . إني كنت أنصحه كلما لقيته عن أهمية مراعاة الصحة والاعتناء بتناول الأطعمة التي تناسب لمرضى السكر ، ولذلك كان يشاطر معي جميع أحواله وظروفه الصحية ، وبعد رجوعه إلى ندوة العلماء اتصل به وأعرب عن قلقه بعدم تحسن الحالة الصحية بعد العلاج كما ينبغي ، وأنا قمت بتسليته ، وقدمت أمامه بعض الاقتراحات التي يجب أن يلتزم بها مرضى السكر . وكلما كان يتصل بي كان يوصي بالدعاء ، هذا كان ديدنه مع كل من يتصل ويلتقي به .
ثم حدث أن نعى علي خبر وفاته بعد أسبوع من اتصالي بي ، حيث صدمت بالخبر المفاجئ الذي وقع على قلبي كصاعقة . وما لنا إلا أن نتضرع إلى المولى ليتغمده بواسع رحمته ويتقبل جميع جهوده لنشر العلوم وتربية الأجيال متسلحين بالعلم والإيمان ويلهم أهله الصبر والسلوان .
ولا يخفى على أحد ، الجهود العلمية التي قام بها الأستاذ من تدريس المواد الأدبية والدينية في دار العلوم لندوة العلماء منذ ما يربو على ثلاثين سنة . وكتاباته للمقالات في مختلف الموضوعات وتحريره للمجلات الصادرة عن ندوة العلماء وتصحيحه لأخطاء الطلبة وتشجيعه على مجال البحث والكتابة ، وجزاه الله عنه خير الجزاء وجعله في ميزان حسناته .
” أدب الفتن والملاحم في الحديث النبوى الشريف ” :
وأنا أتحدث هنا عن الأطروحة التي قدمها الأستاذ إلى قسم اللغة العربية في جامعة لكناؤ في عام 2001م تحت إشراف د . شبير أحمد الندوي بعنوان ” أدب الفتن والملاحم في الحديث النبوي الشريف ” . وقد أهدى هذه الرسالة إلى والديه . وكانت والدته توفيت قبل تقديم هذه الرسالة . وما إن أهدى هذه الرسالة بأسطر تأخذ بمجامع القلب حيث سطر ” إلى روح والدتي المعظمة التي كانت تدعوني بالدكتور ، وكم كانت تتمنى أن أحصل على شهادة الدكتوراه في حياتها ، ولكن استأثرت بها رحمة الله قبل إكمال هذا البحث . . . . .
وقد قسم هذا البحث إلى أربعة أبواب ، وينقسم كل باب إلى عدة فصول وأقسام . يتناول في الباب الأول الأدب وتعريفه وغايته وأنواعه من الشعر والنثر ، والمراحل التي مرت على الأدب العربي والتطورات التي حدثت عليها على مر العصور . كما يبحث في هذا الباب وظيفة الأدب والفرق بين العلم والأدب وأهمية الأدب في الدعوة ونشر الدين وغيرها .
وأما الباب الثاني المعنون بالأدب العربي في العصر النبوي ، فيتناول فيه بالبحث عن حالة النثر العربي في العصر النبوي وتطوره وخصائص الخطابة في عصر الرسول . كما يناقش عن الشعر وموقف الإسلام منه وحالة الشعر في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وخصائص كلام الرسول من كلام الآخرين والأصناف الأدبية التي يحتوي على كلام الرسول ومميزات أسلوب كلام الرسول . وقد أفرد في هذا الباب بدراسة القيمة الأدبية والبلاغية في خطبة ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع . ويلقي الضوء في هذا الباب على المزايا الأدبية الواردة في الأدعية النبوية وفي الأقوال السائرة للرسول . كما يذكر مزايا الأمثال والحكم النبوية في هذا الباب ، ويورد نماذج من الأمثال والحكم النبوية ، وكما يتناول بالبحث عن الرسائل النبوية التي بعث بها إلى الملوك والأمراء يحثهم بالدخول إلى الإسلام ويناقش أسلوب العهود والمواثيق التي أخدها الرسول مع المشركين واليهود .
وأما في الباب الثالث فيناقش تأثير الحديث النبوي الشريف في إثراء اللغة العربية ومكانة الحديث في اللغة والأدب العربي وأثر الحديث وأسلوبه وأهميته ، وأورد بذكر أحاديث الفتن والملاحم وذكر قيمتها الأدبية . وأشار إلى ما في أحاديث الفتن والملاحم من الصور الفنية والقيم الأدبية .
وأما في الباب الرابع والأخير الذي يعد المحور الأساسي لهذا البحث تحت عنوان مجموعة من أحاديث الفتن والملاحم كنماذج أدبية رائعة . وهو في هذا الباب يقسم الفتن التي وردت في كتب الأحاديث إلى قسمين ، أحدها ما حدثت فعلاً ، والثاني لم يحدث بعد ، ومن قبيل ما حدث في الأمة الإسلامية نشوء الأهواء والاختلافات وتفرق الأمة الإسلامية بعد وفاة نبيها وقتال المسلمين بعضهم مع بعض ، ويبحث في الفتن العامة والأمور الهامة التي تحدث قبل قيام الساعة ، ومنها ما حدثت فعلاً من وفاة الرسول وموت الصحابة . وقد ذكر في هذا الباب مقتل كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بشهادتهما في بعض الأحاديث وتناول في هذا الباب بالبحث عن مقتل مشاهير الصحابة مثل ابن زبير وحسين بن علي وعمار بن ياسر وكما يناقش في البحث عن بعض الحوادث الداخلية التي وقعت في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، مثل واقعة الجمل والصفين والنهروان وفتنة الخوارج وفتنة ابن الصياد وغيرها . ويسرد تحت فصل ” فتنة ظهرت ولم تنقض ” فسوق الفتيان وطغيان النساء التي حدثت في الأمة المحمدية وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والاستحلال الحر والحرير والمعازف ، وتفشي الفواحش من الدعارة والزني . وأما في فصل ” فتن سوف تظهر ” يورد بعض الحوادث من حسر الفرات عن جبل من ذهب . وقد أعد هذه الرسالة قبل خمس وعشرين سنة وقد بدأت ترد الأخبار عن حسر نهر الفرات في هذه الأيام وتسرع الناس للتنقيب عن الذهب فيها . وكذلك يبحث في هذا الفصل عن خروج السفياني وغيره من الشخصيات الواردة في الأحاديث في أبواب الفتن التي يحدث في آخر الزمان . كما يناقش في فصل آخر في هذا الباب علامات الساعة الصغرى من كثرة الموت وكثرة المال وفيوضه والريح الحمراء ورفع القرآن وهدم الكعبة واستخراج كنزها ، وظهور كوكب له ذنب . كما أورد كثرة الصواعق عند اقتراب الساعة وذكر وقوع مطر شديد قبل يوم القيامة ، وذكر الخسف والمسخ والقذف ، واستباحة مكة ورفع الحجر الأسود من الكعبة وغيرها من الأمور العظام التي تقشعر منها الجلود والتي وردت في الأحاديث النبوية .
وفي الفصل الأخير من الباب الرابع يتناول بالبحث بالتفصيل عن علامات الساعة الكبرى مثل خروج الدجال وخروج عيسى وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من المغرب وخروج نار من قعر عدن وخروج الدخان وذكر ريح طيبة باردة التي تهب عند اقتراب القيامة وغيرها من الأهوال والحوادث الجسام . نسأل الله السلامة منها .
وتدل هذه الرسالة على سعة اطلاع الباحث في هذا الموضوع وكثرة مراجعة المصادر والمراجع والعكوف بين يدي الكتب والآثار والرحلة الشاقة التي قام بها لإعداد هذه الرسالة القيمة التي تنم عن الجوانب البيانية والبلاغية والقيم الفنية لهذه الأحاديث الواردة في أبواب الفتن والملاحم ، والتي تناولتها كتب الأحاديث والملاحم والسير . ولا شك أن هذه الرسالة تحفة رائعة للدارسين عن الأحاديث النبوية وقيمها البيانية وبخاصة ما يتعلق بأحاديث الفتن والملاحم . قد بذل الباحث فيها جهوداً مضنيةً للعثور عليها وتقديمها في لغة أدبية رفيعة وأسلوب شيق . ونسأل الله أن يجزل له المثوبة ويتقبل جهده هذا في ميزان حسناته .
* عميد كلية روضة العلوم بفاروق سابقاً ، كيرالا .

