فـهـمُ نـجــومٌ فـي ظـلامٍ مـظـلِــمٍ
مايو 24, 2026حجارة القاهرة تتحدث
مايو 24, 2026أدب الرحلات :
رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم
( الحلقة السابعة )
الأخ الأستاذ السيد عبد العلي الحسني الندوي *
نستمتع بسياحة ” البتراء ” التاريخية – التي ما زالت أعجوبةً ظاهرةً ملحوظةً من أعاجيب العالم المادي المزدهر الجديد ، والتي ما فتئت تذهل العقول الجديدة ، وتبهر التقنيات الحديثة ، وتوقع الهندسة المتطورة والمهندسين المعماريين المتقدمين في الحيرة والاستعجاب ، فهي أصالة وعراقة بأبهى معانيها ، وهي عروس الصحارى وبنت الزمان التي مازالت في عنفوان شبابها وسنام جمالها ، والتي ما برحت تجذب انتباه الزائرين إليها وهم يقعون في حبها بالصدفة ويبقون فيها بالاختيار ، يقول الشاعر الأردني سليمان الشميني في قصيدته إطراء للبتراء :
لـــــبـــتـــراء صــاغ ثـــغر الخلد لحناً تــــغــــرد فـــيـــه موسيقى ووزناً
لـــثــــانــــي عــجائــب الدنيا لصرح ســـبــي الألــبـــاب إعـجازاً وفناً
فـــبـــتـــراء الــعــظـيمة منذ كانت عــــلــــيـــهـــا مـبدع التاريخ أثنى
أشادت باســـمـــها بــكـر القوافي بشعر قد ســـما بـــرفـيع مـعنى
فما كـــرسـومها في الأرض رسم ولا كبنائها في الكون مبنى
وهـــندســـة عــن الأوصـــاف جـلت وآثــــار نــــهـــى الــــدنـــيــا خلبنا
إلى أن قال ….
تــرى مــن شـيد البترا قديماً أمــن بــشر هم أم كانوا جنا
هم العرب الأرادنة النشامى إذا شاءوا يصير الصعب هينا
بني الأنباط خــواضي المنايا لــعزمكم جبين المجد يحنى
وانتهت بهذه الأبيات ….
فيا أردن يا طـود الـمــعــالــي لك الروح الفداء فقر عينا
ستبقى للحضارة خير ركن وتـــحــيــا لـلمعارف خير بنا
بعد السياحة في العالم الحجري المنحوت توجهنا نحو وجهتنا الأخيرة في الجنوب الأقصى من المملكة الأردنية الهاشمية على مفتتح فرع البحر الأحمر الشرقي .
الطريق إلى العقبة :
وقبل أن نخوض في الحديث عن مدينتها الساحلية الوحيدة في المملكة نطلع وننظر إلى طرقات نعبرها في رحلتنا الآسرة الفاتنة هذه بين المناظر الخلابة من تلال ذات أشكال غريبة وهضبات بتكويناتها المتنوعة وقممها المتلونة على دروب الأردن المنحنية من ” البتراء ” إلى ” العقبة ” .
بدأت الرحلة بالتسلق إلى الجبل الشامخ في منطلق الطريق إلى وجهتنا القادمة ، حيث أوقف السائق سيارته قرب المقهى في حين كنا على ذروة الجبل متمكنين من الإطلال على هضبات البتراء المنحوتة التي تعرض لنا مشاهد طبيعيةً رائعةً تسحر العيون وتأسر القلوب بجمالها وهدوئها بعيداً عن ضجيج الحياة ، مكثنا هناك لدقائق معدودة متمتعين بالهواء النقي والطقس البهي الذي يجعل المناظر الطبيعية أكثر جمالاً وبهاءً ، ثم انطلقنا من هذه النقطة المطلة على مشاهدات مذهلة لجبال البتراء المنحوتة المصممة نحو مدينة ” العقبة ” مباشرةً سريعةً دون التوقف في منتصف الطريق ، وكان الطريق من أجمل الطرق الصحراوية اللافتة للانتباه والمثيرة للإعجاب ، فكنا فيما بين الطريق إذ مررنا بمنطقة مهجورة مدهشة يوجد فيها بعض الأجزاء المتضررة من خطوط السكة الحديدية المعطلة التي تمتد على طول سفوح الجبال حين كانت الشمس الغاربة تنطوي بحلتها الحمراء وأشعتها على الجبال تفضي منظراً دراماتيكياً فاتناً ، وحتى بعد اختفاء الشمس بكاملها كانت الجبال مغطاةً باللون الوردي الأحمر لمدة قصيرة ، وكان ذلك شفقاً ألبياً ربما يظهر على قمم الجبال بعد غروب الشمس .
فكان الليل يخيم والظلام يرخي سدوله ، وما زال الخيط من النور يتلألأ في آفاق الكون إذ دخلنا في مدينة العقبة .
أيلة والعقبة :
” أيلة ” هي مدينة قديمة وموقع تاريخي سحيق يمتد عصره على عهود مختلفة من الأنباط والعموريين ( الأموريين ) والبيزنطيين النصارى إلى الحقب الإسلامية في القرون الوسطى .
و ” أيلة ” اسم مشتق من ” أيل ” بمعنى الإله والرب في اللغة السامية ، ويقال : يشير هذا اللفظ إلى ” شجرة البطم ” وجمعها إيلات تتسم لكثافة أشجارها في هذه المنطقة وما يجاورها من مناطق فلسطين المحتلة ، فعلى كل ، هذه المنطقة تاريخية قديمة جداً تقع على مفتتح بحر القلزم الشرقي ( البحر الأحمر ) حتى ورد ذكرها في الحديث الشريف ، جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن ، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء . قال ابن حجر في الفتح : وأيلة مدينة كانت عامرةً وهي بطرف بحر القلزم من طرف الشام …. إلخ .
وهذه المدينة التي سكنها أصحاب السبت على ساحل بحر القلزم ، وهم فئة من اليهود ذكروا في القرآن المجيد في عدة مواضعه ، حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت ، فسُموا بـ ” أصحاب السبت ” ، قال تعالى : ( وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) [ الأعراف : 163 ] ، وهذا السياق هو بسط لقوله تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) ، قال ابن كثير : القرية ( التي ذكرت في الآية ) هي أيلة وهي على شاطئ بحر القلزم بين مدين والطور ، كانوا يعتدون يوم السبت ويخالفون أوامر الله لهم بالوصاة به ، إذ ذاك فاختبرهم الله بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده ، وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده ، وهؤلاء القوم ، احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن ، تعاطى الحرم ، قال نبينا صلى الله عليه وسلم : ” لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ” ، فصار أهل القرية إلى ثلاث فرق ، فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك وأنكرت واعتزلتهم ، وفرقة لم تفعل ولم تنه ، ولكنها قالت للمنكرة ، جاء في القرآن الحكيم : ( وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ، قال تعالى مردفاً واصفاً العذاب الأليم الذي حل بهم : ( قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) [ 164 ] ( فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) [ 165 ] ( فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) .
فأيلة لم يزل خرباً ، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فتبددت الظلمات واستقرت هذه المدينة التي كانت بين الخراب والتعمير منذ زمان مديد في عهد الخلفاء الراشدين المهديين خلال العصر الوسيط ، حتى أصبحت مدينة ” إيلا ” أول مدينة إسلامية خارج شبه الجزيرة العربية ، حيث بُنيت واستقرت على شواطئ خليج العقبة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، والتي كانت أيضاً المدخل الرئيسي لفلسطين آنذاك . أما الآن ، فتنقسم هذه المدينة التاريخية إلى قسمين : القسم الشرقي من الخليج تحت سيطرة المملكة الأردنية الهاشمية ، حيث تقع مدينة العقبة الساحلية ، وميناء الأردن الوحيد ، وعلى الساحل الغربي تقع فلسطين المحتلة ، التي تحتلها إسرائيل المستولية المغتصبة .
( وللحديث بقية )
* نجل الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي .

