رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة السادسة الأخيرة )
مايو 24, 2026السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026التوجيه الإسلامي :
من هم أهل السنة والجماعة
بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *
تعريب : محمد فرمان الندوي
إن تاريخ الأمم والشعوب والبلدان ، وتاريخ النوابغ من الرجال والنساء يُدرس بكل شوق ورغبة ، ويظهر من خلال الدراسة أن هؤلاء كم كانوا يحملون من مراتب مرموقة في حياتهم ، ثم إلى أي حد وصلوا من الخمول والذبول .
فهل فكرتم مرةً في هذه الناحية أن للكلمات والألفاظ تاريخاً ، وتحدث فيها ثورات وانقلابات ، ويطرأ عليها مد وجزر ، مثل الأمم والبلدان والرجالات ، ولا تخلو منه ذرة من ذرات هذا العالم المادي ؟
إن مفهوم الصبر الحقيقي هو الإدارة القوية والعزيمة الصادقة ، وتحمل المصائب برباطة جأش وطمأنينة قلب ، لكن معناه قد انحصر اليوم في نطاق ضيق ، بحيث إذا سبنا أحد أعرضنا عنه ، وإذا ضربنا أحد أصبحنا ساكتين ، وقلنا : يا رب ! إننا صبرنا ، فاجعل ثأرنا على من ظلمنا .
كذلك مدلول الفحشاء يسع معاني بالعربية ، لكن تضايق معناه بمرور الزمن ، وإن معنى الظلم كما أشار إليه القرآن الكريم هو الخروج عن حد الاعتدال ، سواءً كان مع نفس المرء أو مع الآخرين أو مع الرعية ، لكن تستعمل الآن هذه الكلمة عامةً في ظلم القوي على الضعيف ، وقس على ذلك كلمة الشريف ، فهي في اللغة مرادفة للرئيس ، ثم استعملت لآل النبي صلى الله عليه وسلم ، وتستعمل الآن في الرجل الذي ليس في نسبه أخلاط وشوائب ، وكذلك كلمة الدهشة في اللغة معناها الحيرة والاستعجاب ، لكنها تستعمل الآن في الخوف والهلع .
إن معنى الإسلام كان في العهد النبوي وعهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم توحيد الرب تبارك وتعالى ، وتصديق الأنبياء والمرسلين ، والإيمان بصدق الكلام الإلهي ، لكن يندرج في مفهومه الآن صفات ذات الباري جل وعلا الخاصة ، والصفات الأخرى العامة كما يأتي في مفهومه كون الآيات دليل النبوة أو عدمه ، واعتقاد كلام الله مخلوقاً أو غير مخلوق .
نشأت في كل عصر مآت من الفرق والطوائف في المسلمين ، لكنها كانت حبراً على ورق ، أو خطاً على ماء ، ظهرت على وجه الأرض ، ثم بادت وامحت ، لكن الطائفة التي ظلت باقيةً بكثرة أفرادها ، وعمت وانتشرت على أكبر بقعة من العالم الإسلامي ، تسمي نفسها أهل السنة والجماعة ، فلابد لنا من التفكر والتدبر فيما إذا لم يحدث تغيير في معنى أهل السنة والجماعة ، ولم يتبدل مفهومها ، ويُراد في شبه القارة الهندية من أهل السنة والجماعة من ليسوا شيعةً ، فهل هذا المفهوم يطابق الواقع ؟
أهل السنة والجماعة كلمة مؤلفة من ثلاثة أسماء ، معنى الأهل : الأفراد والأتباع والمقلدون والأشياع ، ومعنى السنة بالعربية : هو الطريق ، والمنهج ، ويطلق في المجاز اللغوي على السيرة والسلوك ، فليس المقصود من السنة هو المسلك العام ، بل هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الناس ، ومعنى الجماعة : الحزب والطائفة ، لكن المراد من الجماعة هنا جماعة الصحابة رضي الله عنهم ، فاتضح من هذا التحقيق اللغوي المدلول الحقيقي لأهل السنة والجماعة ، فلا يطلق هذا الاسم إلا على الأفراد الذين يكون محور عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار صحابته الكرام رضي الله عنهم .
تستعمل مقابل السنة البدعة: ومعنى البدعة : الأمر الحادث ، وفي الإصلاح الشرعى : البدعة هي ما أحدث في العقائد والأعمال الدينية ، ولم يثبت نقله من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يصدر منه إيماء أو إشارة في قوله أو عمله ، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم هاتين الكلمتين في هذا المعنى ، وأحياناً استعمل الهدى بدل السنة ، والمحدث بدل البدعة ، وهذه الكلمات مترادفة في القواميس ، ومعنى الهدى : المنهج ، ومعنى المحدث : الأمر الجديد .
ووردت في صحيح مسلم خطبته صلى الله عليه وسلم التي ألقاها أمام الصحابة رضي الله عنهم ، فاحمرت عيناه ، وارتفع صوته ، واشتدت لهجته ، قال : أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ( صحيح مسلم كتاب الجمعة ، ج 1/284 ) ، وورد في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ( مسند الإمام أحمد ، ج 4/126 وسنن أبي داوود 2/169 ، باب في لزوم السنة ، سنن الترمذي ، أبواب العلم ، باب من دعا إلى الهدى فاتبع ) ، وفي سنن أبي داؤود ، وسنن ابن ماجه : إياكم والمحدثات ، فإن كل محدثة ضلالة ( سنن أبي داؤد ، كتاب السنة ، وسنن الترمذي : أبواب العلم ، وابن ماجه ، باب اجتناب البدع والجدال ) ، وأمثال هذه الأحاديث موجودة في كتب الحديث بأوفر عدد ، فقد ذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمةً : محدثة ، ورد تفصيلها في مناسبات أخرى ، وجاء في صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ( صحيح البخاري ، كتاب الصلح ، باب إذا اصطلحوا على صحيح مسلم ، كتاب الأقضية ، ج 2/77 ) ، وفي صحيح مسلم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ( صحيح مسلم كتاب الأقضية ، ج 277 ) ، وفي سنن أبي داؤد : من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد ( سنن أبي داؤد ، كتاب السنة وباب في لزوم السنة ) .
فاتضح من هذه الأحاديث أن التعليم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، والعقائد التي علّمها أمته ، والمنهج الذي سلكه وعينه ، يعتبر فيه نقص وزيادة بدعةً ، ولا يعد ذلك جزءً من الإسلام في أي حال من الأحوال .
وهناك سؤال ، وهو لماذا يتطرق زيغ أو فساد في أمة بعد الإصلاح ؟ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم غافلاً عنه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ما مِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كانَ له مِن أُمَّتِهِ حَوارِيُّونَ ، وأَصْحابٌ يَأْخُذُونَ بسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بأَمْرِهِ ، ثُمَّ إنَّها تَخْلُفُ مِن بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يقولونَ ما لا يَفْعَلُونَ ، ويَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ ، فمَن جاهَدَهُمْ بيَدِهِ فَهو مُؤْمِنٌ ، ومَن جاهَدَهُمْ بلِسانِهِ فَهو مُؤْمِنٌ ، ومَن جاهَدَهُمْ بقَلْبِهِ فَهو مُؤْمِنٌ ، وليسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ( صحيح مسلم ج 1 ، باب شعب الإيمان ، ص 39 ، الطبعة المصرية ) .
هذه النصوص والأحاديث تدل دلالةً واضحةً على أن زيادة شيئ في أحكام الله ، وتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم أو حذفه جزء من استئصال للسنة ، وزرع بذور البدعة ، وهي تكشف معنى أهل السنة كشفاً واضحاً .
( للحديث صلة )
* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .

